I Know What You Did Last Summer
كانت ليلة هائجة .. فقد كانت الريح تزأر بعمف .. والمطر يضرب النوافذ بموجات هائلة ..
جلست أنا وتلميذتي النجيبة أجاثا كريستي مقابل الموقد وقد سرّحنا عصاقيلنا باتجاه ألسنة اللهب البهيجة .. كانت بيننا طاولة صغيرة وعليها أمامي كوبٌ ضخم من الشاهي الحار وأمام أجاثا قدحٌ من النبيذ البذئ ..
ارتشفت أجاثا ذلك النبيذ المنبوذ من كوبها الصيني الأحمر وتنهدت برضى واطمئنان قائلةً: يا للحياة الجميلة!
أومأت برأسي إيجاباً وأنا أقول لها بتواضعي المعهود: نعم .. إنه عالم جيد .. فها أنا لدي قصصاً كثيرة أملك حقوقها .. وهي قصصاً جيدة أيضاً وقد أعجب بها البعض ممن قرأها على صفحات الإنترنت .. وها أنتي يا تلميذتي النجيبة وصديقتي العزيزة أجاثا كاتبة مشهورة ..
قاطعتني أجاثا محتجةً بسبب خوفها من العين والحسد: أوه يا صديقي! .. قل ما شاء الله عمى .. ثم أنت تعلم جيداً أنك كاتبٌ قصصي بارع وأنك أشهر مني كثيراً .. فلم كل هذا التواضع الذي لا أجد له سبباً مقنعاً!! ..
توقفت أجاثا قليلاً عن التحدث لحاجتها لالتقاط أنفاسها فاغتنمت الفرصة لأرد على إطرائها هذا بلطف كعادتي: تف تف ما شاء الله عليك بس يا أجاثا .. اللهم لا حسد .. وأيضاً شكراً لك على هذا الإطراء الذي لا أستحقه أبداً .. ولكني لا أرى نفسي ذلك الكاتب البارع بل اني أرى نفسي الآن ذلك الكاتب الفاشل الذي لن يكتب قصة أحلامه أبداً وإني بصراحة بت أفكر جدياً في الاعتزال ..
علقت صديقتي أجاثا قائلةً: ولكنك مشهور بالفعل يا معلمي الفاضل خليك بالشارع .. وعن جدارة أيضاً! .. عندما أستعيد في تفكيري سلسلة نجاحاتك الطويلة في كتابة القصة فإني أدهش لها .. لا أعتقد أنك تعرف ماهو الفشل! .. ولكن قل لي بجد .. هل سبق أن فشلت أبداً؟
ارتسمت على وجهي ابتسامة بريئة ثم قلت لها برزانة مغربية: بجد .. هل سبق أن فشلت أبداً؟ ..
ابتسمت أجاثا مجاملةً على مصالتي السابقة ثم تابعت تقول موضحةً لي: هههههه ولكن ليس هذا ما قصدته بالضبط .. ما عنيته هو هل سبق وأن فشلت من قبلُ تماماً في كتابة قصة بسبب خطأ ارتكبته أنت؟
وجدتها فرصةً مناسبة لترقيع مصالتي السابقة فقلت لها يعنني لم أفهم قصدها جيداً في البداية: آه فهمت! إنك تسألين إن كان قد سبق أن جعلت من نفسي حماراً كما تقولون في بلادكم هنا؟ .. مرة واحده يا صديقتي ..
تبدت على وجهي ابتسامة بطيئة متأملة وأضفت: نعم مرة واحدة جعلت من نفسي أضحوكة!
ثم اعتدلت فجأة في كرسيي وقلت: اسمعيني يا صديقتي .. أعرف أنك احتفظتي بقصصي في قائمة المفضلة لديك في حاسوبك الشخصي .. وعليكي أن تضيفي قصة أخرى من قصصي إلى مجموعتك .. قصة فشل!
انحنيت إلى الأمام ووضعت حطبةً في الموقد وبعد أن مسحت يدي بعناية بمنشفة معلقة بمسمار قرب الموقد وضعت لهذا الغرض .. عدت لأسترخي على كرسيي وقلت: هذا الذي أرويه لك حدث في بلجيكا منذ سنوات عديدة .. كان ذلك في زمن الصراع الرهيب في فرنسا بين الكنيسة والدولة ..
حيث كانت الكهرباء تنقطع عن الحي الذي كنت أسكنه آنذاك سبع مرات في اليوم .. وفي بعض الأيام قد تصل إلى تسع أو عشر مرات .. فجلست بتأفف أمام حاسوبي الشخصي بعد أن فتحت برنامج الوورد .. شاحذاً أفكاري بهمة وعزم ..
