العقل وكيف يفكر .. ؟
يسعد مساؤكم
الله يتمم علينا نعمة العقل يارب
قرأت هذه المعلومات وارجو ان تنال رضاكم
يوسف جورج عبداللهيسعد مساؤكم
الله يتمم علينا نعمة العقل يارب
قرأت هذه المعلومات وارجو ان تنال رضاكم
إذا سئل المرء كيف جمع المعلومات التي وصلته إلى المعرفة لحار جواباً، رغم أنه يفعل ذلك طيلة الوقت أو على الأقل في ساعات صحوة. ويكاد يكون من المؤكد أن جميع المعلومات التي تتكون منها المعرفة، تتوارد على العقل عن طريق نقط حساسة في الجسم تدعى الحواس. وقد أطلق عليها أيضاً اسم أبواب المعرفة. وفي الجسم أنواع مختلفة من تلك النقط الحساسة. فهناك العين وهي عضو حاسة النظر، والأذن وهي عضو حاسة السمع، والأنف وهو عضو حاسة الشم، واللسان وسقف الحلق وهما يزودان الجسم بحاسة الذوق، والجلد الذي يُمكّن الجسم من الاحساس بالضغط والألم والحرارة والبرودة. وهناك نقط حساسة أخرى في داخل الجسم تشعر المرء بالجوع أو الشبع وبالراحة أو الاعياء.
على أن الحواس وإن كانت تزود الانسان بالمعلومات العامة، فإن العقل يفند هذه المعلومات ويرتبها بطريقة معقدة جداً، لكي يهيء للمرء المعرفة الواقعية بالعالم الخارجي. وغني عن البيان أن المرء يفر جميع المؤثرات التي تحيط به في وقت ما على ضوء ما رآه أو سمعه وشعر به من قبل ولكنه يفعل ذلك بسرعة فائقة وسهولة تامة، بحيث لا يكاد يدرك أنه انما يفسر احساساته ومشاعره.
فالمرء يعرف دون أن يدرك السبب، ويسمي علماء النفس هذا النوع من المعرفة: الادراك الحسي. وفي استطاعة المرء أن يدرك الفرق بين الشعور المجرد اي الاحساس وبين الادراك بالحس، اي التفسير في بعض الحالات التي يصاب فيها العقل أو الاعصاب. فقد يحدث أن لا يستطيع المصاب بعقله أو اعصابه معرفة بعض الادوات المألوفة كالسكين والقلم بمجرد النظر، ولكنه إذا لمسها استطاع تمييزها بسهولة تامة، وسبب ذلك أن إصابة العقل أو الاعصاب، قد قطعت الصلة بين النظر والمعنى ولكنها لم تقطع الصلة باللمس والمعنى، ومن هنا يمكننا أن نعرف مبلغ أهمية هذه الصلات التي تربط بين الحواس والمعاني.
والادراك بالحس يدفع ناحية أخرى من نواحي العقل إلى العمل، ففي أثناء ادراكنا الحسي يعمد العقل إلى تنظيم اختباراته فيجمع المؤثرات المتفرقة التي تصل عن طريق الحواس، ويصوغها في أشكال خاصة، ويعلق علماء النفس الحديثون أهمية كبرى على هذه القوة التنظيمية الكامنة في العقل فهي تلعب دوراً كبيراً في نظرتنا إلى الحياة، وتساعدنا لا في الادراك فحسب، بل وفي التعلم والتفكير والتذكر أيضاً.
ولكن هل جميع أنواع التفكير والمعرفة التي تأتينا من غير طريق الحواس مباشرة تحدث بمساعدة الصور الذهنية؟ وجواب ذلك بالنفي لأن أمهر الناس ليسوا دائماً أكثرهم خيالا وتصورا، كما أن في استطاعتنا أن نختبر هذا الامر بأنفسنا وذلك بأن نغرق لحظة في التفكير العميق، ونلاحظ ما يدور في عقولنا في تلك اللحظة، ولتوضيح ذلك نوجه سؤالاً عسيراً: هل هو صحيح أن إعطاء كل شخص ما يستحقه أمر يرمي إلى العدالة ولكنه يؤدي إلى الفوضى؟ ولسنا نشك في أن الصور الذهنية لا تساعدنا كثيرا في الاجابة على هذا السؤال.
وظيفة المخيلة - كما يقول العلماء.
