هذا حال أطفالنا.. فما هو حال أطفالهم؟!
للكاتب..سلام الشرابي
اقترنت الألعاب النارية بالعيد وغدت ألوانها المبعثرة في السماء ترسم فرحة العيد على وجوه الصغار والكبار.
اعتدنا الوقوف على أسطح المنازل حال الكثيرين لرؤيتها من بعيد، لكننا هذه المرة قررنا الذهاب إلى أقرب نقطة تفصلنا عن مكان انطلاقة الألعاب، كان المكان مزدحماً بالسيارات، خرجت إلى هناك عائلات كثيرة اتخذت من الأرض مكاناً تنظر فيه موعد إطلاق الألعاب النارية.
بينما انتشر الأولاد في الفسحة الرملية الممتدة يلعبون ويمرحون..
وحان وقت إطلاق الألعاب وبدأت الألوان بجمالها تتلألأ في السماء والأصوات تدوي بقوة.
وما هي إلا ثوان وعاد الأطفال الصغار المنتشرون في أنحاء المكان فزعين يبحثون عن آبائهم وأمهاتهم ينشدون المأوى بينهم، يخالطهم الخوف والدهشة مما يسمعون.
ضممت طفلتي إليَّ وأنا أهدئ من خوفها وأشير إليها نحو السماء لترى الألوان التي لم أستطيع مقاومة النظر إليها فيما دست طفلتي وجهها في عباءتي، ترتعد خوفاً كلما دوى صوت انفجار هذه الألعاب.
هذا حال طفلتي وحال كثير من الأطفال الصغار ممن هم في عمرها رغم جمال الألوان التي ازدانت بها السماء.
حالها هذا أخذني بعيداً عن جمالية الألوان إلى حال أطفال العراق الذين حل العيد عليهم مع أصوات وقع الانفجارات التي لا لون لها إلا لون الدم ولا رائحة إلا رائحة الموت.
كيف تعيش الطفولة مع الحرب والطفولة والحرب على طرفي نقيض، لا يمكن أن يتوافقا يوماً أو يتعايشا في مكان واحد.
وآلة الحرب التي لا تفرق بين كبير وصغير، وفي أحيان كثيرة تفضل الصغير على الكبير، مزجت دم الأطفال وأشلاءهم بألعابهم المنزلية وكتبهم المدرسية، ومن ينسى المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في خان يونس في 23/11/2001 والتي نتج عنها استشهاد خمسة أطفال من عائلة الأسطل أثناء توجههم إلى مدرستهم، وحالة الذهول التي أصابت الأطفال الذين كانوا في طريقهم إلى مدارسهم بعد أن صدمتهم أشلاء زملائهم المبعثرة والتي تناثرت مختلطة بعضها ببعض.
تفيد حراكا ماتشل المدافعة عن حقوق الأطفال في تقرير لها في دراسة للأمم المتحدة بعنوان تأثير الحرب على الأطفال أن الصراع المسلح يقتل ويعيق أطفالاً أكثر من الجنود.
وكشف تقرير لدائرة الإعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية حسب ما أوردته صحيفة القدس عن استشهاد 128 طالباً وطالبة وإصابة 2316 آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة وحتى 20/12/2001 ، وإغلاق 6 مدارس بأوامر عسكرية وتعطيل الدراسة في 150 مدرسة أخرى وقصف 137 مدرسة واقتحام 52 مدرسة وتحويل 7 مدارس إلى ثكنات عسكرية إضافة إلى اعتقال العديد من المعلمين والطلاب.
ماذا تخلف الحروب في تكوينهم النفسي؟
يلاحظ أطباء النفس أن نوع الأزمات التي هي من صنع الإنسان مثل الحروب والقمع والحصار والعقاب الجماعي تفوق في تأثيرها المدمر على الأفراد والجماعات الأزمات التي تنشأ في ظروف طبيعية لا دخل للإنسان فيها ولا سلطان له عليها.
