
أتؤمن بالخالق؟
في جو ربيعي جميل يزداد جمالا كلما خرجت من
الغابات الخرسانية في المدن إلى الغابات الطبيعية
التي تحيط بأغلب مدن أوربا, حيث اللوحات
الخضراء التي تتناثر عليها الألوان البديعة,
مزينة بالألحان الهادئة للطيور التي كأنها
تتغنى فرحة لعودتها من هجرة الشتاء,
وطيور أخرى مستقرة كأنها تستقبل
في سعادة ضيوفها من الطيور
الرحالة موسمية الهجرة.
في يوم من هذا الفصل البديع كنت استقل
سيارة أجرة, وتصادف أن كان سائقها ممن
أعرفهم معرفة سطحية, لذلك لم أتردد في أن
افتح معه حديثا يضفي على الرحلة متعة أكثر.
ونحن نشق طريقنا عبر الأشجار المخضرة
الكثيفة مستمتعين بالمناظر التي أبدعها الخالق,
كان التفكر والتعجب بتلك اللوحات البديعة طغى
على تفكيري واخذ بألبابي إلى درجة أن طفح
منه سؤال ألقيت ثقله على السائق الذي
اجلس بجانبه: أتؤمن بالرب
(ترجمة من لغة تلك البلاد)؟
فأجابني فورا وبدون
تفكير بالنفي.
فقلت في نفسي غير مندهشا,
ربما دفعه إلى هذا أن الإيمان بالله
في هذه الأيام وفي هذه البلاد يعتبر عيبا,
خاصة بين أوساط الشباب الذي يستحي التصريح به.
انتقلنا كما يبدوا ظاهريا إلى موضوع آخر,
وهذا كلما استمر انتقال السيارة قبل الوصول
إلى الهدف البعيد وكان هدفي من الأسئلة بعيدا أيضا.
فسألته مرة أخرى مستدرجا إياه:
من تعتقد صانع أو مخترع المصباح الكهربائي؟
أجاب: أديسون.
جعلت اعدد له أسئلة مشابهة وكان
يجيبني بأجوبة صحيحة وأخرى ليست كذلك.
ثم قلت معقبا: ومن ذلك نستخلص أن لكل صنعة
لا بد من صانع, ولا بد للأشياء من واجد.
وإذا كنا نحن من الأشياء فمن يا ترى أوجدنا؟
قال لا اعلم قد تكون الطبيعة!
فقلت: ألا ترى أننا نعلم أشياء كثيرة عن ما
حولنا ولا نعلم عن أنفسنا الشيء الكثير؟!
هل يعقل أن نقول أن أشياءً وجدت بفعل واجد
ونحن باعتبارنا من الأشياء نوجد بلا واجد أو
بأشياء هي في حد ذاتها من الموجودات
بل اقل عقلا من الإنسان؟! هل الطبيعة
اعقل من الإنسان؟
قال السائق بعد تفكر: لا بد اذً أن يكون
هناك من أوجدنا إلى هذا الوجود, لكن لا
اعلم إن كان
هذا الواجد هو الله أو...
فعدد أسماء معبودة شركاً
(إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباءكم..)
وقبل أن نتم بقية الحديث توقفت
السيارة عند الهدف المنشود.
فتوقفت أنا بدوري ولم استمر في
الهدف البعيد من الكلام لأني لم
المس في السائق رغبة على ذلك.
خلاصة الكلام أن كثير من الناس يعرفون
الشيء الكثير عن أشياء كثيرة مما حولهم
ويعيشون وهم يجهلون أشياء كثيرة عن أنفسهم.
أي لا يتعبون أنفسهم ليعرفوا من خلقها
من أحسن صنعها من أوجدها من أبدعها؟
كيف وجدت؟ لماذا وجدت ؟
والى أي عالم سوف ترتحل؟
وماذا يحدث هناك؟ الخ.
كيف لا يشقى من لا يعرف حقيقة نفسه
ويضل عن نور السنوات والأرض الذي لا يحتاج
إلى برهان على وجوده. يكفي أن ننظر
إلى أنفسنا لنعرف خالقنا.
(أفي أنفسكم أفلا تبصرون).
إن الباحث عن الحقيقة يسعد أيما سعادة حينما
يعرف للحق سبيلا وينجلي من عين بصيرته غشاوة
الغفلة والضلال.
الله هو الحق ومن عرف الحق أدرك السعادة
الحقيقية التي ينشدها العاقل الحكيم الذي قهر هواه.
وآفة العقل الهوى فمن علا هواه عقله فقد نجا
وإنارة العقل مكسوف بطوع الهوى وعقل
عاصي الهوى يزداد تنويرا, كما قيل.
........
راجي









أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ

تعليق