مجتمعاتنا و المخدرات : ( حليب السباع .. بقلم : سعاد جروس )

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • ورق الألوان
    عضو متألق
    • Aug 2004
    • 2997

    #1

    مجتمعاتنا و المخدرات : ( حليب السباع .. بقلم : سعاد جروس )



    شاب في مقتبل العمر, لا يفك الحرف, ولا يملك سوى قوت يومه, يُحَصِّله من عمله المياوم في أي مكان يتيسر له, دكان بقالة, بستان, منشأة صغيرة. وحينما تنسد السبل في وجهه ينطلق مع رفاقه إلى أعمال التهريب عبر الحدود السورية¬ اللبنانية, وسيلتهم دراجة نارية أجرة وظرف حبوب!! الحبوب طبعاً ليست هي المواد المهربة, بل وسيلة لتمرير مهرباتهم الصغيرة, وهي عبارة عن 100 لتر مازوت, اسطوانة غاز... إلخ, شيء يعينهم على تمضية يوم كامل دون جوع, مع باكيت دخان. ‏

    الحبوب هي السر الذي لم نتمكن من معرفة ما هو, فيما إذا كان حبوب دواء عادي يستخدم بدل المخدرات, أم هو مخدرات فعلاً. كل ما عرفناه عنها, هو ما قاله الشاب لدى وصفها لرفيقه المستجد على دروب التهريب: «ظرف بمئة ليرة سورية فقط, تناول حبة واحدة منه, وبعدها ستفقد الإحساس بالذعر, وتحلق بالسماء على دراجتك النارية, فلا ينال منك رجال الدوريات عند الحدود, ولن يعرف الخوف طريقه إلى قلبك, حتى لو امسكوا بك لن تشعر بالإهانة, فأنت لن تشعر بالألم, وستمتلك قوة خارقة لمواجهتم والدفاع عن نفسك, سترعبهم وأنت تواجههم بصدر مفتوح مثل أبطال السينما». ‏

    ترى ما حجم الاستغراب والدهشة الذي يستحقه هذا الوصف الترويجي لحبوب غير معروف ماهيتها. طبعاً ليس من خصائصها التي تحقق البسط والانشراح, وإنما لقدرتها الإعجازية حسب اعتقاد مروجها المجرب على تبديد الخوف وإطلاق مكنونات القوة والتمسحة والتحدي والمقاومة, لدى شباب من المؤكد أنه لا يفتقدها, لكنه يكبحها أمام سطوة دوريات الأمن المسلحة. ‏

    وللمزيد من الفهم, يشرح الشاب القدرة السحرية للدواء بأنه أشبه بـ«حليب السباع», وقد نتأكد من مفعوله حين وقع شاب منهم بين أيدي إحدى الدوريات, فأفلت عنان البذاءة والقوة, وراح يكيل لهم ما شاء من أقذع الشتائم ويضربهم بكل ما أوتي من عزم. مشهد لم يعتده أبناء المناطق الحدودية في محافظة حمص التي تعج بالمهربين الصغار, وهم الذين كانوا يفرون مذعورين على دراجات نارية تنطلق كالصواريخ تحت وطأة الملاحقة, ليتلقفهم الموت عند منعطف, أو مطب على الطرق الوعرة, أو في مشهد آخر يقذفون مهرباتهم بعيداً, قبل أن يركعوا بذل ليقبلوا أقدام رجال الدورية طلباً للرأفة! ‏

    من الأسئلة البديهية التي اعتدنا على طرحها, أين العيون الساهرة من هذه الظاهرة؟ ومن البديهي ألا نظفر بجواب, ربما لأن هؤلاء الشباب مسقطون من حسابات خطط التنمية الوطنية, ولا يستحقون رقابة تجنبهم مصيراً محكوماً بالإحباط تحت وطأة الجوع قبل التهميش والإهمال, كحال المناطق النائية وأطراف جغرافية الدولة, اللهم إلا إذا اعتبرنا لغة الأرقام المستجدة في حديث الفقر والبطالة كافية لنطمئن إلى مستقبلهم, بما أن الاهتمام اللفظي بهم على قدم وساق. ‏

    بعيداً عن هذا نجد أننا أمام أهداف جديدة لتعاطي المخدرات, تتجاوز تبديد الشعور بالكآبة إلى تطليق الخوف وإطلاق الشحنات المكبوتة, فإذا كان الفقراء منهم في المناطق النائية يلجأون إليها في سبيل لقمة العيش, فهم في أحزمة الفقر المحيطة بالمدن يتعاطون ما يتوافر من مسكنات وأدوية سعال للتخلص من عبء محيط تزداد غربتهم عنه يوماً بعد يوم. ‏

    وإذا شئنا تجنب المبالغة في اتساع هذه الظاهرة, لا يمكن التغافل عنها كمؤشر خطير إلى التشتت والعدمية عند الأجيال الجديدة الطالعة, الشريحة التي تهملها الحكومة والمجتمع, ويستبيح الإعلان وأفلام العنف أحلامها وغرائزها, ويغرقها بصور مترفة تعزز الشعور بالخيبة والعجز عن صنع مستقبل يجسد تلك الصور البراقة. أحدها, وهو حلم أصبح دارجاً لمراهق متفوق بالدراسة أن يصبح رئيس عصابة يرتدي أفرادها ملابس سوداء, يركبون دراجات «بطح» محملة بالقنابل وكل أنواع الأسلحة الخفيفة, وتسابق الريح, يفعلون ما يحلو لهم دون أن يتجرأ أحد على المساس بهم!! ‏

    بعد هذه المشاهدات الخطيرة والأحلام السوداء الخلبية, تتحفنا المفارقة السورية العصية على الفهم بسماع زعماء الأحزاب المخضرمين يراهنون على الشباب, ومنهم من يتحدى مفاخراً بقدرته على حشد أكثر من مئة ألف منهم وتحريكهم في الشارع, ما إن يصدر قانون للأحزاب. وآخر يتحدث عن «تعبئة» فكرية سيمارسها حزبه على نطاق واسع ما إن تُطلق حرية العمل السياسي. عموماً لا تشكك الأحزاب القائمة والمقبلة في الشعبية التي سيحققونها بين الشباب!! ‏

    لا نعرف من أين يستمد هؤلاء ثقتهم بإمكاناتهم في الحشد والتحشيد, هل من نجاح تجاربنا الحزبية العريقة في التعبئة والتفريغ؟ أم من اعتقادهم بأن الشباب عبارة عن مجاميع كومبارس تحمل على أكتافها طاسات فارغة بانتظار تعبئتها بوقود أفكارهم السياسية, ليندفعوا بعدها حسب رغباتهم الحزبية!! ‏

    وطالما هذا الفيض يتردد على أفواههم دونما حساب لطموحات الشبان, فمن الطبيعي أن نقتنع بأن الايديولوجيات المهزومة ما زالت تعيش طبقاً للشعارات الزائفة نفسها التي دمرت أسباب النهوض في الماضي, وها هي تستعد لإغراق الحاضر بالخراب النفسي والتشوه الفكري. إلا إذا اعتقدنا أن هذا الضجيج من تداعيات «حليب السباع» ما غيره, وجد طريقه إلى أيدي الجميع, الآباء قبل الأبناء, فطلقوا الخوف والعقل والواقع. ‏

    الكفاح العربي

    [flash=http://www.sfhty.com/u/57823200601250238521.swf] width=300 height=120 [/flash]

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...