وفي البيئة العدوانية المليئة بالحروب يكون الطفل أكثر عرضة للتأثر؛ لأن نموه البدني والنفسي والعاطفي لم يكتمل بعد.
وقد أحصى برنامج غزة للصحة النفسية في منطقة خان يونس وجود 54% من الأطفال يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة وحوالي 13% من اضطرابات سلوكية مثل زيادة العدوانية.
وتبين أن 25% من إصابات الحروب هي حالات اضطراب نفسي بمعنى أن حالة واحدة من كل أربع إصابات يتم إخلاؤها أثناء المعارك وهي اضطراب نفسي تحتاج إلى التدخل العاجل.
وتظهر معاناة هؤلاء الأطفال على شكل اضطرابات في النوم وأحلام مفزعة، تنتابهم حالة من الفزع والهلع والصراخ لمجرد سماع صوت الرشاشات أو منظر الدم.
وقد يضطربون إذا سمعوا طرق باب، كما يعاني الكثيرون منهم من التبول اللا إرادي والسرحان وعدم الاكتراث، وهذا بالتالي يؤدي إلى إهمالهم في الدراسة وانخفاض مستوى تحصيلهم الدراسي واقتصار تفكيرهم على ما يجري من أحداث.
كما يعاني الكثير منهم العديد من المشاكل العصبية النفسية، مثل الأفعال والحركات اللاإرادية التي تصدر عن أعضاء الجسم، مثل اليدين أو الرجلين أو الكتفين أو العينين أو الفم والأسنان والأصابع، وقلة الشهية والطعام، وتفضيلهم الابتعاد عن الناس واللجوء للصمت والرغبة في البكاء، يعيشون دوماً حالة من الخوف على أنفسهم أو من حولهم يميلون إلى التشاؤم واليأس.
كذلك فإن ما قد يشاهده الأطفال من فقد لأحبائهم أو إذلال لآبائهم أو مدرسيهم من قبل الأعداء وما يرونه من اهتزاز صورة مثلهم الأعلى الغير قادر على حماية نفسه يجعلهم يشعرون بأنهم فقدوا الملجأ والأمان، وبالتالي تتولد لديهم حالة من التمرد في البيت وفي المدرسة، فنجدهم جامدي العواطف يميلون للمشاحنات مع من حولهم، ولديهم الرغبة في تدمير الأشياء وتخريبها.
ويوضح تقرير سكرتارية الخطة الوطنية للعمل من أجل الأطفال الفلسطينيين (2001) مستنداً إلى مقابلات مع أطفال وآباء أن الأطفال الفلسطينيين لا يستطيعون النوم بأمان في فراشهم أو المشي إلى المدرسة أو حتى اللعب في فناء بيوتهم دون الخوف من مهاجمة الجنود الإسرائيليين و المستوطنين لهم".
ويكتشف التقرير أن الأطفال يعانون بصورة متزايدة من الخوف والقلق والكوابيس والتبول الليلي والصدمة.
ويفيد الآباء بأن أطفالهم بازدياد سنهم يصبحون أكثر إدماناً على مشاهدة الأخبار ويناقشون ويشتركون في الأحداث.
ويفيد المعلمون أن واحداً من كل ثلاثة من الطلاب يعاني من مشاكل نفسية تؤثر سلباً على أدائه المدرسي.
الأزمة جد كبيرة، خاصة وأنها تتعدى بحدودها المرحلة الآنية وتمتد لزمن غير معروف إذ إن المشكلات التي يعاني منها الأطفال قد تمتد معهم إلى مراحل متقدمة من العمر وتؤثر على حياتهم الاجتماعية والمهنية وتعاملهم مع من حولهم، بل حتى مع أولادهم فيما بعد..
وهذا يتطلب وقفة لتبيان الضرر النفسي الذي لحق بهم وتقديم العلاج الناجع لهم، من خلال الاهتمام بالنواحي النفسية وكل ما يتعلق بالوقاية من آثار الحروب وتقديم الرعاية النفسية وعلاج وتأهيل الحالات بعد الحرب، وهذا هو مجال تخصص طبي مستقل هو الطب النفسي العسكري.
