اعتذار
لصعوبة رؤيتها عن كثب، ولأنّي ضد مبدأ الأقفاص بشكل مطلق، ولأنّ العصافير كائنات تستحق التأمّل...
أثرت وضع طاولة مكتبي قرب إحدى النوافذ مباشرة، وبدأت باجتذابها بنثر بعض فتات
الخبز كل يوم على الحافة الخارجيّة للنافذة، ثمّ ومع ارتفاع درجات الحرارة مؤخّراً أضفت
لمائدتهم وعاء من الماء، لذا فهي تقترب كثيراً، حتّى أكاد ألمسها- لو أجرؤ- وتأكل
وتشرب بأمان واضح، حيث لم أعد أضطر إلى كتم أنفاسي كما كنت أفعل في الأيّام
الأولى، إذ تتوطّد صداقتنا كل يوم، وصار لي أن أدّعي أنّ أوزانها قد ازدادت قليلاً، وإن
زقزقتها قد علت واكتسبت موسيقى جديدة!
وحدث أن اكتشف ابن جيراننا الصغير هذه التظاهرة العصفورية قرب نافذتي، فضبطته ذات
يوم يعد العدّة لاصطياد بعضها، وطار صوابي، واحترت في الطريقة التي أمنعه بها من
اقتراف فعلته، ثمّ قرّرت أن أجرّب مبدأ الحوار، فدعوته إلى الداخل للحديث، ودخل متردّداً
وعينه ما تزال- إمعاناّ في إغاظتي- هناك... على العصافير!
وكانت جلسة طويلة، تحدّثنا فيها عن أشياء كثيرة، وأخذتني الحماسة أمام إصغائه،
فاستدرجته للتفكير في كل ما يتعلّق بالقوّة والضعف... وبالخير، وبالجمال، واستمع لي
باهتمام، ثمّ خرج مطرقاً! فودّعته بوقار... ثمّ عدت لأطلق صيحة فرح، وقفزت في مكاني
كالأطفال... كنت مزهوة بما أنجزت!
ولم أصادفه منذ ذلك اليوم، إلا مؤخراً، وكان يلعب بكرته، التي تصادف أن ارتطمت بجذع
شجرة هنا، فوجئت به يركض نحوها- نحو الشجرة- ويقترب منها ليلمسها بحنو عجيب
ويقول: آسف، أنا آسف، لم أقصد!
ولم أعرف أيّ لون من المشاعر اجتاحني، أهو الفرح، أم الإشفاق، أم الندم... وكدت أن
أدعوه مرّة أخرى، لأقول له بكل صيغ الاعتذار في العالم: أنا من يجب أن تأسف، لم أقصد
أن أزرع فيك هذا القدر من الحب فالحياة لا تحتمله، ولا تتّسع لكل هذه الرهافة
ياصغيري، ولا لهذا القدر من النقاء...
أي تعب ينتظرك حتى تتمكّن من التنازل عن براءتك الأولى هذه، وأي ضريبة يجب أن
تدفع حتى تغلّف وجدانك من جديد بقدر من التلبّد والبرود واللامبالاة، فتنخرط مع الجموع
متسلّحاً بهويّة الانسانيّة الحديثة! حيث ستتعلّم كيف أنّ الحزن يجب أن يكون بمقادير،
والحب كذلك، وسترى كيف سيرسم لك آخرون متى وكيف تحزن، ومتى ومن ولماذا
تحب، وسيتوجّب عليك أن تفقد القدرة على الدهشة، والقدرة على الرفض... والقدرة
على كل هذا الحب.
وقد تضطر بدافع ما يسمى بالترفع عن الصغائر، والتهذيب المقيت، للتخلّي عن بعض
حقوقك الصغيرة، لتصحو فجأة على فقدان حقوقك الأساسيّة!
وستمضي في حياتك مفتعلاً الابتسام، في حين تتوق للنحيب، وقد تتقن فن التنظير
في كل الأمور في حين تدرك جيّداً بأنّ الرؤيا متعذرة، والأجواء ضبابيّة غائمة، وشمس
الحقيقة خجلى متوارية خلف عقلك المتثائب ما بين الغيبوبة والأخرى!
وبعد يا صغيري، إنّ في هذا العالم من البلادة والبشاعة والقسوة، لو قدّر للعصافير أن
تشعر بها، لغادرتنا إلى غير رجعة!
من بريدي


تعليق