حب دافئ في بلاد الثلج :
إليك يا … " دفء حبك يحيل ثلج غربتي ناراً تبدد الشتاء القارس في شمال أوربا .. شلال شعرك الذهبي يسمعني تدفق الجداول في موطني .. وخضرة عينيك تلقيني بين أحضان الخمائل في بلدي .. قامتك الممشوقة تذكرني بنخيل أرضي الشامخ في أرض العرب ..كلماتك المعسولة ولمساتك الرقيقة تعيدني إلى أحضان أمي وتهدهدني بتحنان بين ضلوعها .. كل ما فيك يشدني إلى جذورك وأصلي .. وحين اخترتك زوجة في الغربة رأيت فيك أطياف الوطن بل خيل إلي ذلك !! ظننت أني سأجد عندك بعضاً مما أفتقده في غربتي .. ولكنك كنت تشدينني بكل جذوري لتغرسيني في شمال أوروبا .. حتى طفلنا الصغير والذي يشبه والدي بلونه الأسمر وسواد عينيه وكرمه العربي ، أردته أن يكون صورة عنك وعن هويتك .. أردت أن تقتلعيه من جذوره وأصله وتزرعيه في تربة غريبة وأرض باردة .. ابننا مايك .. تحرّمين عليَّ أن أناديه بمالك خشية أن يذكرني باسم أبي .. تحرمين علي أن أكلمه باللغة العربية خوفاً من أن يرتد إلى أصوله ويعي حقيقته !! تحرمين علي أن أحدثه عن ديني أو أن أغرس في قلبه بذور الإيمان لأن ذاكرتك القريبة تعيدك إلى الأندلس وإلى مآذن
المساجد التي رددت أصوات التوحيد طوال قرون عديدة .. فقرعت آذان الكفر ودكت عروش الظلام في أوروبا !! أحببت سمرتي وتغزلت بلوني ولكنك أنكرته وفزعت منه على جلد ولدي !! أحببت سحر الشرق في قصص ألف ليلة وليلة واشتقت إلى شهرزاد في كل ليلة ولكنك رفضت رفضاً قاطعاً أن نعود إلى الشرق خوفاً من العودة إلى الجذور والتشبث فيها .. عشقت المرأة الشرقية وأثوابها المزركشة الطويلة وخمارها الأسود الموشى بلون الشمس ، عشقت رائحة العود والعنبر المدفونة في أعطافها .. وغضبت مني غضباً شديداً حين طلبت منك أن تطيلي ثوبك كي يستر فخذيك ، أو أن تلبسي خماراً شرقياً يغطي شلال شعرك الهائج .ز حسدت المرأة المسلمة لأنها مدللة لا تعمل ولأن الرجل مكلف بالإنفاق عليها ، ثم صرت كزوبعة عمياء حين طلبت منك أن تتركي عملك وتتفرغي لتربية طفلنا مايك والاهتمام بالجنين المرفوض في أحشائك .. والذي اعتبرته غلطة لا تغتفر .. ونقمة ساقها القدر .. كم كنت قاسية باردة كصقيع بلادك حين ألقيت بمولودتنا الصغيرة سارة في أحضان المربية ثم اعترفت أنك لا تنوين إرضاعها ولا ترغبين بالتعلق فيها لأنك سترسلينها إلى مدرسة داخلية . أي حياة أعيشها !! وأي دفء تبعثينه في أعطافي في بلاد الثلج !! كم أحن إلى الشرق .. كم أتوق أن أقبل جبين الشمس في بلادي .. وأن أسجد لله تحت سماء وطني .. وأن أتمرغ في أحضان أمي وألثم تراب وطني !! لقد جردتني من هويتي واسمي .. واقتلعتني من جذوري حتى لغتي العربية حرمت علي أن أتكلم بها فإذا ما اجتمعت يوماً بصديق قديم نتقاسم في حديثنا هموم الغربة ونجتر ذكريات الماضي .. فنعود ولو لحظات إلى مدارج الصبا وملاعب الطفولة في الوطن .. كنت تصرخين بشدة ، وتطلبين بإصرار أن نتحدث بلغة تفهمينها !! وحين طلبت منك أن ترافقيني مع الطفلين لزيارة الوطن والتعرف على الأهل طعنتني وأنا في قمة نشوتي وسعادتي وسرقت من أجفاني آخر أحلامي بالعودة إلى الوطن .. فقلت ببرود : أنا لا
أستطيع أن أعيش في قرن سابق !! أو في عهود متخلفة وحين علمت أني أخطط للعودة نهائياً ، واصطحاب ولدي معي نزعت آخر أقنعتك المزيفة فظهرت بوجهك الحقيقي ، وعنصريتك المكشوفة .. وطلبت ضم الطفلين إليك في المحكمة لأن القانون في صفك ولأني غير جدير بأبوتهما !! وها أنذا اليوم أحفر بأظافري تراب الوطن ، أغرس نفسي ، وأعمق جذوري .. أسجد لله بحرية .. أتكلم عربيتي بطلاقة ، أعطر أعطافي بحب الوطن ، وأدفئ مشاعري التي تجمدت .. ها أنذا أستعيد أصالتي وهويتي في وطني وبين أهلي وأحبابي .. أنتظر دفء شهرزاد مسلمة شرقية تلفني بحنانها وإخلاصها .. ولكنني مع كل ذلك أتجرع الآلام .. وحين يجن الليل لا أنام !! فقد خلفت هنالك في بلاد الثلج طفلين صغيرين ، أخالهما فسيلتي نخل مغروستين في أرض غربية ، وبلاد بعيدة ، وأجواء غير مناسبة .. وكل ما أخشاه أن تكبر نخلتاي وتطولا معوجتين !! أن تصبحا نبتاً شيطانياً لا يثمر جنياً ولا نفعاً ولا تمراً !! كل ما أخشاه أن تقتلعهما رياح الشمال العاتية .. لأنهما بلا جذور !!
( منقولة من كتاب مائة قصة وقصة )
مع خالص تحياتي
عصام زايد


تعليق