للكاتب..سلام الشرابي
اقترنت الألعاب النارية بالعيد وغدت ألوانها المبعثرة في السماء ترسم فرحة العيد على وجوه الصغار والكبار.
اعتدنا الوقوف على أسطح المنازل حال الكثيرين لرؤيتها من بعيد، لكننا هذه المرة قررنا الذهاب إلى أقرب نقطة تفصلنا عن مكان انطلاقة الألعاب، كان المكان مزدحماً بالسيارات، خرجت إلى هناك عائلات كثيرة اتخذت من الأرض مكاناً تنظر فيه موعد إطلاق الألعاب النارية.
بينما انتشر الأولاد في الفسحة الرملية الممتدة يلعبون ويمرحون..
وحان وقت إطلاق الألعاب وبدأت الألوان بجمالها تتلألأ في السماء والأصوات تدوي بقوة.
وما هي إلا ثوان وعاد الأطفال الصغار المنتشرون في أنحاء المكان فزعين يبحثون عن آبائهم وأمهاتهم ينشدون المأوى بينهم، يخالطهم الخوف والدهشة مما يسمعون.
ضممت طفلتي إليَّ وأنا أهدئ من خوفها وأشير إليها نحو السماء لترى الألوان التي لم أستطيع مقاومة النظر إليها فيما دست طفلتي وجهها في عباءتي، ترتعد خوفاً كلما دوى صوت انفجار هذه الألعاب.
هذا حال طفلتي وحال كثير من الأطفال الصغار ممن هم في عمرها رغم جمال الألوان التي ازدانت بها السماء.
حالها هذا أخذني بعيداً عن جمالية الألوان إلى حال أطفال العراق الذين حل العيد عليهم مع أصوات وقع الانفجارات التي لا لون لها إلا لون الدم ولا رائحة إلا رائحة الموت.
كيف تعيش الطفولة مع الحرب والطفولة والحرب على طرفي نقيض، لا يمكن أن يتوافقا يوماً أو يتعايشا في مكان واحد.
وآلة الحرب التي لا تفرق بين كبير وصغير، وفي أحيان كثيرة تفضل الصغير على الكبير، مزجت دم الأطفال وأشلاءهم بألعابهم المنزلية وكتبهم المدرسية، ومن ينسى المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في خان يونس في 23/11/2001 والتي نتج عنها استشهاد خمسة أطفال من عائلة الأسطل أثناء توجههم إلى مدرستهم، وحالة الذهول التي أصابت الأطفال الذين كانوا في طريقهم إلى مدارسهم بعد أن صدمتهم أشلاء زملائهم المبعثرة والتي تناثرت مختلطة بعضها ببعض.
تفيد حراكا ماتشل المدافعة عن حقوق الأطفال في تقرير لها في دراسة للأمم المتحدة بعنوان تأثير الحرب على الأطفال أن الصراع المسلح يقتل ويعيق أطفالاً أكثر من الجنود.
وكشف تقرير لدائرة الإعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية حسب ما أوردته صحيفة القدس عن استشهاد 128 طالباً وطالبة وإصابة 2316 آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة وحتى 20/12/2001 ، وإغلاق 6 مدارس بأوامر عسكرية وتعطيل الدراسة في 150 مدرسة أخرى وقصف 137 مدرسة واقتحام 52 مدرسة وتحويل 7 مدارس إلى ثكنات عسكرية إضافة إلى اعتقال العديد من المعلمين والطلاب.
ماذا تخلف الحروب في تكوينهم النفسي؟
يلاحظ أطباء النفس أن نوع الأزمات التي هي من صنع الإنسان مثل الحروب والقمع والحصار والعقاب الجماعي تفوق في تأثيرها المدمر على الأفراد والجماعات الأزمات التي تنشأ في ظروف طبيعية لا دخل للإنسان فيها ولا سلطان له عليها.
وفي البيئة العدوانية المليئة بالحروب يكون الطفل أكثر عرضة للتأثر؛ لأن نموه البدني والنفسي والعاطفي لم يكتمل بعد.
