
لم أقرأ سوى منذ لحظات خبر موت المبدع السينمائي المصري الأول ، و مربي جيل المبدعين، و الرجل المتمرد على المألوف و المكرس في حياتنا ، و الثائر على الظلم و القهر بلا حدود، مات "يوسف شاهين" مات النقي كقطرة ماء، المبدع كتصاريف الدهر، الثائر كبركان، و خمدت الرأس الصلبة في وجه القبح الذي يغزو حياتنا ، و أغلقت العين التي كانت تعد أجمل اللوحات في تاريخ السينما المصرية ، مات عميد الفن السابع المصري، في غضون أسابيع قليلة من موت الكبير الجليل "عبد الوهاب المسيري" فمالك بنا يا موت؟ هناك في بلادنا على المزاود شرار البقر بلا حصر، في السينما كما في الفن عموما كما في السياسة كما في الأدب و الفكر ، فمالك لا تخطف إلا أروع الجياد؟ مالك لا تنتقي إلا من نحب و من بهم نثق؟ اللهم لا اعتراض ، و كل نفس حتما تذوق الموت، لكن كما قال "صلاح جاهين" يوما "بس الفراق صعب و احنا شعب قلبه حنون" لقد كان هؤلاء في حياتنا أقمارا، و كانت معاصرتنا لهم شرفا نشرف به و نفخر، فمن للأحياء من مفكرين و مبدعين بعدما تختفي أجمل الجياد في صحرائنا؟ و أسطع النجوم في سمائنا؟ الموت حق على كل حي، و ليست المأساة فيه، لكن في عدم ظهور كبار جدد ليحلوا في حياتنا محل الراحلين، فما عدا فلتات متناثرة مثل "علاء الأسواني" أو "خالد يوسف" أو "محمد منير" أو "خالد الصاوي" و غيرهم من المبدعين، لا يخرج لنا الكبار بذات الزخم الماضي في فن و لا أدب ، فرحمة الله لك يا "يوسف" يا مبدعنا الجميل ، و رحمة الله لنا في هذا الزمان الضنين بالمبدعين
مشواره مع ملح الأرض



ثم يأتي فيلمه العالمي المستوى "جميلة" عن المناضلة الجزائرية "جميلة بوحريد" في زمن كانت فيه القاهرة تحتفي بالمناضلين و يستقبلهم فيها رئيس الجمهورية، بينما لا يستقبل لاعبي الكرة و لا رجال الأعمال، و الفيلم أخرج عام 1958م بعد أن استقبل ناصر جميلة ضمن من استقبل من مناضلي الجزائر ، و كان الفيلم أيضا مع المكافحين ضد أحد أشكال الطغيان، طغيان شعب على شعب ممثلا في الاحتلال، و تمجيدا لطريق النضال قبل أن ترتد مصر عن طريق النضال ، و في حين أرخ فيه شاهين للنضال القومي العربي ، تجنب التطرف نحو الصرعات المعادية للغرب من خلال ابراز شخصية المحامي الفرنسي الشريف، ليلفت نظر المشاهد العربي أن المحتل الفرنسي لا يمثل كل شعب فرنسا ، و أن لكل شعب شرفاؤه بعيدا عن ألعاب السيرك السياسي، فلا توجد أمم شريرة و لكن قادة شريرون





بعد حرب النكسة ، صام شاهين عن الابداع أربع سنوات تقريبا ، أما فيلم"الأرض" الذي أخرجه عام 1970م و قبل وفاة ناصر مباشرة، فكأنه كان نبؤة بالارتداد على خط الثورة، و الانحياز الساداتي للعثمانيين و الرشاديين من الوجهاء و الأثرياء، و الارتداد عن ما أنجزه الإصلاح الزراعي في مصر، فكأن شاهين كان يسجل مآسي إقطاع ما قبل الثورة و معاناة الفلاح البسيط، و العلاقات الاجتماعية البسيطة ظاهرا و المعقدة باطنا في مجتمع القرية المصرية، و قد ضاع بعض هذه المعالم اليوم و استمر بعضها، ليبرأ نفسه مما سيحدث من ردة اجتماعية في السبعينات بعد عرض الفيلم بسنوات، و الفيلم يبقى أقوى انحيازات شاهين للفقراء و البسطاء من الجموع الشعبية ضد عقلية الصفوة و سلوكياتها التي تتسم بالأنانية اللا-متناهية
























تعليق