أخرجوه من غرفة الإنعاش إلى غرفة اعتيادية .... جلسوا حوله وعلامات الأسى قد ارتسمت على محيّاهم..... فقد كان الحادث أليماً .....
كان يشعر بهم وبألمهم و أنّه ميّت لا محالة ... ولكنه آثر الصمت و انتظر يدها لتحتضن يده لعلّ دفأها يسري إلى جسده الذي بدأ البرد يدبّ فيه ......
ولم يخب ظنّه .... فسرعان ما شعر بيدها و أحسّ بدفء يسري في أعماقه ..... جلست إلى جانبه .... حاول رفع رأسه لينظر إليها فلم يفلح بسبب العُصابة التي كانت تغطّي قسماً كبيراً من وجهه .....
· لابد أن نخرج اليوم ..... أريد الموت في بيتي ....كان يشعر بهم وبألمهم و أنّه ميّت لا محالة ... ولكنه آثر الصمت و انتظر يدها لتحتضن يده لعلّ دفأها يسري إلى جسده الذي بدأ البرد يدبّ فيه ......
ولم يخب ظنّه .... فسرعان ما شعر بيدها و أحسّ بدفء يسري في أعماقه ..... جلست إلى جانبه .... حاول رفع رأسه لينظر إليها فلم يفلح بسبب العُصابة التي كانت تغطّي قسماً كبيراً من وجهه .....
· " أجابته و الدمع يملأ عينيها " ... سنخرج بعد أن يقرر الطبيب ذلك ... لقد وعدني أن مكوثك في هذه الغرفة لن يطول .... هناك بعض الإجراءات ....استرخ الآن و لا تفكر بشيء ..... حاول أن تنام ...
· ولم العجلة .... سأنام طويلاً ...... أتعلمين ... عندما يقومون بفك هذه الأربطة السخيفة سأقوم بعمل كل ما أستطيع عمله قبل أن يحين الأجل ..... أفكّر أن آكل من كل ما مُنعت عنه خلال فترة حميتي ...... ليتني أستطيع الحركة ... كنت سأذهب إلى ..... لا ....... سخيفة هذه الفكرة .... الأكل أفضل ..... أشعر و كأنني سجين محكوم بالإعدام و يريد أن يعمل كل ما تشتهيه نفسه ....
تماسكت و هي تسمع هذه الكلمات القاتلة و كأنها رصاص يخترق قلبها ...... لم تكن تستطيع الرد .... فقد كان فقدها له بداية الهاوية ... ستفقد الحنان و الحب و الطرافة التي كانت تملأ حياتهما ليحل محلها الألم و العذاب .... شعرت بأن رأسها يكاد ينفجر من مجرد التفكير بفقده ..... بدأت تحُسّ بثقل في رأسها ....
حاولت مقاومة دمعها الذي بدأ يتسلل من عينيها ليملأ وجنتيها ..... و لم تفلح في منع إحدى القطرات من التسلل إليه.....
حاولت مقاومة دمعها الذي بدأ يتسلل من عينيها ليملأ وجنتيها ..... و لم تفلح في منع إحدى القطرات من التسلل إليه.....
· " هامساً " أوقفي دمعك .... تماسكي أمام الجميع و أظهري لهم الصلابة ..... لا مفر مما جرى و الحمد لله على كل حال....
سُمع طرقٌّ على الباب و طُلبَ الأذن بالدخول ..... قامت لترى من الطارق .......
· إنه ذلك الغليظ .... صديقك ماجد .....
· ليدخل ... لا مشكلة .... هذه آخر مرّة في حياتي سأتحمّله فيها ....
· السلام عليكم ..... العافية لك .... لقد سمعت بالحادث المروّّع الذي تعرضت له .... لابد و أنك تألمت كثيراً .....
· لا بأس و لله الحمد ... لم أعد أحس بشيء الآن .....
· يا مسكين إذاً أصابك الشلل وفقدت الإحساس بكل شيء ... حسبنا الله و نعم الوكيل....
· ليس هناك شلل ... أعني أن الألم قد خفّ كثيراً عندما كنت في الإنعاش .....
· آه حسناً...... " ضاحكاً " حلوة كلمة إنعاش .... يمكنك تقسيمها إلى كلمتين ( إن - عاش ) ..... أعرف أناسٌ كثيرون ماتوا في غرفة الــ ( إن - عاش ) ولم يخرجوا مثلك .... أنت محظوظ كي تموت في بيتك بدلاً من هذه البهدلة .... سبحان الله .... هذا هو حال الدنيا... أنت اليوم هنا ... وبعدها تحت الأرض .....
