الحياة مرة اخرى..فن التفاعل مع الناس والحياة ..الفصل الرابع
لا أعرف كم بقيت على وضعي هذا .. ولكنى عندما فتحت عيني .. رأيت المشهد حولي .. كما تركته قبل الحادثة .. الناس في غدو ورواح .. والمحال .. والأصوات المختلفة.. تملأ الجو.. صحيح أنني لاحظت.. إختلاف في الوجوه .. ولكن هذا لم يشغلني كثيراً .. على ما يبدو .. أن خطة الإنتحار.. قد فشلت هي الأخرى .. وببطئ شديد .. بدأت أتحسس وجهي وجسدي .. وبصعوبة دفعت نفسي .. ونهضت واقفاً على قدماي .. تلفت حولي .. الشاحنة لا وجود لها .. كما لو كانت قد تبخرت ..أتجهت نحو الطوار .. وعلى حين غرة .. رأيت ضابط بوليس.. أمامي مباشرة .. فرفعت يدي أمام وجهي.. بحركة لا إرادية.. وهتفت في خوف شديد (( أرجوك يا حضرة الضابط .. أنا لست ذلك النوع من المخمورين .. لقد كانت هناك تلك الشاحنة .. كل ما فعلته أنها قبلتني فقط .. ولكنك تستطيع أن تسأل عني الشاويش أبو زيد.. وسيخبرك.. أنني لست من ذلك النوع السيئ من المخمورين )) ملئني الذهول.. وأنا أتطلع إلى الضابط .. أنه ينظر هنا وهناك.. ومن خلالي .. دون أن يراني .. ثم ها هو يعدل من وضع مسدسه.. ثم ينصرف.. مبتعداً عن طريقي .. ليتركني أحدق فيه بدهشة بالغة .. تلفت أنظر حولي .. ورأيت الحانة على بعد خطوات .. فأتجهت نحوها .. وأنا أخرج سيجارة.. من جيب سروالي .. وضعتها في فمى .. ولكنى لم اجد عود ثقاب لاشعلها .. انتظرت حتى اقترب مني شاب.. بصحبه خطيبته .. وهتفت به (( معذرة يا اخي .. هل تمانع في ان تعطيني .. ) ولكنه تجاوزني.. هو وفتاته .. دون حتى ان يلتفتا نحوي .. هناك رجل قادم من الاتجاه المعاكس .. قطعت عليه طريقة قائلاً ( معذرة يا سيدي .. هل اجد معك قداحة لاشعل سيجارتي .. ) ولكن الرجل هو الاخر تخطاني.. دون أن يلتفت نحوي .. وكأنه لا يراني .. وقفت أهز رأسي متفكراً .. وعلى وجهي إبتسامة تائهة .. ثم لم ألبث أن عبرت الشارع.. إلى الجهة المقابلة .. حيث تقع سينما مترو .. كانت الفتاة.. في شباك قطع التذاكر .. مشغولة .. في قراءة مجلة عن السينما .. فنظرت نحوها .. من خلال قضبان الشباك.. وأنا أقول (( السينما هى صندوق الاحلام هة )) .. ولكن الفتاة تابعت القراءة .. وتجاهلتني تماماً .. فعدت أقول .. (( أنا لا أعاكسك يا آنستي .. فأخت صديقي أشرف.. هي التي تجلس مكانك.. في العادة .. وكنت أريد أن أتحدث معها .. عما جرى لي مؤخراً .. في البداية كانت هناك تلك الشاحنة .. التي تتقدم مسرعة في إتجاهي .. ثم .. على الأقل كوني ظريفة معي . وتخلي عن هذه المجلة لمدة ثواني.. وإسمعيني .. فأنا على ما يبدو .. أصبحت غير قابل للمس .. فأنا مثلاً عندما أتحدث مع الناس .. وأطلب منهم إشعال سيجارتي .. )) ولكنى بترت عبارتى فجأة .. عندما حانت مني إلتفاته.. إلى المرآة الكبيرة.. التي تحتل كامل الحائط.. المواجهة لشباك التذاكر .. ورايت في داخل المرآة كل شي .. كل شي .. الفتاة .. الشباك .. افيش فيلم ( فلاش دانس ) .. أما أنا.. فلم يكن لي وجود داخلها.. على الإطلاق .. إقتربت من المرآة.. في خطوات مرتجفة .. وواجهتها . ولكنى لم أرى إلا الخلفية .. أما أنا فقد أنعدمت تماماً .. تحسست المرآة .. تحسست نفسي .. وفي النهاية.. سقطت ذراعي إلى جانبي .. وأنا أقول في تسليم .. (( يبدو أنني قد مت بالفعل .. هذا هو ما حدث .. لقد أنتهيت تماماً )) ..