الميلاد الجديد :
للغامدي بتصرف واختصار . انضم خالد إلى حلقة تحفيظ القرآن الكريم … وكان خجولاً هادئاً … كثير الصمت … نشيطاً في الحفظ والمراجعة … أحب الجميع … وأحبه الجميع … يقول أستاذه : لم نكن ننكر عليه أي شيء إلا شروده الطويل وتفكيره الساهم … فأخذته يوماً في رحلة إلى شاطئ البحر فلعل سره الكبير يلتقي مع هذا البحر الكبير فيفرغ ما في نفسه من هم ويخرج ما في روحه من ألم … ووقفت أمام هذا الفتى الصامت أمام هذا البحر الهادئ الصامت … المنظر كله صمت … في صمت … وفجأة يخترق هذا الهدوء الصامت … صوت بكاء حار … ونحيب مر … صوت خالد وهو يبكي … لم أشأ أن أقطع عليه لذة البكاء وطعم الدموع فلعل ذلك يريح نفسه … ويزيل همه … وبعد لحظات قال : إني أحبكم … أحب القرآن … وأهل القرآن الصالحين … الطيبين … ولكن أبي … أبي يحذرني دائماً أن أمشي معكم … يخاف منكم … يكرهكم … دائماً يبغضني فيكم … ويستشهد على ذلك بقصص وحكايات وأساطير… لكن عندما أراكم في الحلقة تقرؤون القرآن كنت أرى النور في وجوهكم وفي كلامكم … ولما انضممت للحلقة شعرت بالسعادة … واجتهدت في حفظ القرآن… كانت ليلي وأيامي كلها قرآن … ولاحظ أبي التغيير الذي طرأ على حياتي ، عرف بطريقة أو بأخرى أنني دخلت التحفيظ ومشيت مع المطاوعة(2) : المطاوعة : يطلقها العوام في بعض البلاد العربية على من أطلق لحيته والتزم الشرع . حتى كانت تلك الليلة السوداء … كنا ننتظر حضوره من المقهى … كعادته اليومية .. لنتناول العشاء فدخل البيت بوجهه المظلم وتقاطيعه الغاضبة ، وجلسنا على سفرة الطعام … الكل صامت … كالعادة … كلنا نهاب الكلام في حضوره . ثم قطع الصمت بصوته الأجش الجهوري : لقد سمعت أنك تمشي مع المطاوعة ، فانعقد لساني … وذهب بياني … ولم ينتظر الإجابة … تناول إبريق الشاي … ورماه بقوة في وجهي … ودارت الدنيا في رأسي … وسقطت فحملتني أمي … وصحوت من إغماءتي الخفيفة على يديها الدافئة وإذا بالصوت الجهوري يقول : اتركيه … وإلا أصابك ما أصابه … فاستللت جسمي من بين يدي أمي وتحاملت على نفسي لأذهب إلى غرفتي وهو يشيعني بأبشع الشتائم … وأحط الألقاب … لم يكن يمر يوم إلا وهو يضربني … يشتمني يركلني … يرميني بأي شيء يجده أمامه … حتى أصبح جسمي لوحة مرعبة اختلطت فيها الألوان الداكنة . كرهته … أبغضته … امتلأ قلبي بالحقد عليه … يوم من الأيام ونحن على سفرة الطعام قال : قم ولا تأكل معنا … وقبل أن أقوم … قام هو وركلني في ظهري ركلة أسقطتني على صحن الطعام … تخيلت أنني أصرخ وجهه : سوف أقتص منك … سوف أضربك كما تضربني وأشتمك كما تشتمني ، سوف أكبر… وأصبح قوياً … وسوف تكبر وتصبح ضعيفاً … عندها أفعل بك كما تفعل بي … ثم هربت … وخرجت من المنزل … وأصبحت أجري وأجري على غير هدى وبدون هدف حتى ساقتني رجلي إلى هذا البحر وأمسكت بالمصحف أقرأ فيه حتى لم أستطع أن أواصل من كثرة البكاء وشدة النحيب عندها نزلت من خالد بعضاً من دموعه النقية … ولم أنبش بكلمة فقد ربط العجب لساني ، هل أعجب من هذا الأب الوحشي الذي خلا قلبه من الرحمة ، أم أعجب من هذا الابن الصابر الذي أراد الله عز وجل له الهداية فألهمه الثبات ؟ ، أم
