بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ، ورمضان كريم عليكم جميعا
توصلت لنتيجة بعد تفكير عميق في واقعنا "السياسي" وحالة عدم الإستقرار المستمرة التي نعاني منها ، وكانت تلك النتيجة أننا منقسمون لعدة أقسام ، فمنا الرافضون للعلمانية ، ومنا الرافضون للقومية ، ومنا الرافضون لإستغلال الدين ، ومنا الرافضون للشيوعية ، ومنا الرافضون لكافة ما سبق وكنت واحدا منهم ...
واليكم ما كتبت .
لم يخير المواطن العربي بين أمرين فاحتار بينهما ، بل أن تيه المفاهيم سببه كم التناقضات الهائل الذي بات عالمنا اليوم يعج به ، فالنظم والتوجهات السياسية العالمية اختلفت وتعددت وصار لكل نظام سياسي مميزاته وعيوبه ونقاط ضعفه ومناطق فراغه التي يتم استغلالها من قبل أنظمة "سياسية" أخرى لتصنع لها مبرر الوجود ، وفي ظل "تغييب" المواطن العربي وغياب وعيه الكامل عما يجري من حوله نرى الأنظمة المتعددة تستخدمه كأداة لضرب بعضها البعض ، فيتم تهييجه تحت بنود ومسميات "روحية" أكثر منها عملية ولا علاقة لها لا بمستقبله ولا بمستقبل الأمة التي يعيش فيها ، بل أنها تتعلق بمصالح أفراد قرروا أن "يجربوا" المناصب الرفيعة وذلك بالرغم من أن الوضع في منطقتنا ليس بصدد أن يكون مسرح تجارب لأنظمة حكم جديدة .
فالمواطن اليوم يرزح تحت حكم علماني في ظاهره ويعيش في مجتمع ابتعد عن قيمه الدينية وما نزلت به رسالة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا مجال هنا بالكاد لتطبيق أي من الحدود التي شرعها المولى عز وجل لأن العلمانية ليست نظاما يبنى على الإسلام ومن ابتكر هذا النظام ليسوا بمسلمين أصلا ، ولكن لا يجب أن نحمل العلمانية كل مساوئنا ، فقبل أن نقطع يد السارق لما لا نوفر له قوت يومه؟! ، لأن السارق في أغلبه هو شخص "محتاج"، ومن ناحية أخرى لا مجال في مجتمعاتنا لمحاسبة الكبار على سرقاتهم لأننا مجتمعات تهاب من قول كلمة الحق إن تعلق هذا الحق بمسئول كبير أو شخص ذي نفوذ في الدولة.
و كما أسلفت، في نقاط فراغ كل نظام عالمي ينبت نظام آخر، ودعنا نحصر فكرنا الآن في منطقتنا، فقد ظهر لنا نظامين جديدين كل منهما يقف في نقاط فراغ الآخر أيضا.
ففي نظرتي الشخصية (( لا يوجد سياسي صادق فيما يقول أو يدعي )) وكل شخص تظاهر بحب الشعب ودخل من زاوية الدين فهو لا فرق بينه وبين العلماني و من ثم الشيوعي والقومي، لكن لماذا ؟
لأن الشيوعية والقومية والعلمانية بشكل عام ليست سوى جسور للوصول للحكم ، وكل حزب يجب أن يستخدم "الحلم" الذي يجب أن تعيش فيه الجماهير لينتخبوا مرشحه وهم "نيام" ومغيبون عن الواقع ،مع الأخذ في العلم أن هناك بعض الأحلام يمكن تحقيقها وبعضها مستحيلة، وكذلك هو الحال في الأنظمة التي تدعي أنها "إسلامية" فهم اتخذوا من الإسلام "جسرا" للوصول للحكم وبهذا هم يخطأون في حقه لأنه قاموا بمساواته بأنظمة علمانية وشيوعية، أي أن كل نظام يدعى أنه سيكون إسلاميا لا يختلف عن غيره من الأنظمة إلا بكلمة "إسلامي" وهذه هي نقطة الفراغ لدى الأنظمة العلمانية والشيوعية ، وطريقة ضرب الأنظمة العلمانية والشيوعية بالنسبة للجماعات الإسلامية سهلة وبسيطة فالتكفير والإلحاد خير سلاح يجابه به العلمانيون والشيوعيون .
بالمقابل فإن العلمانية لا تقف مكتوفة الأيدي أمام كل ما يكال لها من قبل الإسلاميين ، فتقف أيضا في نقاط فراغ وضعف التوجهات السياسية للجماعات الإسلامية ، وتكال الاتهامات لها بالرجعية والتخلف وهضم حقوق المرأة ، علاوة عن ضيق الأفق السياسي الذي يهدد البلاد بالعزلة ، وبين هذا وذاك تقف الجماعات الإسلامية الجهادية في مناطق فراغ الجماعات الوسطية والعلمانية فتكفر كل من هو ليس معها وتدعى أنها الواجهة الوحيدة للدين ولا واجهة أخرى له .
وبين كل هذه التناقضات حري بنا التفكير ولو لوهلة فيما يريد هؤلاء ، فهل طالب السلطة والحكم هذا يسعى وراء"مصلحتي" و مصلحة الشعب ؟! ، أم يسعى وراء مصالحه ومصالح الحاشية الملتفة حوله من رجال أعمال وموردين وداعمين له على طول خط المواجهة مع الأنظمة القائمة .