توصلت أخيراً لفكرة مناسبة أستطيع أن أرسم ملامحها على ورقة برنامج الوورد البيضاء الفارغة تماماً لتصبح بعد ذلك قصة قصيرة تدب فيها الروح والحياة ..
طقطقت أصابعي بسعادة .. وشرعت في كتابة القصة .. كنت أكتب بنهم كل ما تولد في خيالي من أفكار .. وكنت أشعر بالسكينة كلما أتقنت ترجمة أفكاري على هيئة حروف لتقرأ .. وراودني وقتها إحساساً بأن قصتي تلك ستكون بلا منازع من أقوى ما كتبت من القصص .. حتى أني بت أتخيل النجاح الذي كانت ستدره علي تلك القصة نجاحاً ساحقاً سيجعلني في مصاف الكتاب في العالم ..
وهنا سكت قليلاً بعد أن ترغرغت عيناي بلمعة من الدمع وقد بدت ملامح حزن قاسي ترتسم على ثكنات وجهي الحالم الطفولي ..وبدأت أسترجع ذكرياتي المريرة التي عانيتها في كتابتي لتلك القصة ..
عندها بدت ملامح التركيز والإنصات طاغية على وجه صديقتي أجاثا مما دفعني إلى إجبار نفسي على تحمل مرارة الذكريات وقسوتها .. فتجرعت المرارة بعينين مغمضتين وقلت لأجاثا: لعبت في تلك القصة الفاشلة والتي نسجها خيالي البحت دور عازف العود الرومانسي وهكذا كانت بدايتها ..
"كانت شوشو تلك الفتاة الجميلة تسامر صديقاتها في ذلك الشاطئ الساحر .. حيث الفقمات والدلافين وفصل الصيف ونور القمر الذي كان يكفي ضيائه الشاطئ كله .. فقام رئيس البلدية البخيل بإطفاء لمبات الإنارة كلها في ذلك الشاطئ الجميل توفيراً للنقود .. ليتركهم ساهرين تحت ضوء القمر وتلؤلؤ النجوم ..
كنت أجلس هناك وحيداً أنا وعودي ومرواسي وترمس الشاهي خاصتي مع بيالتين شاهي وكيس فصفص على رصيفٍ كان قريباً جداً من شوشو وصديقاتها .. كنت أعزف أجمل الألحان وأغني مصاحباً لعزفي المنفرد على آلة العود أرق غناء ..
لم تكن شوشو تفهم بالفن والغناء جيداً .. ولم تكن تفقه شيئاً عن فن العزف على آلة العود .. فما كان منها إلا أن وجهت ناظريها نحوي ترمقني بازدراء لتقول لصديقاتها بسخريةٍ لاذعة تقصدني: ذا قاعد يغني ولا قاعد يتاغر ولا وش قاعد يسوي بالضبط؟! ..
شعرت بضيق وحرج شديدين بينما كانت ضحكات صديقاتها تتعالى على ذبة شوشو .. فسكتت شوشو قليلاً تلتقط أنفاسها من بعد ضحكٍ عميق ثم التفتت إلي بعدها لتقول لي ضاحكةً: ياخوي تكفى قم ضف عودك في شنطة سيارتك وتعال .. تراك كرهتنا في شي اسمه عود .. أوووقسم بالله حسبتك قاعد تحفر بدريل ..أثرك كنت تدق عود مع خشمك!! ..
لم أعد أطيق ما كنت أسمع من محبطات انهالت علي بدون أي سبب أو تقصير مني فقلت لها والدمعة تسقط على وجنتي بخجل: تيب ..
ثم ركبت سيارتي الآيسوزو ورحلت بعيداً عن ذلك الشاطئ الذي طالما أطربت شواطئه الهادئة بعزفي المنفرد هارباً من كلمة جارحة أخرى قد تقع على مسامعي .. فتمزق مشاعري وأحاسيسي بدون أي شفقة في هذا الزمان الذي لا يرحم..
ومرت سنة على تلك الحادثة الأليمة .. وأنا ما زلت أذكر كل شئ .. وكيف أنسى!! .. وقد أصبحت بين ليلةٍ وضحاها مهزئة لرواد الشاطئ كلهم ..
كيف أنسى!! .. وقد أصبحت مجالاً خصباً للتندر عليه في كل المناسبات وأعياد الكريسماس .. فآثرت الرحيل على البقاء .. وقررت الإختفاء عن أعين الناس إلى الأبد واعتزالهم ..
واختفيت ..
ولم تكن سوى أيام منذ اختفائي حتى بدأ الناس يحيكون عني كل ما تفتقت إليه أذهانهم من أقاويل وإشاعات .. ولكن هذه هي ضريبة الفن .. يجب أن تصيب كل من امتهن الفن وسجن نفسه بين أسواره العالية ..