أعجب منهما الاثنين حين استحالت رابطة الأبوة والبنوة بينهما أشلاء وصارت علاقتهما كعلاقة الثعلب بالذئب والأسد بالنمر ؟؟ أخذته بيدي ومسحت دموعه بيدي وصبرته … دعوت له ونصحته ببر والده والصبر على أذاه … ووعدته بأن أقابل والده وأكلمه وأستعطفه … ومضينا … ومرت الأيام … وأنا أفكر في الطريقة التي أفاتح بها والد خالد في موضوع ابنه وكيف أقنعه… بل كيف أعرفه على نفسي… وأخيراً… استجمعت قواي وقررت أن تكون المواجهة… أقصد المقابلة فسرت إلى منزله وطرقت الباب… ويدي ترجف… ثم فتح الباب… وإذا بذلك الوجه العابس ، وتلك التقاطيع الغاضبة… فابتسمت ابتسامة صفراء لعلها تمتص نظراته السوداء… وقبل أن أتكلم… أمسك بتلابيب ثوبي وشدني إليه وقال : أأنت المطوع الذي تدرس خالداً في المسجد ؟؟… قلت :ن.ع.م .. قال : والله لو رأيتك تمشي معه مرة أخرى كسرت رجلك ، خالد لن يأتيكم بعد الآن ، ثم جمع مادة فمه… وقذف بها دفعة واحدة في وجه الفقير إلى الله ، وأغلق الباب وكان ختامها مسكاً… فمسحت عن وجهي ولحيتي ما أكرمني به… ورجعت وأنا أسلي نفسي … رسول الله r فعل به أكثر من ذلك ، كذبه قومه وشتموه ورموه بالحجارة ، أدموا رجله… وضعوا القاذورات فوقه… طردوه وأخرجوه من أرضه… فمرت ومرت الأيام والشهور ونحن لا نرى خالداً… فأبوه يمنعه حتى من الخروج إلى الصلاة ، ونسيناه في غمرة الحياة … ومرت السنون وفي ذات ليلة بعد صلاة العشاء وفي المسجد إذ بيد غليظة تمسك بكتفي… آه إنها اليد التي أمسكت بعنقي قبل سنين… إنه نفس الوجه… ونفس التقاطيع… ونفس الفم الذي أكرمني بما لا أستحق… ولكن هناك تغيراً كبيراً… الوجه العابس… أصبح منكسراً والجسم هدته الآلام والهموم… فقلت : أهلاً يا عم ورحبت به فانفجر باكياً… سبحان الله ما كنت أظن أن ذلك الجبل سوف يصبح يوماً سهلاً فقلت تكلم يا عم وأخرج ما في نفسك كيف حال خالد ؟ فتنهد بعمق وقال : أصبح خالد يا بني ليس خالداً الذي تعرفه ، ليس خالداً الفتى الطيب الهادي الوديع … منذ أن خرج من عندكم تعرف على شلة من شلل الفساد يلهو ويلعب… بدأ بالدخان معهم فشتمته وضربته… لا فائدة فلقد تعود جسمه على الضرب واستساغت أذناه الشتائم… كبر بسرعة كان يسهر معهم ولا يأتي إلا مع خيوط الفجر ، طرد من المدرسة أصبح يأتينا ليلاً بلسان يهذي ويد ترتعش… تغير ذلك الجسم الغض الطري أصبح جسمه مهترئاً ضعيفاً… أصبح وجه أسود وعينه حمراء كالنار ، ذهب قلبه الطيب البار ، واستحال قلباً قاسياً كالصخر أو أشد… أصبح لا يمر يوم إلا ويشتمني أو يركلني أو يضربني… تصور يا بني أنا أبوه يضربني… ثم عاود بكاءه الحار ثم مسح دموعه ، أرجوك يا بني زوروا خالداً خذوه معكم ، بيتي مفتوح لكم ، بل إنني راض أن يعيش في منازلكم وينام معكم ، أرجوك يا بني أقبل يدك وألثم رجليك أرجوك ، المهم أن يرجع خالداً كما كان ، ومضى في بكاءه ونحيبه وحسراته وتركته حتى أنهى ذلك كله ، فقلت له : يا عم ذاك زرعك ، وهذا حصادك ، ورغم ذلك دعني أحاول .