لنعرف الإجابة على هكذا سؤال يجدر بنا معرفة أين تكمن مصالح الشعوب لنعرف من هو الجدير بخدمتها.
لا أدري إن كنت قد أغلقت باب الأمل في الإصلاح وفي تولي أنظمة ترعى مصالح الشعوب الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ولكن وكما هو واضح بأنه حاليا لا خير لا في علماني ولا مدع بأنه إسلامي ، لأن العلماني لا علاقة له بالدين ، والمدع بأنه إسلامي لا علاقة له بالحرية والديمقراطية وسماع الرأي الآخر ، وقد تكون فاجعة الأنظمة التي تدعى أنها "إسلامية" أقسى وأفظع من الأنظمة العلمانية أيضا ، لأننا تنبأنا مسبقا بما سيحدث من قمع للحريات وإلغاء للعرف الديمقراطي الذي تعود عليه الشعب ، وقد قالها أحد قادة هذه التنظيمات بالحرف الواحد (( لو تسلمنا الحكم سنضرب من يعارضنا بالجــزمة )) ، فلا أدري أين السياسة أو الدبلوماسية التي يتحلى بها مثل هذا ليكون قائدا "للأمة" ، ولا أدري أيضا إن كانت هذه أخلاقيات "مسلم" من أساسه .
قد أكون متحاملا على الجماعات التي تدعي أنها إسلامية أكثر من الأنظمة العلمانية نفسها ، وذلك لأن هذه الجماعات تعبث بالدين وتوصل رسائل ومفاهيم خاطئة عنه وعن رجاله حتى عند عامة الناس ، فمن قريب وليس من بعيد كانت صورة المتدين عندنا شخص عبوس لا يضحك ولا يبتسم ونساءه جواري عنده ، فهذه الصورة لم يساهم الإعلام وحده في ترويجها ، بل ساهمت هذه الجماعات في تدعيمها وتقويتها في الشارع ، وخاصة في "مصر" ، علاوة عن الفوضى العارمة التي تحدث في البلاد بسببهم من تكوين جماعات إجرامية تحمل الجنازير والخناجر في الشوارع ، ولا ننسى بالكاد ابتعاد هذه الجماعات الكامل عن الواقعية والحاضر الذي نعيشه ، ربما لجهل بأساسيات الحياة اليومية للشعوب ، فهم كأحزاب وجماعات يصحون من النوم كغيرهم من المواطنين يجدون رغيف الخبز والمواد التموينية ولم يسألوا أنفسهم يوما كيف وصلت هذه لأيديهم ، وينظرون فقط بحسد للسلطة الحاكمة ويتمنون لو يجلسون على عرش تلك السلطة ، لأنهم حسبوا أن السلطة جمعية خيرية تعمل على توزيع الرواتب كل شهر ... وانتهينا ، ولكن الواقع دوما كفيل بردع هؤلاء ودحض حججهم المتسلقة على الدين ، وحتى رجال الدين أنفسهم يدحضون حجج هؤلاء ، فنرى تحسين لصورة المسلم يقوم به الدعاة والمفكرون الإسلاميون، وبدءوا بالتحدث عن المرأة وحقوقها في الإسلام ومكانتها في المجتمع الإسلامي ، وهذا ما جعل بعض الجماعات التي كانت تنسف كل هذه المفاهيم تتسابق للتماشي مع التيار وإدخال أصواتهم في وسط غوغاء الأصوات ، وفجأة تجدهم من النقيض إلى النقيض .
إذا نحن في عصرنا هذا لا نحتاج لحكم جماعات إسلامية من دون شعوب "إسلامية" ، وذلك ليكون الشعب وحده هو الرقيب على هذه الجماعات وكيفية حكمها، لا أن يكون مسيرا بيدها تحت بند "السمع والطاعة" ، فكيف تحكم البلاد جماعات إسلامية والشعوب ليست بالوعي الكافي لتحكمها هذه الجماعات ، وليست بصدد التعامل مع الدين كدين معاملة وحياة يومية ، فكل ما نعاني منه اليوم هو فهم خاطئ للدين ، وهذا ما جنيناه من سوء التوعية بحقيقة الدين وطرق تكيفه مع الواقع من حوله ، لأنه دين كل مكان وزمان .
الـــــــــــــخلاصة :
نحن نحتاج لنظام متكامل ، نظام يحمل القيم الإسلامية في التوجه السياسي الإسلامي ، ويحمل الواقعية العلمانية في التوجه السياسي العلماني، ويحمل العروبة في التوجه السياسي القومي ، إذا نحن نحتاج للدمج بين الإسلامية والعلمانية والقومية، أو أن يحاول كل نظام فيهما القيام بعملية تكاملية لتغطية مناطق الفراغ عنده ، وبذلك تنتهي جل مشاكلنا السياسية ، وتنتهي مبررات وأسباب وجود جماعات تهيجية تعمل على زعزعة البلاد وزرع الفوضى بين جوانبها وشق صفوف أبناءها .
بقلم : العربي الفدائي .







تعليق