وقفت في مدخل السينما .. ورحت أتطلع إلى وجوه الناس.. الذين يعبرون أمامي .. متنقلاً من وجه إلى أخر .. ثم هتفت بأحدهم (( هاااي .. أيها الرجل الأنيق .. أنا شبح .. لقد قامت الشاحنة بعملها.. على أكمل وجه.. هذه المرة )) وصمت برهة قبل أن أتابع (( عووو .. أنا أفزعك الآن .. لماذا لا تخاف مني .. ألم تفهم بعد .. أنني شبح .. شبح .. شبح )) وعندما فشلت في جذب إنتباه المارة نحوي.. أخذت نفساً عميقاً .. ورحت أضرب في الشوارع.. على غير هدى.. وأنا أقول (( لأول مرة في حياتي القصيرة أنجح في شئ ما )) .. في داخل الحانة .. كان هناك .. عدد قليل جداً من الزبائن.. موزعون هنا وهناك .. في انحاء القاعة .. توجهت مباشرة نحو البار .. وجلست على المقعد الدوار .. أمام سيد البارمان مباشرة .. رجل في الخمسينات في عمره .. تبدو على ملامحه الطيبة والحكمة .. ورحت أضرب النضد بأصابعي.. وعندما لم يلحظني.. قلت ساخراً (( سيد البارمان . لا يعمل اليوم .. أليس كذلك )) ثم نظرت نحو الرجلين.. اللذين يجلسان إلى جواري.. وتابعت (( ولا أنتم أيضاً تستطيعون رؤيتي )) ثم دورت بالمقعد في حركة بانورامية.. وتابعت.. وأنا أنقل بصري بين رواد الحانة (( أنتم جميعاً لا تروني )) .. ثم رفعت أصبعي أما وجهي وقلت (( ولكن لدي ملاحظة هامة أيها السادة .. لقد أعتدت المجيء إلى هذا المكان.. كل يوم تقريباً .. ولكني لم أشاهد أحداً منكم من قبل .. ويؤلمني جداً أنكم لا تستطيعون ملاحظتي .. مثل أهل حياتي الماضية .. بالرغم لشوقي الشديد إلى إهتمامكم بي .. وتعاطفكم معي )) .. درت بالمقعد مرة أخرى.. مواجهاً سيد البارمان .. وتأملته في إعجاب.. وأنا أواصل (( وأحب أيضاً أن أقدم لكم .. شخصاً عزيز على جداً )) ورفعت يدي في حركة تمثيلية.. نحو سيد وتابعت (( هذا هو سيد البارمان .. لقد كان يمدني في بعض الأحيان بكأس أو كأسين .. كمنحة من المحل .. عندما لا يكون معي نقود .. لقد كان بالفعل رجلاً لطيفاً .. هل تعلمون ماذا فعل معي في أحد الليالي ..)) ونظرت في عينيه التي لا تراني وقلت لة(انت تعلم جيدا ما فعلتة من اجلى) ثم أستطردت مخاطبا رواد المكان.. (( لقد بحث عن أسطوانة لي .. كنت أشارك العزف فيها.. واحد من رواد الغناء العربي .. وكان هذا منذ فترة طويلة .. وكان لي في هذه الأسطوانة .. عزف منفرد على الناى .. لقد شغل هذه الأسطوانة من أجلي .. وكانت مفاجأة كبيرة لي )) .. هززت رأسي.. مبتسماً بإمتنان للذكرى .. ثم عدت أقول (( هل