أنا بنظر الآخرين مجرمة حتى أهلي يخجلون من وجودي عندما ألقاهم في بعض المناسبات. في المعهد أشعر بوجودي، مع فتيات المعهد، نفرح، نرقص نبكي فرحا وحزنا.
هذا ما قالته الحدث"ن" من معهد التربية الاجتماعية للفتيات بدمشق لصحيفة رسمية احتفالا بعيد الفطر الماضي، إنها "حدث" و تعتبر سجنها حرية لها، لأن عيون الناس .. همسهم.. كلامهم.. يكبلون الإنسان أكثر من أية قيود أخرى.
* أنا ابنة الرابعة عشر، زوجته ..يريد أن يتاجر بي:
ظاهرة "هجرة الفتيات" من أهلهم أو بتعبير المجتمع "هروبهم" تعم العالم بأكمله، اسمعوا جيدا ..أظنكم سمعتم هذه القصة من قبل:"أنا فتاة عشت مع أمي بعد طلاقها من أبي وزواجها من آخر كان يكرهني لدرجة أنه أجبرني على الزواج من صديق له يكبرني بعشرات السنين، التجأت إلى أمي لتنقذني ولكنني فوجئت بتعاونها مع زوجها وتخطيطها المسبق والمدبر لهذه الزيجة، الصفقة المربحة، خمسة عشر يوما فقط وهربت من بيت زوجي إلى أقرب مركز للشرطة أطلب الطلاق والخلاص من رجل فقد كل حس إنساني فهو يريد أن يستغل أنوثتي ويتاجر بي أنا ابنة الرابعة عشرة من العمر".
لجأت إلى بيت عمي وعندهم خطبني شاب وسيم ، اعتقدت أنه المخلص، أقنعني بالذهاب إلى شقته لرؤيتها وترتيبها على ذوقي هناك فوجئت بشلة الهوى والصخب وألقي علي القبض بتهمة اشتباه دعارة ".
احتلت الانحرافات الجنسية للأحداث الجانحين في سوريا المرتبة الثانية بعد جرائم السرقة والنشل وفقا لإحصائيات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اعتبار من العام 1970 أوائل العام 2000 ولا يخفى على أحد أن أية أرقام مقدمة عن عدد الأحداث في أي بلد في العالم تغدو ضرب من ضروب التكهنات كنتيجة حتمية لتكتم و إحجام الغالبية من الضحايا عن التبليغ, لدواعٍ كثيرة, أولها الخوف من رد الفعل السلبي من جانب المحيط العائلي.
* أتمنى أن أثبت براءتي وأرفع رأس والدي عاليا:
فتاة لم تتجاوز الثانية عشرة قدمها أهلها تحت وطأة فقرهم للعمل في محل للألبسة وفيه أقدمت على السرقة فتم حجزها في معهد للأحداث تعرفت من خلاله على رفيقات السوء، فمضت في طريق قادها للعودة إلى المعهد ثلاث مرات.
لكن الحدث"ع" دخلت المعهد بتهمة سرقة مليون ليرة وكيلو ذهب بالرغم من أنها تقسم ببرائتها وتقول:" أولاد الحرام اتهموني رغم خدمتي الطويلة في منزلهم ولا أدري لماذا؟ وكم أتمنى أن أثبت براءتي أمام الجيران والأهل والأقارب وأرفع رأس والدي عاليا.
تشير المعلومات المتوفرة لدينا عن المناطق التي تتركز فيها النسبة الأكبر لهروب الفتيات في العاصمة السورية دمشق إلى أن معظم الحالات تأتي من المناطق الأقل نمواً في محيط المدن، وخاصة ريف المدينة من حجيرة وداريا، ومن أحياء الفقر في الحجر الأسود وباقي أحياء "أحزمة الفقر"، ومن مخيمات النازحين و المخيمات الفلسطينية.
* المراهقون يبحثون عن كيانهم حتى في الانحراف:
تعزى أسباب ظاهرة هروب الفتيات إلى العديد من الأسباب ويتفق الباحثون على أن التفسخ العائلي والفقر والجهل والتربية السيئة ورفاق السوء هي الأهم لتفسير هذه الظاهرة ويركز الأخصائيون على أن أهم المراحل العمرية لهروب الفتيات تكون في فترة المراهقة التي تعتبر أكثر المراحل الحرجة في عمر الإنسان إذ يحتاج فيها المراهق والمراهِقة لاعتراف وقبول واحترام المحيطين بهم، لا أن يكونوا أدوات بيد الآباء ليضيغوا مستقبلهم من منظورهم الوصائي، لأن المراهقين يحتاجون إلى الإحساس بكيانهم والثقة بقدراتهم، وعندما لا يجد المراهقون هذا في أهاليهم يبحثون عنه في مكان آخر حتى لو كان الثمن الانحراف.