فالبعض زعم اني انتحرت .. والبعض قال اني أعيش وحيداً فوق الجبل مع الذئاب .. والبعض أكد أني أعيش الآن في العلية مع سالي .. والبعض الآخر زوجني بالملكة أليزابيث ملكة انجلترا ..
إلا شوشو تلك الفتاة الفاتنة الحسناء .. فلقد كانت تسامر صديقاتها في نفس ذلك الشاطئ الذي سخرت مني فيه الصيف الماضي ..
فداهمها الجوع فجأةً لتأخذها قدميها إلى بائع البليلة علها تسد جوعها بوعاءٍ بلاستيكياً من البليلة الساخنة مع علبة ميريندا .. أو كما يحلو لشوشو وصديقاتها تسميتها بعلبة البرندا ..
حالما اقتربت شوشو من بائع البليلة قالت له بلعاب يسيل من شدة الجوع: صديق .. سوي واهد بليله .. بدأ ذلك الصديق يجهز لها طلبها .. ثم التفت عليها وقال لها وهو يرش الخل والملح على البليلة بمهارة فائقة: يبي شتطه؟ .. ولكن يبدو أن شوشو لم ترق لها فكرة الشطة كثيراً .. فأومأت برأسها كنايةً عن النفي قائلةً له: لا ما يبي شطة .. فوضع هذا الصديق ملعقة بلاستيكية بيضاء فوق وعاء البليلة الساخنة وتمتم يطلب منها ثمن بليلته قائلاً: كمسه ريال مدام ..
قطبت شوشو حاجبيها وقالت له وهي تدخل يدها في حقيبتها اليدوية لتخرج له منها ثمن البليلة: آنسة لو سمحت .. فهز هذا الصديق رأسه كنايةً عن عدم الاستيعاب .. وما زال الصديق كذلك حتى قالت له شوشو وهي تبحث عن خمسة ريالاته تريد بذلك قتل الوقت بمداعبته جنسيا: يبي هساب؟ .. هساب يوم هساب كخخخخخخ ..
تمالك الصديق أعصابه بينما أسرعت هي في البحث عن ثمن بليلته قبل أن يلخها على خشمها بالملاس أو بقارورة الشطة أبو ديك خاصته .. وعندما شعرت بأنها امسكت بالخمسة ريالات أخرجت يدها بتفاؤل وإذا بها تتفاجأ بورقةٍ صفراء صغيرة لا تذكر أنها وضعتها في حقيبتها اليدوية هذا الصباح .. وظنت في البداية أنه رقمٌ سياحيٌ أسقطه في حقيبتها أحد الشباب الغير مؤدبين .. مما جعلها تثور سخطاً وغضباً من هذه الفعلة المشينة ..
فتحت الورقة ..
وسرعان ما تبددت ملامح الغضب والسخط من على وجهها الجميل لتحل محلها ملامح ذعر وهلع شديدين لاحظهما كل من كان في الشاطئ ذلك الوقت ..
فلقد وجدت أن كتب فيها بخط أسود عريض باللغة الإنجليزية ..
"تراي اعرف وش سويتي الصيف الي طاف! " ..
تراجعت شوشو إلى الوراء قليلاً وقد لاحظ بائع البليلة ذلك الشرود في عينيها وقد ملؤتهما الحيرة والقلق .. فشدته رهبة الموقف حتى بدأت تدور في خلده أسألة كثيرة لم يجد لها أي إجابة شافية ..
مما حدى به إلى أن يترك عربته ويقف إلى جانبها يشاركها في قراءة ما تقرأ في تلك الورقة .. وعلى الرغم من شدة عفانة رائحة آباطه فلم تشعر شوشو بوجوده وهو يقف إلى جانبها أبداً فلقد كانت شاردة تماماً في تلك الجملة الغامضة وما تحتويه من تهديد مخيف ..
فوجد هذا الصديق نفسه عاجزاً تماماً عن قراءة حرفٍ واحدٍ مما كتب في تلك الورقة لأنه بعد أن خاض امتحان التوفل في اللغة الإنجليزية قد حصل على المستوى " الله بالخير " .. فما كان منه إلا أن وضع رأسه على الوضع الهزاز بعد أن بدأ في تنفيص عينيه الحمراوتين وترفيع حاجب وتنزيل آخر ليبادرها بالسؤال قائلاً: إيس فيه؟! ..
أفاقت شوشو من شرودها على صوته ولخته بحقيبتها بقوة على خشمه لوقاحته ثم زلبته هو وبليلته وركضت بوجه امتقع لونه نحو صديقاتها وهي ممسكة بأطراف متشنجة مرتعشه تلك الورقة الصفراء الصغيرة ..