تصدقون هذا الشيء اللطيف من سيد العجوز )) ثم تلاشت الإبتسامة عن وجهي.. وأنا أواصل (( حدث كل هذا .. عندما كنت حياً )) وغادرت مقعدي.. متجهاً إلى باب الخروج .. ولكنى توقفت في منتصف الطريق .. ورحت أتطلع حولي متفكراً .. وأنا أقول لنفسي ( ولكن هذا غريب جداً .. فلو هذا ما حدث لي .. أقصد هل سأظل أتنقل من مكان إلى أخر هكذا.. بدون هدف .. إن هذا قد يورثني الجنون .. أقصد أنه ليس هناك من أتحدث إليه أو أستمع إليه .. كلا سواء .)) ثم فتحت باب الحانة وخرجت.. وأنا أقول (( كنت شاب عجوز لا يثير إنتباه أحد ..والان اصبحت.. شبح شاب عجوز.. ايضا لا يثير انتباة احد )) . قادتني قدماي الى ذلك الركن المظلم .. من الشارع الخلفي .. الذي يطل.. على ملهى الأوقات السعيدة .. الذي حدث فيه ذلك الموقف المؤثر..العاصف.. بيني وبين ( باهر ).. مساء الأمس .. الباب مغلق .. والموسيقى تصلني ضعيفة واهية .. ولكن فجأة .. طرق مسامعي .. صوت عزف منفرد.. لناى .. ولكنه كان قريباً جداً مني .. فألتفت حولي .. أبحث بعيناي .. عن مصدر تلك الموسيقى الخلابة.. وهناك إلى جوار أحد الجدران الكاحلة .. رأيت رجلاً يرتدي ملابس رسمية بيضاء .. منهمك في عزف مقطوعة موسيقية جميلة .. فرحت أتقدم من مجلسه .. مستمتعاً بالنغمات الرائعة.. الصادرة من الناي .. ولكنه توقف عن العزف .. عندما أقتربت منه .. فقلت له مسحوراً بالموسيقى العذبة (( أرجوك أستمر.. إن عزفك رائع )) فإذا بالرجل يبتسم.. وهو يقول لي (( أشكرك )) .. ضربت رأسي بكفي في ذهول .. ونظرت إلى الرجل.. وسئلته في دهشة (( هل قلت لي اشكرك .. هل سمعت صوتي .. )) أتسعت إبتسامة الرجل وأجاب (( نعم سمعتك )) فقلت بلهفة (( وهل تراني )) عاد الرجل يهز رأسه.. وهو يقول (( بكل وضوح )) حككت رأسي غير مصدقً .. ثم قلت (( هل أنت شبح أيضاً ..)) فإبتسم الرجل وقال (( ليس كذلك بالضبط )) فقلت في حماس (( هذا الصباح .. ألقيت بنفسي أمام شاحنة مسرعة ..)) ثم مبتسماً تابعت (( صدقني .. إن هذا ضار جداً بالصحة .. لا تحاول تجربته يوماً ما )) فإبتسم الرجل الغامض .. وهو يناولني بوقه قائلاً (( هل تحب أن تعزف قليلاً على هذا الشيء.. يا ضياء )) فتناولت الناي من يده في حماس .. وأنا أقول . (( نعم نعم .. أتمنى ذلك .. هل تسمح لي )) فأشار الرجل نحوي مؤكداً (( يمكنك أن تفعل به ما يحلو لك )) تناولت البوق ..لكنى توقفت فجأة.. محدقاً في وجه الرجل .. وأنا أقول في ذهول (( ضياء.. هل قلت ضياء )) فهز الرجل رأسه وقال (( نعم .. ضياء الزين !. هذا هو أسمك .. أليس كذلك )) قلت موافقاً (( نعم هذا هو أسمي .. ولكننا لم يسبق لنا التعارف من قبل )) فقال الرجل ببساطة (( ليس بصورة رسمية .. ولكنى أعرفك على نحو ما .. وأعرف أنك عازف ناي ممتاز .. وأنا أيضاً خبير في العزف على الناي .. والآن .. هيا .. أرني عزفك )) وأشار إلى الناي بطرف إصبعه .. فرفعته إلى فمي .. وما