الدكتور كامل عمران رئيس سابق لقسم علم الاجتماع في جامعة دمشق وباحث متخصص في قضايا التنمية الاجتماعية يرى أن لظاهرة هروب الفتيات من أسرهن جانبان: الأول أسري يبدأ منذ اختيار الشريك فالخلل في بناء حياتنا الأسرية يؤدي إلى أسر غير مستقرة وطبيعي أن ينعكس عدم الاستقرار على الأطفال وعلى الفتيات خاصة لأن حساسيتهم مرهفة أكثر تجاه الأهل وبالتالي يكون هروبها شكل من أشكال الاحتجاج على الواقع وعندما يغيب الاهتمام عنها فإنها تبحث عن مصدر آخر للدفء الأسري والإنساني أما الجانب الثاني فهو وسائل الإعلام فانتشار الغزو الإعلامي بـ"مواد منفلتة" غير مراقبة وأخلاقيات متدنية تؤدي لسلوكيات التقليد من قبل المراهقين لأنهم أكثر عرضة للتأثر وذلك نظرا لشعوره بأنه أصبح شاب سيما أن سلوكيات المراهق غير موزونة وردات فعلهم غير ناضجة ما يصعب ضبط انفعالاتهم وبالتالي يكون السقوط أسرع كما أنهم يتأثرون بأقرانهم كما أظهرت دراسة قمنا بها في دمشق على عينة من الأحداث تبين من خلالها أن الأقران يلعبون الدور الثاني بعد الأسرة في تحديد سلوكيات الفرد.
ويضيف عمران أن هناك معادلة يجب ألا تغيب عنا وهي أن الفقر + الجهل = عامل نموذجي للانحراف وخاصة الفتاة فعدم القدرة على تلبية الحاجات المتسارعة التي تزداد يوما عن يوم والتي يزيد من تأثيرها السلبي أشكال الدعاية المختلفة المعتمدة على إثارة الغرائز والتي توجه الكثير من إعلاناتها بقوالب أنثوية تدفعها الفتيات للتقليد دون التميز بين غنية أو فقيرة نجد أنه تنشأ نتيجة ذلك "صدمات" عدم القدرة على تلبية الحاجات.
ويعدد الدكتور عمران أن أنواع الانحرافات ويقول أنها تتنوع بحسب الحاجات وإشباعها، فعدم إشباع الحاجات المادية مثالا تؤدي إلى السرقة أما النفسية والاجتماعية فتؤدي إلى الانحراف الأخلاقي. ويضيف أمام الضغوط السابقة تبدأ مراحل هروب الفتاة عن الواقع المحيط بها بهروب نفسي وصولا إلى الهروب من أسرهن ومنهم من تلجأ لأعلى مراحل الهروب من الحياة القاسية أقصد الانتحار.
* معاهد الأحداث حيث التجاوزات تختلس الكرامة الإنسانية:
ويؤكد الأخصائيون أن معاهد فتيات الأحداث تلعب دوراً وسيطاً بين القضاء والأهل أو بشكل أدق بين السجن والأهل لإبعاد هم عن جو السجون العامة وإصلاحهن وتأهيلهن بما يحتجن إليه في الحياة من دراسة ومهنة عملية وتربية قواهن الفكرية والأخلاقية والبدنية بعد دراسة حالتهن من الجوانب النفسية والاجتماعية تمهيدا لإعادتهن إلى أهاليهن شرط تعهدهم بتقديم الرعاية لبناتهم بصورة أفضل بعد أن تكون إدارة المعهد اتصلت بأهل الفتاة لإصلاح العلاقات المتردية بينهما بغية التغلب على الأسباب التي دفعتها إلى الهرب.