وقد أحصى برنامج غزة للصحة النفسية في منطقة خان يونس وجود 54% من الأطفال يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة وحوالي 13% من اضطرابات سلوكية مثل زيادة العدوانية.
وتبين أن 25% من إصابات الحروب هي حالات اضطراب نفسي بمعنى أن حالة واحدة من كل أربع إصابات يتم إخلاؤها أثناء المعارك وهي اضطراب نفسي تحتاج إلى التدخل العاجل.
وتظهر معاناة هؤلاء الأطفال على شكل اضطرابات في النوم وأحلام مفزعة، تنتابهم حالة من الفزع والهلع والصراخ لمجرد سماع صوت الرشاشات أو منظر الدم.
وقد يضطربون إذا سمعوا طرق باب، كما يعاني الكثيرون منهم من التبول اللا إرادي والسرحان وعدم الاكتراث، وهذا بالتالي يؤدي إلى إهمالهم في الدراسة وانخفاض مستوى تحصيلهم الدراسي واقتصار تفكيرهم على ما يجري من أحداث.
كما يعاني الكثير منهم العديد من المشاكل العصبية النفسية، مثل الأفعال والحركات اللاإرادية التي تصدر عن أعضاء الجسم، مثل اليدين أو الرجلين أو الكتفين أو العينين أو الفم والأسنان والأصابع، وقلة الشهية والطعام، وتفضيلهم الابتعاد عن الناس واللجوء للصمت والرغبة في البكاء، يعيشون دوماً حالة من الخوف على أنفسهم أو من حولهم يميلون إلى التشاؤم واليأس.
كذلك فإن ما قد يشاهده الأطفال من فقد لأحبائهم أو إذلال لآبائهم أو مدرسيهم من قبل الأعداء وما يرونه من اهتزاز صورة مثلهم الأعلى الغير قادر على حماية نفسه يجعلهم يشعرون بأنهم فقدوا الملجأ والأمان، وبالتالي تتولد لديهم حالة من التمرد في البيت وفي المدرسة، فنجدهم جامدي العواطف يميلون للمشاحنات مع من حولهم، ولديهم الرغبة في تدمير الأشياء وتخريبها.
ويوضح تقرير سكرتارية الخطة الوطنية للعمل من أجل الأطفال الفلسطينيين (2001) مستنداً إلى مقابلات مع أطفال وآباء أن الأطفال الفلسطينيين لا يستطيعون النوم بأمان في فراشهم أو المشي إلى المدرسة أو حتى اللعب في فناء بيوتهم دون الخوف من مهاجمة الجنود الإسرائيليين و المستوطنين لهم".
ويكتشف التقرير أن الأطفال يعانون بصورة متزايدة من الخوف والقلق والكوابيس والتبول الليلي والصدمة.
ويفيد الآباء بأن أطفالهم بازدياد سنهم يصبحون أكثر إدماناً على مشاهدة الأخبار ويناقشون ويشتركون في الأحداث.
ويفيد المعلمون أن واحداً من كل ثلاثة من الطلاب يعاني من مشاكل نفسية تؤثر سلباً على أدائه المدرسي.
الأزمة جد كبيرة، خاصة وأنها تتعدى بحدودها المرحلة الآنية وتمتد لزمن غير معروف إذ إن المشكلات التي يعاني منها الأطفال قد تمتد معهم إلى مراحل متقدمة من العمر وتؤثر على حياتهم الاجتماعية والمهنية وتعاملهم مع من حولهم، بل حتى مع أولادهم فيما بعد..
وهذا يتطلب وقفة لتبيان الضرر النفسي الذي لحق بهم وتقديم العلاج الناجع لهم، من خلال الاهتمام بالنواحي النفسية وكل ما يتعلق بالوقاية من آثار الحروب وتقديم الرعاية النفسية وعلاج وتأهيل الحالات بعد الحرب، وهذا هو مجال تخصص طبي مستقل هو الطب النفسي العسكري.




تعليق