هي إلا لحظات قليلة .. حتى بدأت الموسيقى الجميلة الرائعة.. تمليء الجو من حولنا .. كانت النغمات دافئة .. وغنية .. وممتلئة بالحياة .. ولكنى توقفت بعد فترة .. ونظرت إلى الرجل الغامض وسئلته .. (( كيف رأيتني.. وعرفتني .. هل أنت شبح.. هل أنت رجل ميت )) فقال لي الرجل .. وهو يضغط على حروف كلماته (( أنا لست ميتاً .. حتى أنت لست ميتاً أيضاً )) فإتسعت عيناي في ذهول وقلت (( أنا لست ميتاً))فقال(( بكل المقاييس )) فقلت وأنا أشير بذراعي في الهواء (( هل تعني أن رواد البار .. والفتاة في شباك قطع التذاكر ..والناس اللذين في الشارع )) قاطعني الرجل (( كلهم أموات .. وأشباح أيضاً .. أنت الوحيد الحي في هذه المدينة )) فقلت له (( لقد أخبرتك لتوي .. أنني ألقيت بنفسي أمام شاحنة هذا الصباح )) فقاطعني الرجل مرة أخرى قائلاً (( هذا هو ما فعلته بنفسك .. أما الآن فأنت لست هنا .. ولا هناك .. أنت في الوسط .. أنك تعيش حياة برزخية .. بين الواقع والخيال .. ترى ما هي نوع الحياة التي تفضلها الآن )) فقلت متفكراً (( أتقصد أن هناك فرصة أمامي .. كي أعود حياً مرة أخرى .. إلى تلك الحياة التعيسة .. التي هربت منها منتحراً .. أو أن أصبح ميتاً رسمياً .. كما هو الحال.. مع أهل المدينة هؤلاء )) هز الرجل رأسه موافقاً وقال (( نعم .. ولكن قبل أن تختار ما بين هذا أو ذاك .. أحب أن أعرف السبب.. الذي دفع بك إلى الإنتحار )) .. كررت على مسامع الرجل الغامض .. كل ما قلته الباهر بالأمس .. فتطلع الرجل إلى عيني مبتسماً .. ثم قال (( حسناً .. لا تتخذ قرارك الآن .. فقط إتبعني .. فأن أريد أن أطلعك على أمر ما .. قد يساعدك في إتخاذ قرارك )) سار الرجل الغامض أمامي .. وأنا أتبعه .. وأصوات الموسيقى الخافتة.. القادمة من الملهى .. تنساب في ظلام الحارة .. قطعنا شارع طلعت حرب حتى نهايته .. عبرنا ميدان التحرير .. ثم دخلنا في حي جاردن سيتي الهادئ.. وراح الرجل الغامض يتنقل من شارع إلى أخر .. وأنا أتبعه في صمت .. متفكراً فيما يحدث من حولي .. إلى أن توقفنا أمام فيلا.. رائعة الجمال .. وعلى بوابتها.. شاهدت.. لافتة ضخمة.. مكتوب عليها .. (( معهد العلاقات الإجتماعية )) وإندهشت جداً .. فأنا رغم معرفتي التامة .. بتفاصيل هذا الحي .. إلا أنني لم أشاهد هذا المعهد من قبل .. وكأنه قد برز.. فجأة.. من العدم .. ودخلنا .. بعد أن سمح لنا رجل الأمن .. الواقف على البوابة بذلك .. وصعدنا درجات السلم المؤدية إلى باب الفيلا .. وعندما أصبحنا داخلها .. وقفت في الصالة الكبيرة.. أتلفت حولي .. كان هناك تسعة أبواب مغلقة .. تقع على محيط دائرة .. وقال الرجل الغامض .. وهو يشير إليها .. (( خلف كل باب من هذه الأبواب .. ستتعلم شيئاً جديداً .. ربما يساعدك في إتخاذ قرارك الهام .. والآن إلى الأمام )) وتوجهنا نحو الباب رقم (1).. وفتحه الرجل الغامض ودخل .. وتبعته أنا على الفور



تعليق