وعند صديقاتها فتحت الورقة أمامهن وهي تلهث بشدة .. كانت تلهث كالعداء قبيل وصوله لخط النهاية بقليل .. وحالما وقعت أعين صديقاتها على تلك الجملة بدا الذعر والهلع واضحين عليهن تماماً .. وبعد ساعات مرت من الصراخ والعويل .. سكتوا جميعهن على صوت أشيفهن ( أي أقبحهن ( وهي تقول لشوشو مهدئةً الوضع: يا شيخه تلقينه واحد من ذا الشباب وقاعد يمزح معك .. فردت عليها شوشو مستبعدةً ذلك تماماً: مستحيـــل!! .. الي كتب ذا الرساله مستحيل يكون يمزح .. وأصلاً ذا شكله شاب وسيم وطويل وابيض وجدي بالحيل ولا عنده مزح ولا بزوطه .. فقالت لها الشيفه متسائلةً: وانتي وشلون عرفتي ذا الاوصاف كلها عن كاتب ذا الرساله!! .. فردت عليها صديقتهن نونو تجيبها: لأن صديقتنا شوشو يا شاطرة طالعه الأولى على دفعتها في مادة علم النفس والإجتماع ..
فأخذن البنات يتبادلن فيما بينهن نظرات قلق وتوجس مثير للشفقة .. وهنا نطقت ميمي قائلةً بخوف: سكت الجميع وتكلم الحمار قائلاً ..
وإذا بشوشو تقول مؤكدةً ما قالته صديقتها جيجي قبل قليل: صادقه يا صديقتي جيجي .. وانا تراي عرفت كل ذا المواصفات عن كاتب ذا الورقة من اللون الأسود الدموي الي كتب فيه ذا الجملة ومن خطه القوي العنيف الممزوج بالرجولة وعنفوان الشباب الدائم .. كل ذا الأشياء تأكدلي انه واحد مهوب يمزح .. والظاهر انه ملك جمال العالم ..
وما أن فرغت شوشو من التفلسف حتى كب الجميع في نوبة ضحك عميق مما حدى بميمي إلى أن تقول وهي تشير بسبابتها إلى صديقتها شوشو: هههههااااااااي حمارة .. انتي الي تكلمتي ..
التزمت شوشو الصمت تعبر عن امتعاضها الشديد من تلك اللعبة الطفولية التي سنت قوانينها صديقتها ميمي .. وأحس صديقاتها بفداحة ما فعلن فالتزمن الصمت أيضاً ليعم المكان سكونٌ رهيب .. إلا من صوت شيفة التي قطعت ابو ذلك السكون الرهيب إرباً إرباً .. وذلك بعد أن عرفت كل تلك المواصفات القياسية عن ذلك الشاب الوسيم كاتب الورقة الصفراء فأرادت أن تظفر به لها وحدها لتراوده عن نفسه فيمتنع خوفاً من عقاب الله فتزج به في غياهب السجن ولكن هيهات هيهات .. فنظرت لشوشو وقالت لها تريد تصريفها: حبيبتي .. انا من رايي انك الحين ترجعين البيت وهناك عاد تشربين لك عصير ليموز يمكن يهدي اعصابك شوي وبعدين تشوفين لك فلم على روتانا سينما ثم تنامين يمكن لا قمتي من النوم ثاني يوم الصبح تلقين السالفة كلها كانت مجرد كابوس مزعج وانتهى مع إشراقه شمس الأصيل في الصباح الباكر .. فأومأت شوشو برأسها إيجاباً وقالت: وما تبيني افرش سنوني قبل انام بعد؟َ! .. فما كان من شيفة إلا أن نفصت عيناها بشوشو لبرهة ولسان حالها يقول " شف يا ناس .. خير تفعل شر تلقى!! " .. فبادرتها شوشو قاطعةً عليها حضرمتها الغير مسموعة تلك لتقول لها: على العموم انا من رايي كذا بعد .. يالله يا حلوات أشوفكم بكره ان شاء الله .. وانتي يا ميمي لا تنسين تشيلين مناكيرك لا طهرتي عشان الصلاة يا عمري ههههااااااي .. فضحكت ميمي وقالت لشوشو مودعةً: هههههه لا توصين حريص يا قمر .. وانتبهي على نفسك يا عمري .. امممممووووووواه يالله باي حبيبتي ( <== تبي الفكه ) .. فلوحت شوشو بيدها تودع صديقاتها بابتسامة عريضة من بعيد وهي تقول لهن بصوت مرتفع بعد أن شكرت ميمي على نصائحها الذهبية قائلة: أشكرك يا صديقتي ميمي .. يالله باااااااااااااي يا طعمات ..