للغامدي بتصرف واختصار . انضم خالد إلى حلقة تحفيظ القرآن الكريم … وكان خجولاً هادئاً … كثير الصمت … نشيطاً في الحفظ والمراجعة … أحب الجميع … وأحبه الجميع … يقول أستاذه : لم نكن ننكر عليه أي شيء إلا شروده الطويل وتفكيره الساهم … فأخذته يوماً في رحلة إلى شاطئ البحر فلعل سره الكبير يلتقي مع هذا البحر الكبير فيفرغ ما في نفسه من هم ويخرج ما في روحه من ألم … ووقفت أمام هذا الفتى الصامت أمام هذا البحر الهادئ الصامت … المنظر كله صمت … في صمت … وفجأة يخترق هذا الهدوء الصامت … صوت بكاء حار … ونحيب مر … صوت خالد وهو يبكي … لم أشأ أن أقطع عليه لذة البكاء وطعم الدموع فلعل ذلك يريح نفسه … ويزيل همه … وبعد لحظات قال : إني أحبكم … أحب القرآن … وأهل القرآن الصالحين … الطيبين … ولكن أبي … أبي يحذرني دائماً أن أمشي معكم … يخاف منكم … يكرهكم … دائماً يبغضني فيكم … ويستشهد على ذلك بقصص وحكايات وأساطير… لكن عندما أراكم في الحلقة تقرؤون القرآن كنت أرى النور في وجوهكم وفي كلامكم … ولما انضممت للحلقة شعرت بالسعادة … واجتهدت في حفظ القرآن… كانت ليلي وأيامي كلها قرآن … ولاحظ أبي التغيير الذي طرأ على حياتي ، عرف بطريقة أو بأخرى أنني دخلت التحفيظ ومشيت مع المطاوعة(2) : المطاوعة : يطلقها العوام في بعض البلاد العربية على من أطلق لحيته والتزم الشرع . حتى كانت تلك الليلة السوداء … كنا ننتظر حضوره من المقهى … كعادته اليومية .. لنتناول العشاء فدخل البيت بوجهه المظلم وتقاطيعه الغاضبة ، وجلسنا على سفرة الطعام … الكل صامت … كالعادة … كلنا نهاب الكلام في حضوره . ثم قطع الصمت بصوته الأجش الجهوري : لقد سمعت أنك تمشي مع المطاوعة ، فانعقد لساني … وذهب بياني … ولم ينتظر الإجابة … تناول إبريق الشاي … ورماه بقوة في وجهي … ودارت الدنيا في رأسي … وسقطت فحملتني أمي … وصحوت من إغماءتي الخفيفة على يديها الدافئة وإذا بالصوت الجهوري يقول : اتركيه … وإلا أصابك ما أصابه … فاستللت جسمي من بين يدي أمي وتحاملت على نفسي لأذهب إلى غرفتي وهو يشيعني بأبشع الشتائم … وأحط الألقاب … لم يكن يمر يوم إلا وهو يضربني … يشتمني يركلني … يرميني بأي شيء يجده أمامه … حتى أصبح جسمي لوحة مرعبة اختلطت فيها الألوان الداكنة . كرهته … أبغضته … امتلأ قلبي بالحقد عليه … يوم من الأيام ونحن على سفرة الطعام قال : قم ولا تأكل معنا … وقبل أن أقوم … قام هو وركلني في ظهري ركلة أسقطتني على صحن الطعام … تخيلت أنني أصرخ وجهه : سوف أقتص منك … سوف أضربك كما تضربني وأشتمك كما تشتمني ، سوف أكبر… وأصبح قوياً … وسوف تكبر وتصبح ضعيفاً … عندها أفعل بك كما تفعل بي … ثم هربت … وخرجت من المنزل … وأصبحت أجري وأجري على غير هدى وبدون هدف حتى ساقتني رجلي إلى هذا البحر وأمسكت بالمصحف أقرأ فيه حتى لم أستطع أن أواصل من كثرة البكاء وشدة النحيب عندها نزلت من خالد بعضاً من دموعه النقية … ولم أنبش بكلمة فقد ربط العجب لساني ، هل أعجب من هذا الأب الوحشي الذي خلا قلبه من الرحمة ، أم أعجب من هذا الابن الصابر الذي أراد الله عز وجل له الهداية فألهمه الثبات ؟ ، أم
