
انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الانتحار الجماعي، والمقصود هنا ليس انتحار الدلافين أو الحيتان، بل انتحار الفن في العالم العربي، خاصة الغناء، فقد أصبح كل من هبّ ودبّ يغني، حتى بتنا نرى مغنين موسميين، على غرار الفواكه الموسمية، لان ظهورهم يقتصر على فترة وجيزة، ثم يختفون تماما، أو يظهرون بعد فترة بأغنية جديدة أو كارثة جديدة! أما إذا أردنا التحدث عن هؤلاء فإننا لا نتحدث عن إبداعهم لأنه من الصعب تسمية نتاجهم بالإبداع، بل ربما يكون الاسم المناسب له هو المهزلة الفنية، وكأنما تحولت الهموم الثانوية للناس إلى قضايا مصيرية تترجم عبر الأغاني الكلبية لتناقشها بالرغم من أنها لا تعالجها، حيث نرى تلك الكليبات والتي تعتمد على الصورة فحسب وكأنها نقل حي ومباشر من احد النوادي الليلية المبنية على صورة الإغراء المطلق مختصرة المعادلة المعروفة (كلمة ولحن عذب فصوت وأداء) فنلاحظ مدى الاستخفاف بحق المتفرج والإسفاف بالفن الذي بناه عمالقة الفن في عصر كان الفن فيه جميلا فعندما نستمع ونستمتع إلى ذلك الحب الطاهر الذي طالما جمع ما بين المحبين واصفا لوعة الشوق والفراق وقسوة الهجر ونشوة الوصال نستطيع التفريق بين ما كان وما أصبح، وبدون مبالغة وتجن فانا لا اتجنى على ما يقدم حاليا فهناك من يجتهد ليقدم الأفضل، وما أحاول طرحه هو الاعتدال والتقيد بما يميزنا من شرقية لا تنتمي إلى الهوية الغربية، فمن لديه عين نظيفة وأذن موسيقية فهو بالنتيجة مستمع جيد وهذا لا يحتاج لا لدراية بالفن ولا بالموسيقى فالأذن الموسيقية ما هي إلا ملكة، فكل المعاني تغيرت بتغير الزمن، فوسط هذا الزخم العاطفي نجد من يشتم زوجته على الملأ بأغنية يخرب بيتك! ويفضي بألمه للمتلقي وذلك لأنها تستيقظ من النوم فتضع المساحيق قبل أن تسرح شعرها! ومن يتلفظ بكلمات لا تمت بصلة للغتنا العربية كمن يصف الشاب بـ "شنكوتي" والفتاة بـ "شنكوتة" والمخرج الذي ينقل إبداعاته الفنية من مجتمعات أخرى وكأن المتفرج لا يشد انتباهه سوى تلك المناظر القبيحة.
وكنا لا نرى إلا النساء اللاتي يظهرن مفاتنهن أما اليوم فقد أصبح الرجل كذلك مستعرضا بارعا تحت هطول دش الحمام الساخن!
الشيء الوحيد الذي يبقى مع الإنسان عندما يفقده هو أعصابه أما إنا فلا تبقى أعصابي عند سامع النشاز وشكرا للتكنولوجيا التي صنعت لنا جهاز التحكم عن بعد حتى لا نضطر لرؤية مالا يحمد عقباه اللي كل مدى عمال بيزيد على رأي السيدة أم كلثوم.
لقد أصبح عالمنا مليئا بالفوضى الفكرية والأخلاقية حتى الحرية فيه انعدمت لان الحرية التي يعيشها عصر الكليب ليست حرية ، فحرية الشخص تقف عند حدود حرية الآخر فما أجمل أن يعي الطرف الآخر حريته!. ربما أكون قد تحدثت بفظاظة ورجعية وذلك لا يتماشى مع جيل اليوم "جيلي" ولكن هناك من مازال يستمع إلى الطرب الأصيل ويهتم بالشكل الجميل الذي لا يخدش حياء المتفرج.






تعليق