وسارت شوشو قاصدةً بيتها .. وقد كان الطريق إلى بيتها طريقاً طويلاً مظلماً لا يرتاده الكثير من المارة .. في الحقيقة لا أحد كان يرتاده أبداً .. حتى القطط والفئران لم تكن ترتاده .. وكأن الطريق لم يوضع إلا لشوشو فقط لترجع معه إلى بيتها في هذه القصة!! ..
فبدأ الذعر يتسلل إلى قلبها من جديد .. وأخذت الأفكار المرعبة تتزاحم في مخيلتها بهمجية غير محمودة .. ولم تكن شوشو تعلم ماذا تفعل لتبعد كل هذه التخيلات القبيحة عنها .. حاولت جاهدة لتقنع نفسها بأن كل ما يحدث لها ماهو إلا مجرد مزحة ثقيلة لا أكثر ولا أقل .. ولكن محاولاتها تلك لم تنجح وباءت كلها بالفشل .. فقررت فجأة أن تترنم بأغنيتها المفضلة .. أغنية " بنك بانثر " علّها تشغل بها نفسها المضطربة قليلاً عن تلك الأفكار المزعجة ..
وبدأت الجرذان القذرة تخرج من مخابئها السرية واضعةً يديها الصغيرة على آذانها وقد أخذ السنجاب أبو ريحة وضعه الدفاعي برفع ذيله مخرجاً من مؤخرته تلك الرائحة العفنة الكريهة التي كلنا نعرفها جيداً عن طريق أفلام الكرتون كوسيلة دفاعية يتخذها استعداداً لمواجهة الخطر ..
حدث ذلك كله عندما بدأت شوشو تترنم بصوتها القبيح قائلةً:
تيريم .. تيريم .. تيريم تيريم تيريم تيريم تيريـــــــم .. تيريريريم .. تيريم .. تيريم تيريم تيريم تيريم
تيريـــــــــم .. تيريتيـري تيري .. تم تم ترم تم ترم تــ ـ ـ .. فقطع عليها ترنمها صوت نغمة استقبال رسالة نصية جديدة صدرت من جوالها .. وبقلبٍ اشتد خفقانه فتحت شوشو الرسالة .. وأخذت تقرأها بعينين مغمضتين من شدة الخوف ..
فقرأت ..
" I KNOW WHAT YOU DID LAST SUMMER! " ..
كان هذا كل ما كتب في تلك الرسالة القصيرة ..
تفحصت شوشو رقم مرسل الرسالة ولكنها وجدته رقماً ملكياً مميزاً من الطراز الأول وللجادين فقط وهو ليس من الأرقام المخزنة في جوالها ولا تذكر أبداً أنها قد رأته في حياتها من قبل .. وبوضوح تام بدت علامات الارتباك والذعر مرتسمة على سحنتها البيضاء المشربة بحمرة وهي تتساءل بصوت اختنق بعبرة قائلة " .. من يا ترى يكون كاتب هذه الرسالة!! .. وماذا يريد مني في هذه الساعة المتأخرة من الليل" .. !!
لم يكن أحدٌ يستطيع إجابتها على تساؤلاتها تلك سوى خدمة العملاء 902 .. وبأطراف متشنجة أخذت تطلب ذلك الرقم الثلاثي الأبعاد ..
ازداد خفقان قلبها على صوت نغمة بدأ الاتصال المتقطعة مع خط خدمة العملاء .. ولم تكن سوى ثوان حتى انقطعت نغمة الاتصال لتبادر شوشو خط خدمة العملاء بصوتها المرتعش من شدة الخوف قائلةً: ألو .. ليجيبها ذلك الصوت على الطرف الآخر من السماعة قائلاً: عزيزي العميل .. جميع موظفونا مشغولون الآن .. الرجاء الإنتظار حتى نتمكن من خدمتك .. طو طوط .. طو طوط ..
ولم يكن الوضع بالنسبة لها يحتمل أي انتظار .. ولكن وماذا عساها أن تفعل .. فلم يكن لديها سوى الاتصالات السعودية لتشترك بها ..
وبعد ساعتين من الإنتظار انقطع صوت نغمة الـ طو طوط .. لتقول هي من جديد بصوت قد أخذ منه الخوف كل مأخذ: ألو .. فأتاها ذلك الصوت الرخيم على الطرف الآخر من سماعة جوالها يقول لها من جديد: عزيزي العميل .. ما زال موظفونا مشغولون الآن .. الرجاء الإنتظار حتى نتمكن من خدمتك .. طو طوط .. طو طوط ..
أحست شوشو بإحباط شديد .. وعلى الرغم من شدة حرارة الصيف في تلك الليلة إلا أن برودة شديدة تمكنت من التسلل إلى أطرافها ..