أعجب منهما الاثنين حين استحالت رابطة الأبوة والبنوة بينهما أشلاء وصارت علاقتهما كعلاقة الثعلب بالذئب والأسد بالنمر ؟؟ أخذته بيدي ومسحت دموعه بيدي وصبرته … دعوت له ونصحته ببر والده والصبر على أذاه … ووعدته بأن أقابل والده وأكلمه وأستعطفه … ومضينا … ومرت الأيام … وأنا أفكر في الطريقة التي أفاتح بها والد خالد في موضوع ابنه وكيف أقنعه… بل كيف أعرفه على نفسي… وأخيراً… استجمعت قواي وقررت أن تكون المواجهة… أقصد المقابلة فسرت إلى منزله وطرقت الباب… ويدي ترجف… ثم فتح الباب… وإذا بذلك الوجه العابس ، وتلك التقاطيع الغاضبة… فابتسمت ابتسامة صفراء لعلها تمتص نظراته السوداء… وقبل أن أتكلم… أمسك بتلابيب ثوبي وشدني إليه وقال : أأنت المطوع الذي تدرس خالداً في المسجد ؟؟… قلت :ن.ع.م .. قال : والله لو رأيتك تمشي معه مرة أخرى كسرت رجلك ، خالد لن يأتيكم بعد الآن ، ثم جمع مادة فمه… وقذف بها دفعة واحدة في وجه الفقير إلى الله ، وأغلق الباب وكان ختامها مسكاً… فمسحت عن وجهي ولحيتي ما أكرمني به… ورجعت وأنا أسلي نفسي … رسول الله r فعل به أكثر من ذلك ، كذبه قومه وشتموه ورموه بالحجارة ، أدموا رجله… وضعوا القاذورات فوقه… طردوه وأخرجوه من أرضه… فمرت ومرت الأيام والشهور ونحن لا نرى خالداً… فأبوه يمنعه حتى من الخروج إلى الصلاة ، ونسيناه في غمرة الحياة … ومرت السنون وفي ذات ليلة بعد صلاة العشاء وفي المسجد إذ بيد غليظة تمسك بكتفي… آه إنها اليد التي أمسكت بعنقي قبل سنين… إنه نفس الوجه… ونفس التقاطيع… ونفس الفم الذي أكرمني بما لا أستحق… ولكن هناك تغيراً كبيراً… الوجه العابس… أصبح منكسراً والجسم هدته الآلام والهموم… فقلت : أهلاً يا عم ورحبت به فانفجر باكياً… سبحان الله ما كنت أظن أن ذلك الجبل سوف يصبح يوماً سهلاً فقلت تكلم يا عم وأخرج ما في نفسك كيف حال خالد ؟ فتنهد بعمق وقال : أصبح خالد يا بني ليس خالداً الذي تعرفه ، ليس خالداً الفتى الطيب الهادي الوديع … منذ أن خرج من عندكم تعرف على شلة من شلل الفساد يلهو ويلعب… بدأ بالدخان معهم فشتمته وضربته… لا فائدة فلقد تعود جسمه على الضرب واستساغت أذناه الشتائم… كبر بسرعة كان يسهر معهم ولا يأتي إلا مع خيوط الفجر ، طرد من المدرسة أصبح يأتينا ليلاً بلسان يهذي ويد ترتعش… تغير ذلك الجسم الغض الطري أصبح جسمه مهترئاً ضعيفاً… أصبح وجه أسود وعينه حمراء كالنار ، ذهب قلبه الطيب البار ، واستحال قلباً قاسياً كالصخر أو أشد… أصبح لا يمر يوم إلا ويشتمني أو يركلني أو يضربني… تصور يا بني أنا أبوه يضربني… ثم عاود بكاءه الحار ثم مسح دموعه ، أرجوك يا بني زوروا خالداً خذوه معكم ، بيتي مفتوح لكم ، بل إنني راض أن يعيش في منازلكم وينام معكم ، أرجوك يا بني أقبل يدك وألثم رجليك أرجوك ، المهم أن يرجع خالداً كما كان ، ومضى في بكاءه ونحيبه وحسراته وتركته حتى أنهى ذلك كله ، فقلت له : يا عم ذاك زرعك ، وهذا حصادك ، ورغم ذلك دعني أحاول .




تعليق