· حسبنا الله ونعم الوكيل !!!!!! الأعمار بيد الله وحده ....
· ....هسسسسسسس لا تتكلم أنت دع الحديث لي كي لا تثقل على نفسك فتسوء حالتك أكثر مما أنت فيه و ستقدم عليه ........
أطرق بنظره قليلاً ... ثم أخرج من جيبه سبحة طويلة ..... و رفع رأسه متابعاً .....
· أعتقد أنه في مثل هذه الحالات علينا أن نتذكر أن الموت حق على كل الناس ... إي و الله .... لهذا فلا تخشاه و فكّر فقط كيف أنك ستترك هذه الدنيا الفانية إلى غير رجعة .... و تنتهي من القرف الذي كان ينغّص حياتك .....
· حالياً لا يزعجني سوى أمرين اثنين .... الضمادات التي على وجهي تعيق الرؤية .. و أنت ......
· ..... " مقاطعاً " هيه .... إعاقة الرؤية أمر عابر .... لا تقلق و لا تنزعج من هذه التوافه.... فعندما يحين النزع و تبدأ بمعاينة ملائكة الموت سترى كل شيء أمامك ولو كان على رأسك ألف ضماد ........
· " باسماً " هل قرأت يوماً لابن الجوزي.....
· " يوماً " !!!! لم أسمع بمثل هذا الكتاب من قبل !!! ثم ما علاقة ابن الجوزي بحديثنا ..... دعك منه ...
· إن له كتاباً مشهوراً عن أمثالك .... و أفكر أن يضيف الناشرون الجُدد اسمك إلى شخصياته ..... ستصبح بعدها مشهوراً جداً ....
· حسناً .... دعني أدرس هذا الاقتراح ..... و أرد عليك لا حقاً .... ولكن انتظر ... فلن يكون لنا بعد هذا الموقف لقاء ...
· " بهمس " آمين .... نعم هذا صحيح ... تصوّر ...
· إذاً اصرف النظر عن هذا الموضوع ولا تتكلم كثيراً ....
· خسارة .....
· قل لي ... أتعرف كيف يعلمون بأن الإنسان يحتضر ؟
· !!!!!!!! كلا ... هات .... أتحفنا .....
· يلمسون أقدامه ... فإذا وجدوا برودة فيها فهذا يعني أن الروح بدأت تنسلّ منه بالتدريج إلى أعلى جسده ..... و هكذا إلى لحظة الغرغرة ........ تخيّل الـــ ...
قطع حديثه انفجارها بالبكاء أمام الجميع بعد أن فشلت في الصبر عليه و احتماله ...
صاحت به طالبة منه الخروج من الغرفة ..... قام الجميع إليه ... سحبوه ليخرجوه من الغرفة....
صاحت به طالبة منه الخروج من الغرفة ..... قام الجميع إليه ... سحبوه ليخرجوه من الغرفة....
· من فضلك مريضنا لا يحتمل كثرة الكلام .......
· ولكن أنا من يتكلم ... وليس هو !!
· صحيح لكن كلامك أثقلُ عليه من الموت نفسه ... فخفّف عنه يرحمك الله !!!
· " متعجّباً " ليس في كلامي ما يعيب .... ثم إن الموت حق علينا جميعاً و حديثي لم ينته بعد فكيف .....
أُغلق الباب في وجهه ..... و عادت إلى زوجها غاضبة باكية .....
· قاتله الله من أحمق .... ليتني لم أسمح له بالدخول .....
· على الرغم من حمقه لكنه طيب القلب ... لهذا كنت أصغي إليه و أحتمله ..... على كل حال دعينا من سيرته ، و أحمد الله تعالى أن هذا آخر لقاء بيني و بينه ...... أتمنى أن لا أقابله في الجنة ...
· " بغضب " كفاك حديثاً أنت أيضاً عن الموت .... ألم يكفنا ذلك الأحمق ...... توقفوا جميعكم إنكم تثيرون أعصابي .... رأسي يكاد ينفجر .... أشعر بالدوار .....
مسحت دموعها و جلست على الكرسي الذي كان بجانب سريره ممسكة يده بقوّة ......
· " هامساً " أشعر بالحياة تسري في عروقي و أنتِ معي ..... ما رأيك لو تغمضين عينيك الجميلتين و تقومين بتذكر أجمل أيامنا و أحلى ذكرياتنا لعلّ ذلك يخفف عنك ويهوّن عليك .... افعلي ذلك بينما أقرأ ما تيسر لي حفظه من القرآن الكريم ....