فأكملت المسير باتجاه بيتها وهي ما زالت تنتظر إجابة أحد موظفي خدمة العملاء .. وبعد ثلاث ساعات أخريات وصلت شوشو إلى بيتها ..
وعندها أدخلت شوشو يدها بين ثدييها لتخرج من بينهما مفتاح الباب الذي ملأه الصدأ من طول فترة التخزين وقلة الاستعمال ( <== 24 ساعة قاعدة بالشاطئ ) وبعد أن أخرجت مفتاح الباب من بين ثدييها وضعته في قفل الباب وعندما أدارته باتجاه عقارب الساعة .. انقطعت نغمة الـ طو طوط فجأة .. لتستبدل بصوت ذلك التسجيل الذي قال لها دون ملل: عزيزي العميل .. ما زال موظفونا نائمون ... آآآآآآ .. قصدي مشغولون .. الرجاء الإنتظار حتى نتمكن من خدمتك ..
فتبادر إلى ذهن شوشو سؤال كان يرتعش هو أيضاً من شدة الخوف والهلع .. فقالت بصوت مسموع نسبياً متسائلةً: طب ليه ما يقولون عزيزتي العميلة؟!! .. فأتاها صوت التسجيل الآلي يقول: بس كذا بكيفنا .. اتصالاتنا السعودية وحنا حرين فيها .. لقافه من جد .. طو طوط .. طو طوط ..
فتحت الباب ودخلت وإذا بذلك الصوت نفسه يأتيها على الطرف الآخر من السماعة قائلاً: عزيزي العميل .. ما يزال موظفونا مشغــ ـ ــ .. وإذا بذلك الصوت الحي الرخيم يقطع صوت التسجيل ليقول بذرابة: السلام عليكم .. معك علف جحزر.. فردت شوشو بلهفة وشوق غير مصدقةً عينيها: وعليكم السلام ممكن نتعرف .. قصدي ممكن تقولي ذا الرقم الملكي الي أرسلي ذا الرسالة منهو صاحبه .. فأجابها موظف 902 قائلاً: تامرين أمر اختي .. بس ثواني أدور في حاسوبي الخاص على صاحب ذا الرقم ..
وعمت المكالمة سكونٌ رهيب ليقطعه موظف الاتصالات بعد ذلك قائلاً لها بعد أن تحول صوته الناعم الرخيم إلى صوت أجش بشع هامس لها بوحشية: تراي أعرف وش سويتي الصيف الي طاف ..
وهنا تراجعت شوشو إلى الوراء بذعر قاذفةً هاتفها المحمول على الأرض بقوة فتطايرت أجزاءه في كل جهة .. واختلط صوت تحطم الجوال بصوت رنين هاتف المطبخ الثابت .. امتلأ قلبها بالرعب .. ووقف شعر حاجبيها لأن شعر رأسها كان مقعداً لا يستطيع الوقوف .. وتسمرت في مكانها لثوان لتفيق من شرودها بعد أن تكررت محاولات الاتصال بهاتف المطبخ الثابت لأكثر من عشرين مرة متتالية ..
فذهبت للمطبخ وهي تصرخ بأعلى صوتها مستغيثةً بوالديها: يمه يبه .. قالتهما بكسر الياء هذه القروية .. وهي التي كانت من اول تكشخ على صديقاتها بدلال وغنج شديدين يعننها بنت ذوات عندما كانت تقول لهن " ماما تقول نبي نغوح باغيس بس بابا يقول لا ما نبي نغوح باغيس .. نبي نغوح فغنسا " ..
ولكن كان البيت خالياً تماماً من كل أب وأم إلا من أم واحدة .. هي أم أربعة وأربعين .. كانت تزحف باتجاه الثلاجة تريد تفاحة لتقضمها فتسد بها جوعها .. فداست عليها شوشو بكعب حذائها فأزهقت روحها وهاتف المطبخ لم يتوقف عن الرنين .. وقبل أن تلفظ الأم أربعة وأربعين أنفاسها الأخيرة رفعت عينيها إلى شوشو وقالت لها بصوت مختنق يحتضر:
I Know What You Did Last Summer!
ورحلت إلى مثواها الأخير ..