إن أكثر الناس يستعملون كلمة مخيلة في نطاق يبدو محدودا، والظاهر أننا نميل إلى اعتبار المخيلة وسيلة تفصل بيننا وبين الحقيقة، ومع انها يمكن أن تكون كذلك بالتأكيد، على الأقل بالنسبة للكثيرين منا، إلا أننا نود أن نتحدث اليكم أولا عن الاستعمال الصحيح لهذه الكلمة، كما نود أن نحدثكم عن السبب الذي من أجله كانت لنا مخيلة. ولقد بيّنا في بداية هذا الحديث ما يفعله العقل بالرسائل التي يتلقاها من الحواس ووضحنا الطريقة التي نعرف بها الأشياء وندرك بها الاحاسيس، والواقع أن هذه الرسائل بوجه عام تقوم بدور كبير في تقرير الشيء الذي نفعله، فعندما نشعر بأن الجو حار، نفتح النافذة، وعندما نشعر بالظمأ، نبحث عن شيء نشربه، ولكننا لا نعتمد كل الاعتماد على تأثير العالم الخارجي على حواسنا، والطريقة التي نستعمل بها كلمة مخيلة عادة تطمس الحقيقة الثابتة وهي أن المخيلة هي أولاً وقبل كل شيء نوع من العمل الذي ينطوي على السرعة والتدبير، ويبين صوراً خيالية لا أشياء محسوسة.
ولكي نوضّح هذه النقطة، سنصف لكم الآن ونبحث في التصورات والتخيلات بشيء أكثر من التفصيل: المعروف أن كل انسان يتصور ويتخيل بطريقته الخاصة، فمنا من يرسم في عقله صوراً ذهنية، وتعرف هذه الطريقة بطريقة التخيل النظري، ومنا من يعتمد في الغالب على الألفاظ والأصوات، أي أنهم يستعملون ما ندعوه بطريقة التخيل الحسي، ولكن أكثر الناس يستطيعون أن يستعملوا مختلف ضروب التخيل حسب الظروف والأحوال. ومع أن الأشياء التي نتخيلها تتأثر عادة بالموقف الذي نكون فيه، فإنه في وسعنا أيضاً إذا شئنا أن نجعل خيالنا يسبح في طلاقة وحرية، وعندما نفعل خيالنا يسبح في طلاقة وحرية، وعندما نفعل ذلك فقد تمر في أذهاننا جميع الصور والآراء، والواقع أننا عندما نجد شخصاً يحلو له أن يفعل ذلك نقول أنه خيالي.
كذلك يتراءى لنا في بعض الأحيان عندما نستلقي على مقعد، ونطلق العنان لخيالنا، أن سلسلة من الآراء الغريبة المشوشة تمر في أذهاننا دون أي غرض أو اتجاه بالمرة، ولعل أكثرهم تمسكاً بالواقع يجدون ذلك يحدث لهم قبيل منامهم. وعندما يحدث ذلك فإن تخيلاتنا لا تكون عابرة كما قد تظنون، بل أن ما يحدث لنا يتوقف إلى حد كبير على عقولنا ذاتها، ومن الممكن أن نعرف الشيء الكثير عن أي شخص إذا جعلناه يطلق لخياله العنان ويتركه يسبح أين شاء وكيف أراد.
طرق التذكر.
علة الكثيرين من الناس ليست في أنهم لا يستطيعون أن ينسوا شيئاً وإنما لا يستطيعون أن يستخلصوا مما يمر بهم الشيء الهام من الأشياء الأخرى التي حدثت في نفس الوقت. وهناك أناس كثيرون تتعرض ذاكرتهم لهذه العلة فتعمل بهذه الطريقة حتى أن عقولهم لتبدو محشوة على الدوام بالتفاصيل التافهة ومن ثم نجدهم يتخبطون في تفكيرهم، ذلك لأن الذاكرة كالمخيلة شيء هام لما له من أثر في أي عمل يأتيه الانسان.
وهناك نوعان للمعرفة - معرفة الطريقة التي يحدث بها الشيء ومعرفة أن الشيء يحدث، فالمرء الذي يعرف الطريقة التي يحدث بها الشيء يكون قد استوعب موضوعه، ثم يحوله ويبسطه ولا ينسى الكثير منه، لأنه وضع ذلك الشيء في شكل يمكن أن يستخدمه ويستفيد منه فيبقى ماثلاً في ذهنه وقائماً وراء أي شيء يقوله أو يفعله. أما المرء الذي لا يعرف غير أن هذا الشيء يحدث، فمع أنه جمع كثيراً من الحقائق فإنه في الواقع لم يقرن المعرفة بالعمل الذي يطلب منه القيام به. ومن ثم نجد أن معرفته لا يمكن أن تصبح جزءاً منه بل تظل شيئاً تناوله ولكنه لم يهضمه.

