أيا مرآتي أين ذاك الوجه الصبوح
كنت أنظر إليك فيما مضى
أتطلع فيك لأرى إشراقا وطموح
أيا مرآتي أذكر أول نظرة مني إليك
ذكرى لم تنسينيها النكبات وطول المحن
تصورت حينها فيك عالما من الفردوس
وأن أحشائك مسكونة من بشرا يشبهوننا
ويقلدون حركاتنا وسكناتنا
بفضول تطارنا نظراتهم كلما نظرنا إليهم
أو اختلسنا النظر
حتى أنهم يملكون حاجيات تشبه أغراضنا
لكن بالمقلوب
فاليمين يسار عندهم
واليسار يمين كذلك
حتى إني حاولت أن ألمس يد ذلك الطفل الذي رأيته فيك
وبادلني هو تلك الرغبة
حاول وحاولت أن تصل يدي إلى وجهه
لكن يده كانت تلاحق يدي
كأنها تصدها
بل كان هنالك حاجز يمنعني
من الوغول إلى عالمه الصامت
لم أكن أسمع صراخه أو همهمته
الصخب والضجيج في عالمنا فقط
هكذا خلتك أول مرة أراك فيها
حتى نبهت إلى أنني ما اراه في تلك المرآة
ما هو إلا عالمنا ولكن نراه بافق مقلوب
وهكذا عرفت أني أرى فيك ذاتي
وشيئا فشيأ تعمقت تلك النظرة
من الفضول إلى الاستكشاف حتى الوثاقة
وكانت لعبتي المفضلة عكس ضوء الشمس بالمرآة الصغيرة
ومضت الأيام والسنين تجر بعضها بعضا
تجري مسرعةً كأنها تهرب بلا توقف
وها أنا الأن أنظر إليك يامرآتي
أرى وجها أكل عليه الدهر وشرب
تعلوه ناصية طغى فيها اللون الأبيض على الأسود
كانت فيما مضى كغابة كثيفة الأشجار لا فراغ
أما اليوم فالتصحر ترك تلك الغابة شجيرات بيضاء معدودة هنا وهناك
فلا أدري اأنا الذي شخت أم شاخت المرآة







تعليق