جن جنون شوشو .. ولكن ما زال هاتف المطبخ يرن .. فمدت شوشو يدها المرتعشة إلى السماعة ورفعتها دون أن تنبس ببنت كلمة .. ترغرغت عيناها بالدموع .. وحارت أسألتها تريد أن تعرف هي وش سوت الصيف الي طاف؟!! .. وإذا بصوت أجش مرعب يأتيها على الطرف الآخر من السماعة يقول: ألو بيتزا هت؟ .. بالله واحد بيتزا سوبريم ستافد كراست .. وواحد سلطة كبير .. استاءت شوشو كثيراً من هذا المضيع فقالت له بسخرية ممزوجة بغضب: وما تبي بيبسي مع الطلب بعد؟!! .. فقال لها المتصل المضيع بحسن نية: لا .. مسوي رجيم .. فما كان منها إلا أن أطرقت السماعة في وجهه بغضب شديد ولكن مشاعر الخوف لم تبارحها .. ولكنها أحست بندم شديد بعد ذلك على ما فعلت .. وقالت مجهشةٌ بالبكاء: ليتني ما قفلت بوجهه ذا الاجودي .. يمكن لا علمته بمشكلتي يجي وينقذني ويؤنس وحدتي ..
وهنا رن جرس هاتف المطبخ من جديد فانفرجت أساريرها وألحفتها .. ورفعت السماعة بسعادة غامرة لم تذقها منذ ساعات ظناً منها أنه نفسه ذلك المتصل الجائع من جديد عاود الاتصال لنجدتها .. ولكن وقع مالم يحمد عقباه .. فلقد كان المتصل هذه المرة شاب آخر وصوت آخر باغتها قبل أن تكمل كلمة ألو بصوته الأجش المرعب قائلاً لها بهدوء: تراي أعرف وش سويتي الصيف الي طاف!! .. وتراي عندك بالبيت ..
وجدت شوشو نفسها مسلمةً بقضاء الله وقدره وأصبحت بعد مشاعر خوف طالت تريد وضع حداً لهذا الرعب كله .. فأجابته قائلةً بعصبية حاولت إخفاء بها بعضاً من ملامح ذعرها: أرجوك لا تسكر .. أنت وين في البيت؟!! .. ضحك المتصل ضحكة هادئة تهكمية ثم قال: أنا بالمقلط ..
وهنا وقعت السماعة من يد شوشو لا شعورياً مرتطمةً بقوة على رخام المطبخ ..
اشتد بها الخوف .. وأخذ العرق يتصبصب من جنبات رأسها بغزارة شديدة .. وبدأت قدماها تقودانها بدون أي وعي منها إلى غرفة المقلط .. لم تكن تريد الذهاب إلى هناك ولكنها كانت متوجهةً إلى حتفها على غير هدى بانصياع تام ..
وصلت إلى باب المقلط الخشبي ذو المقبض المذهّب .. فوقفت لبرهة من الزمن أمامه تتأمله وكأنه سيكون آخر باب ستراه في حياتها .. ولا شعورياً امتدت يدها إلى مقبض الباب المذهب تريد فتحه .. كانت تحاول مقاومة يدها ألا تفعل ولكنها كانت وكأنها واقعة تحت تأثير سحر ما!! .. فلم تستطع المقاومة .. حتى وجدت نفسها في وسط المقلط تماماً وقد أغلق الباب خلفها فجأةً .. شهقت شهقةً عنيفة وهي تلتفت بسرعة إلى الباب وكأنها أفاقت من غيبوبتها ..
لم تسمع أي صوت غير طبيعي ولم تحس بأي حركة معها في المقلط تلفت الإنتباه .. وكأنه لا يوجد في غرفة المقلط أحدٌ غيرها ..
كانت مصابيح الإضاءة في المقلط مطفأة .. وكان المقلط مظلمٌ تماماً .. وكانت الرياح الهادئة في الخارج تداعب أشجار الحديقة التي كانت تتأرجح ظلال أغصانها من خلف الستارة في مشهد مرعب تقشعر له النفوس المطمئنة .. فأحست شوشو بسكونٌ مخيف وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ..
تقدمت شوشو نحو مفاتيح الإضاءة ببدن مقشعر وقد جف ريقها .. وبضغطة واحدة أشعلت بها مصابيح الإضاءة كلها وإذا بها تسمع صوتاً يأتيها من الخلف يقول لها: تراي قاعد وراك ..
وبتشنج شديد التفتت شوشو إلى الوراء .. وإذا بي متربعاً ورائها ممسكاً بيدي آلة العود لتضرب ريشتي فجأةً على الأوتار عازفاً لحن الخلود لأصدح لها بصوتي مغنياً: وش رايك الليلة .. نسهر سهر ثاني .. تنسى بها احزانك .. وانسى بها احزاني؟؟ ..
فما كان منها إلا أن سحبت العود بحركة مباغتةً من بين يدي ورفعته عالياً ممسكة عنقه بكلتا يديها .. فقلت لها منكتاً لأني خفيف دم قليلاً: ترى ذا عود مهوب مضرب بيسبول ..