لم تتردد .... أسندت رأسها المثقل بالهموم و الألم إلى زاوية فارغة على طرف السرير ... و أغلقت عينيها ... ثم راحت تجري مع هذا التيار الجميل من الذكريات ..... أول لقاء .... رسالات الغرام .... الزواج ......................................................................
بينما غرق هو في تلاوة آيات الذكر الحكيم ..... و أردفها ببعض الأذكار......
بينما غرق هو في تلاوة آيات الذكر الحكيم ..... و أردفها ببعض الأذكار......
استأذن الطبيب بالدخول إلى الغرفة ... وقف إلى جانبه ليفحص نبضه و دقّات قلبه ...... بينما كان المؤذن ينادي لصلاة المغرب .....
· كيف تشعر ....· الحمد لله على كل حال .... ما زلت أشعر ببعض البرودة في يدي .....
· هذا أمر عادي لا تقلق منه ....
تذكر علامات الاحتضار التي أخبره عنها صديقه ماجد .....
· " ضاحكاً " لشخص يحتضر .... هذا أمر أكثر من عادي ......تغيرت ملامح الطبيب بينما كان يقوم بفحصه ....
أذهله ما سمع .... ورسم البسمة على وجهه المعصوب .......
· أسمعتِ ما قاله الطبيب؟ كأنني وُلدت من جديد .......... لفت انتباهَ الطبيبِ شيءٌ لم يكن يتصوّره ....
تغيرت لهجته و خفت صوته .......
· " متعجّباً " سبحان الله ......
· خير يا دكتور .....
لم يجبه الطبيب بشيء .....
كان صمته مُريباً بعض الشيء .....
· ماذا هنالك !!!!!!كان صمته مُريباً بعض الشيء .....
أزعجته بعض الهمهمات الحزينة و أصوات بكاء مكبوت بدأت تعلو شيئاً فشيئاً ...
· ماذا جرى !!!! هل أخطأتَ التشخيص !!! لا بأس .... أنتم تخطئون ... و لا عيب في ذلك ..... "باسماً " لن أشتكيك للنقابة ..... هذا وعدٌ منّي ....· البقية في حياتك .... سبحان الله .....
· !!!!!!!!!!!!!!!!! .... من ... ماذا تعني ..... !!!!!! ما الذي يجري ....
علت أصوات النحيب من حوله ولم يدر ما الذي كان يجري .....
هزّ يدها التي كانت تمسك بيده ... أحسّ بها باردة كالجليد .....
ناداها لتجيبه فلم تردّ عليه .....
أعاد النداء مرّات و مرّات ... وكلما أعاده ازدادت حِدّة البكاء .......
· " صارخاً " أوقظوها ماذا بكم ... إنها نائمة .... لقد تعبت مما عانته معي في الأيام الماضية .... هزّ يدها التي كانت تمسك بيده ... أحسّ بها باردة كالجليد .....
ناداها لتجيبه فلم تردّ عليه .....
أعاد النداء مرّات و مرّات ... وكلما أعاده ازدادت حِدّة البكاء .......
و بالرغم من ألمه و جراحه التي لم تهدأ بعد ... انتفض من سريره ... و انتزع العُصابة التي كانت تغطّي وجهه ..........
شاهدها على الكرسي المجاور لسريره ... نائمة وعلى وجهها ابتسامة جميلة كتلك التي كان يستقبل بها كل أيامه الجديدة .....
لقد نامت على ذكريات الماضي الجميل و آثرت أن تبقى فيه بدلاً من ألم الحاضر و عذاباته ....
من داخل و خارج الغرفة تعالت أصوات النحيب و البكاء ..... و وصل إلى سمعه صوت صديقه ماجد يتشاجر مع الذين يمنعونه من الدخول لتهنئته بالعمر الجديد و تعزيته بفقد زوجته !!!!!
شاهدها على الكرسي المجاور لسريره ... نائمة وعلى وجهها ابتسامة جميلة كتلك التي كان يستقبل بها كل أيامه الجديدة .....
لقد نامت على ذكريات الماضي الجميل و آثرت أن تبقى فيه بدلاً من ألم الحاضر و عذاباته ....
من داخل و خارج الغرفة تعالت أصوات النحيب و البكاء ..... و وصل إلى سمعه صوت صديقه ماجد يتشاجر مع الذين يمنعونه من الدخول لتهنئته بالعمر الجديد و تعزيته بفقد زوجته !!!!!




تعليق