لكن الأخصائيين يلاحظون أن الفتيات بعد مغادرة المعهد يعدن إلى ذات الظروف التي سببت جنوحهن حياتيًّا واجتماعيًّا الأمر الذي يعني عودتهن إلى الجنوح مرة أخرى دون الاستفادة من الرعاية الاجتماعية التي يقدمها المعهد، طبعا هذا لا يعني أن المعاهد تقوم بدورها المطلوب على أكمل وجه فقد طالعتنا الصحف السورية الرسمية أن رئيس الوزراء السوري وبناء على اقتراح وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل أصدر قراراً بصرف أحد مدراء معاهد رعاية الأحداث في دمشق وخمسة من المراقبين العاملين فيه بسبب العديد من المخالفات المهنية والمسلكية التي تصل إلى حد الارتكاب الجرمي عن طريق الضرب والإهانة والتجويع وسوء المعاملة وقال توضيح وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا أن هؤلاء" المرتكبين قد اختلسوا ما هو على نفس السوية في الأهمية أن لم يكن يفوقها وهي الكرامة الإنسانية" مضيفة :" وحرصاً منا على عدم إثارة مشاعر الرأي العام حول التفاصيل(التي ارتكبها من تم فصلهم) فلن نذكر أكثر من ذلك عن الإيذاء النفسي والجسدي الواقع على هذه الفئة من أبناء الوطن التي يفترض أن الغاية من وجودها في هذا المعهد هو تزويدها بما تحتاج إليه في الحياة من
دراسة علمية ومهنية وتربوية وأخلاقية وبدنية وتنمية شعورها القومي ليصبح أفرادها مواطنين صالحين".
وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الشؤون على ضرورة رعاية الأحداث لردهم إلى المجتمع كأعضاء سويين نجد أن الكلام شيء والواقع شيء آخر وهناك مشاهدات مأساوية نقلتها الصحف الرسمية السورية عن حال بعض معاهد الأحداث في سوريا حتى بعد الذي قالته وزارة الشؤون الاجتماعية حيث تنبعث منها روائح كريهة عدا عن غياب وسائل التدفئة وكذلك الرطوبة الواضحة على الجدران ناهيك عن وجود الفرش والأثاث البالي وفي أحد المعاهد تم حشر (158) حدثا في قاعة لا تتجاوز مساحتها (40) مترا.
من المسؤول عن كل ذلك إذا كان المعنيون يرفعون مذكرة للسيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والسيدة الوزيرة توجه بالموافقة فورا وبالسرعة القصوى لتأمين هذه المواد لكن لا شيء على أرض الواقع.
الدكتور كامل عمران يشدد على تسمية معاهد الأحداث بمعاهد الإصلاح لأنها ليست لحجز الأحداث وإنما غايتها الرئيسية إصلاحهم الحقيقي ونقص الكادر التأهيلي للحدث يمكن أن يوضع له خطة لإشراك طلاب علم النفس والاجتماع في السنوات المتقدمة كجزء من المقرر العملي لهم أو أن يقدموا خدماتهم التطويعية مجانية.
لابد أن يسأل أحد ماذا عن الإمكانيات المادية لتأهيل معاهد تأهيل الأحداث؟
ليس هناك إجابة عن هذا السؤال إلا أن وزارة الشؤون الاجتماعية في سوريا قامت مؤخرا بتوقيع عقد مع مكتب موفيموندوا الإيطالي من أجل ذلك بقيمة (1,555,000) يورو ( مليون وخمسمائة وخمسة وخمسين ألف يورو) كما أن جامعة الدول العربية قدمت منحة للحرف في المعاهد بمبلغ وقدره (50,000) خمسون ألف دولار??!
* فما العمل ..!؟؟
يرى الدكتور كامل عمران أنه يجب اعتماد الحل المجتمعي لأن ظاهرة هروب الفتيات ظاهرة اجتماعية ولذلك على المجتمع من خلال علمائه وباحثيه ومؤسساته ومجالسه القادرة على اتخاذ القرارات وضع خطة مجتمعية يتوفر لها الإمكانيات اللازمة ويتوجه جزء منها نحو الأسرة وجزء نحو المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام ومعاهد الأحداث التي تعتبر الأهم في ذلك لأن أي فشل أو خلل فيها يزيد الأمر سوءا باختصار تحديد الظاهرة مسؤولية البحوث ثم تبحث القضية العلاجية ويوضع برنامج وقائي على مبدأ درهم وقاية خير من قنطار علاج.
.
.. هي قضية شائكة ويبدو أن القضاء على هذه الظاهرة يتطلب القضاء على الظروف التي هيأتها وأنتجتها فإذا كان هروب الفتيات نتيجة شروخ عائلية فإن هذا يقتضى معاقبة الأهل وإذا كان المجتمع مسؤول عن الشروخ العائلية فكيف نعاقب المجتمع؟
ولأن همهم وهمنا واحد .. هل تتذكرون بداية تحقيقنا ... في المعهد أشعر بوجودي.. مع فتيات المعهد... نفرح، نرقص نبكي فرحا وحزنا...
سيريا نيوز




تعليق