ولم أكد أفرغ من قول كلمة بيسبول تلك حتى بدأت أسمع صوتاً يقول طاااااااااااااااااااااااخ طيييييييييييييييييييييييييخ طووووووووووووووووووخ
وبعدها عاد لي الوعي لأجد نفسي نائماً في إحدى عنابر السجن المركزي .. وعندما التفت جانباً رأيت عودي ممدداً على الأرض وهو مهشمٌ تماماً وقد تمزقت أوتاره كل ممزق .. لم أتمالك نفسي من هول ما رأيت فصرخت بأعلى صوتي قائلاً: لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا تهئ تهئ .. ارتجفت أوصالي فشددت على قبضتا يدي وجثوت على ركبتي أمام عودي ثم أجهشت ببكاء عميق وأنا أحضن عودي الذي دفع الثمن غالياً مضحياً بأوتاره من أجل الفن ..
لم أشعر بوجود سجين آخر معي بالسجن من شدة حزني حتى تفاجأت بتلك اليد البيضاء تلامس كتفي بكل شفقة وحنان وعندما التفت وجدته جاد شويري ذلك المؤدي والمخرج اللبناني الماصل للفيديو كليبس ..
ربت على كتفي وهو يقول لي: انت شكلك فنان ..
فأجبته وأنا أمسح نخروري بيدي بصوت حزين: إيه للأسف .. أنا فنان ..
بدا لي وكأنه غير مقتنع تماماً بموهبتي الفنية .. فقال لي: شف يا ..
قلت له وأنا أمد له يدي التي مسحت بها نخروري لمصافحته: خليك بالشارع ..
اسمي خليك بالشارع ..
صافحني وهو يقول: شف يا خليك بالستريت .. انت إنسان عندك كاريزما وشكلك جذاب جداً وجميل .. بس الظاهر والعلم عند رب العالمين إن صوتك لك عليه .. لكن عندك استعداد تغني وتصور فيديو كليب بفنيلة وصروال سنة عشان تغري البنات؟
ولقد كان عندي استعداداً بالفعل لأني مرات أيام المراهقة كنت أفتح الباب أرد على الذين يدقون الجرس بالفنيلة وصروال السنة .. ومن هذا المنطلق أتت موافقتي وتم إبرام العقد معي بعد خروجي من السجن مباشرة .. واشتهرت شهرة واسعة وأصبح جاد شويري يخرج لي فيديو كليباتي الإغرائية .. حتى أحسست يوماً أني جسدي بات سلعةً رخيصة تتم المتاجرة فيه باسم الفن .. فعاد إلي رشدي يوماً وقلت في نفسي: ذا فن ولا ستريبتيز ( الستريبتيز هي محلات دعارة في أمريكا يقعدون فيها الرجال الفاسقين يحتسون المسكر ويناظرون بحرمة تقعد تتزلط قدامهم .. والعكس كذلك ) .. الله يرحمك بس يا أم كلثوم .. "
وهنا يا عزيزتي أجاثا قررت التحجب واعتزال الفن إلى الأبد .. وبدأت في كتابة مذكراتي حتى خطر لي يوماً أن أنشر قصتي هذه علها تكون عظة وعبرة ونبراس نور أحترق أنا فيه لأضئ لقرائي الطريق ..
وفعلاً فقد شرعت في كتابتها باستخدام برنامج الوورد في حاسوبي الشخصي وذلك بعد أن هاجرت إلى بلجيكا مختفياً عن أعين المعجبات .. وقد أخذت كتابة القصة مني يوماً كاملاً .. وبينما أنا أكتب كلمة النهاية في آخر القصة انقطعت علينا الكهربا الله يقطع روسهم عيال الكلب وانمسح كل الي كتبته .. ومن جد بغيت أبكي الا شوي وصارت نفسيتي تعبانه جداً .. وكرهت شي اسمه كتابة .. وأطلقت على تلك القصة التي لم ترى النور ولن تراه أبداً .. قصة فشل!! ..
وضعت أجاثا يدها على فمها بعد أن نفصت عيناها بنظرات تملؤهما الدهشة والإعجاب من قصتي تلك الرائعة وقالت لي: انت تحمد ربك انها انمسحت .. أسألك بالله ذا قصة ولا قلة حيا؟!! .. زين انك ما نزلت ذا الخنبقة بس .. انت تسمع بكتابة القصص تراك ..
فما كان مني إلا أن انحولت عيناي من شدة الغضب وقد أخذ الغضب مني كل مأخذ وقلت لها بعد أن أحكمت إغلاق قبضتي على فنيلتها من الخلف بكامل قوتي: بررره .. بررره يا بنت الكلب .. انتي وقصصك الي تجيب النوم .. والله الظاهر انك انتي الي تسمعين بكتابة القصص ..
النهاية
) ..
..
.. وهذا ما يجعل الناس يرون كتاباتي طريفة لأني كما أسلفت هذا هو
تعليق