الكابوس

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • عصام زايد
    مستشار ساندروز
    • Jul 2004
    • 10571

    #1

    الكابوس

    الكابوس :
    أبخرة وأعمدة من الدخان تسبح كالأشباح في سماء الغرفة .. صوت قرقرة الشيشة يخترق صمت الغرفة بين الحين والآخر .. ثم سعلة مكتومة تتناغم مع صوت المغني الجديد على التلفاز وهو يؤدي أحدث أغانيه .. - أين أنت يا أم فيصل .. ماذا تفعلين في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟؟ يتحدث إلى نفسه بصوت لا يكاد يسمع : - أشتهي أن تجلس إلى جانبي مرة واحدة .. دائماً مشغولة وتتركني وحيداً مع الشيشة والجريدة والتلفاز .. أين أنت يا أم العيال ؟؟.. تطل زوجته بوجهها الطفولي المريح ، نظراتها زائغة ، تجلس بعيداً عنه .. جلستها غير مستقرة وكأنها ضيف على عجلة من أمره .. هيا تعالي واجلسي بجانبي .. قالت له بصوت متعب : - أنت تعرف أنني أتعب من رائحة الشيشة ، كما أنني أجهز بعض الحاجيات في المطبخ .. ابننا فيصل دعا أصدقاءه غداً على الغداء .. قال متأففاً : - أنت تدللين هذا الولد كثيراً .. لماذا وافقته على الدعوة وأنت متعبة .. نظرت إليه مستنكرة معاتبة له : - لقد أرسلته إليك لتوحي له بفكرة الاعتذار ، إلا أنك لم تفعل .. بل قلت له اذهب واسأل أمك .. ولماذا لم تقولي لا ؟؟ - بل لماذا لم تفعل أنت ؟؟ هل المفروض أن أقول أنا دائماً لا .. يتمطى أبو فيصل .. يزم شفتيه .. يحمل جريدته ثم يقول ببرود : - من فضلك جددي لي رأس الشيشة !! .. بعد لحظات عادت إليه .. وضعت رأس الشيشة الجديد .. ثم وضعت فوقه جمرات متقدة تبرق كعينيها الحزينتين .. جلست هذه المرة إلى جانبه .. استقرت قليلاً وقالت له برقة مصطنعة : - لقد ذهبت صباح اليوم إلى مدرسة البنات وسألت عن مستواهن الدراسي .. تخيل .. نوار مقصرة في الرياضيات .. ومنيرة مقصرة في اللغة .. أخذ نفساً طويلاً من الشيشة .. اضطربت له المياه المستقرة في قاعدتها وثارت .. غلا أنه تحدث إليها من خلف جريدته ببرود وهدوء وبدون أي اضطراب .. إنها مسؤوليتك يا أم فيصل ..أنت متعلمة وجامعية .. تقصير البنات دليل على قلة اهتمامك !! استقرت في جلستها ، اتقدت عيناهخا من جديد .. قالت له : - أنت أيضاً متعلم وجامعي .. لماذا لا تشاركني المسؤولية ؟! إنها مسؤولية الأم بالدرجة الأولى !!.. قامت إلى غرفتها وهي تتمتم .. مسؤوليتي !! مسؤوليتي !! كل شيء في البيت مسؤوليتي !! ما هي مسؤوليته إذن ؟؟.. شعرت أنها تحتاج إلى نوم عميق يتناسب مع حجم أعبائها ومسؤولياتها الجسيمة .. إلا أنها قبل أن تستغرق في أحلامها المسؤولة سمعت طرق نعلي زوجها في المطبخ ، ورائحة القهوة تزاحم أنفها !! وفي مساء اليوم التالي حاولت أن تسامره وتشاركه في استنشاق أبخرة الشيشة المنطلقة من منخريه .. بادلته الابتسامة مرات عديدة لمنظر تافه في برنامجه المفضل ، أو لتعليق سخيف من المذيعة الملونة !! رنين الهاتف جعله يشد جسمه بقوة حتى يصل إلى السماعة منتصراً دون أن يتحرك من مجلسه ، تستدير عيناه فجأة ويقول : - ماذا !! تريدين سعد !! من أنت !! صديقة !! والله آخر زمن !!
    يغلق السماعة بعصبية متناهية ويقول : تفضلي يا زوجتي العزيزة .. بنت مراهقة تطلب ولدك !! ومن من !! مني أنا .. قلة أدب !! تسدل أم فيصل عينيها بخجل .. ثم تقول له مترددة : - لقد تكرر هذا الأمر .. وأنا خشيت أن أخبرك كي لا تقول لي كالعادة إنه مسؤوليتي .. يرد زوجها مباشرة : - طبعاً .ز إنها مسؤوليتك !! أنت هنا الأم والمربية الفاضلة والمعلمة و .. تقاطعه وتقول : - وأنت أيضاً هنا الأب والمربي و .. لقد أفسدته بدلالك الزائد .. ثم بالسيارة الجديدة التي اشتريتها له دون حاجة إليها قل لي بالله .. كم مرة طلبتك مدرسته ولم تذهب ؟؟.. رد عليها غاضباً وكأنه يقول كفاك نقاشاً : - أنا أعرف واجبي .. كما أعرف الوقت المناسب للذهاب إلى المدرسة .. لن تعلميني أنت واجباتي .. كابوس مزعج سرق النوم من بين جفنيها .. فما كادت تغط في نومها حتى رأت نفسها سجينة في قفص اتهام .. أبوابه مقفلة وصوت مزعج ترافقه قرقرة شيشة يقول لها : أنت السبب !! أنت المسؤولة !! صلت فجرها .. أيقظت الأولاد للصلاة .. لبوا دعوتها مثقلين .. تناولوا فطورهم .. لبسوا ثياب المدرسة .. حملوا متاعهم .. وهم على الباب قالت : - فيصل .. أرجوك أن توصل أخوتك إلى مدارسهم بسيارتك حتى سعد ستوصله أيضاً ، إنه محروم اليوم من قيادة السيارة وهو يعلم السبب !! لم يسأل فيصل عن السبب ، بل زم شفتيه ، ونظر إلى أمه مستنكراً وقال : - لقد تأخرت عن جامعتي .. سعد هو المسؤول عن توصيل أخوته !! نظرت إليه ملياً .. فرأت فيه أباه .. اتقدت عيناها بلون الجمر وقالت في سرها : من شابه أباه ما ظلم !! أسرع فيصل خارجاً ، هب سعد يقبل يديها ويقول : - أرجوك يا أمي .. لا تحرميني من السيارة اليوم .. عندي رحلة مدرسية .. ماذا ؟ رحلة مدرسية !!.. إنها ليست مدرسية تماماً .. لست أدري كيف سترسمها المدرسة .. والدي أعطاني ليلة البارحة مصروفي في الرحلة .. وهل سمح لك والدك بالذهاب ؟ - لم يقل نعم .. ولم يقل لا .. بل قال اسأل والدتك .. ولماذا لم تسألني ؟؟ - لأنني أعرف جوابك .. طبعاً ستقولين لي لا .. لا تذهب وستجدين ألف مبرر لذلك كالعادة !! وهنا شاركته أخته وضمت صوتها إلى صوته وقالت بجرأة غير متوقعة : - لماذا تقولين لنا دائماً لا .. لا .. لماذا لا يقول بابا لا أبداً .. أنت أم شديدة .. متسلطة !! خرجوا مسرعين قبل أن تفعل شيئاً .. وقفت مشدوهة جامدة ..دخلت إلى غرفتها كالمذهولة .. حاولت أن تستريح في سريرها .. إلا أن الكابوس عاودها ثانية ، رافقه طنين مزعج في أذنيها نظرت إلى زوجها المستغرق في نومه الهادئ فلمحت ابتسامة سلام مرتسمة فوق شفتيه .. لابد أنه يعيش حلماً سعيداً !! أعدت طعام الإفطار .ز أيقظته بهدوء دون أن تعكر صفوه .. هاتف صباحي غير متوقع أرغمه على قطع إفطاره الشهي .. شيء هام محا كل ملامح الراحة والطمأنينة من على وجهه : - ماذا ؟؟ الشرطة .. ولدي سعد !! هل أصابه مكروه ؟! ومعه مجموعة من أصحابه !! يا رب لطفك !! أغلق سماعة الهاتف ، واستدار مسرعاً يلبس ثيابه .. تسمرت هي في مكانها خائفة مذعورة .. وقفت اللقمة في حلقها فمنعتها عن الكلام .. عيناها تسأل وتستجدي الجواب !! لا تخافي .. سعد بخير .. لقد هرب من المدرسة مع مجموعة من أصدقائه .. صدمتهم سيارة وهم في طريقهم إلى البر .. لا تخافي .. إنهم بخير .. ولكن الشرطة استدعتني ، إجراء عادي .. لا تخافي .. لا تزال اللقمة عالقة في حلقها .. وجهها شاحب مصفر ، نظراتها جامدة ثابتة .. ما زال الكابوس يرافق مخيلتها .. شعرت بدوار .. كادت أن تسقط .. يد حانية قوية سندتها .. ربتت على كتفها .. نظرة حانية غمرتها ، أعادت إلى وجهها الحياة من جديد .. صوت رجولي صلب لا ترافقه قرقرة الشيشة يقول لها وكأنه يعتذر : - سأذهب الآن يا أم فيصل .. إنها مسؤوليتي اليوم !! وبعد اليوم أيضاً !! بلعت اللقمة المستعصية في حلقها .. شدت على يده بحب وقالت : - إنها مسؤوليتنا معاً ..
    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية
  • عصام زايد
    مستشار ساندروز
    • Jul 2004
    • 10571

    #2
    الرد: الكابوس

    الاخ العزيز خادم علي
    تحياتي لك
    وشكرا جزيلا لمرورك الكريم
    تحياتي لك
    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

    تعليق

    • بنت الشام
      عضو متميز
      • May 2004
      • 7817

      #3
      الرد: الكابوس

      كل الشكر لك اخ عصام
      يسلم ايديك ويعطيك الف عافية

      تعليق

      • عصام زايد
        مستشار ساندروز
        • Jul 2004
        • 10571

        #4
        الرد: الكابوس

        الاخت العزيزةوالغالية بنت الشام
        تحياتي لك
        واسعد الله صباحك بك خير
        وشكرا جزيلا لمرورك الكريم
        تحياتي لك
        مع تحياتي

        عصام زايد

        ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

        ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

        للاطلاع على كل ما هو جديد
        زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

        تعليق

        مواضيع مرتبطة

        Collapse

        جاري العمل...