بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي معالي وزير العدل الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
استبشر المجتمع السعودي بالتعديلات الوزارية الأخيرة .. و بخاصة تعينكم وزيراً للعدل وتنافست الصحف في الحديث عنكم .. وليس ذلك إلا لما يُعرف عن معاليكم من الرؤى المستقبلية للقضاء والتخطيط الجيد وخلافه .. وبعد أن قرأتُ عدداً من الحوارات الصحفية التي أُجريت مع معاليكم تأكدّ لديّ أن هناك رجلاً لن تقف جهوده وطموحه حتى يجعل من القضاء السعودي إن شاء الله تعالى مفخرة لكل مواطن و مقيم .. و دستوراً نحرص على احترامه والتّشبّث به ..
سيدي الوزير أخاطبك أنت بالذات لأن ما سأذكره يختص بك من ناحيتين :
الأولى : أنّك وزير للعدل .
الثانية : أنّك ربّ عائلة .
سيدي الوزير..قال الله تعالى { إنّ الله لا يظلمُ الناس شيئاً ولكنّ الناس أنفُسهُم يظلمُون } سورة يونس آية 44 .
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّوجل أنّه قال ( يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) .. وهاتان الآيتان أصل من أصول الملة التي رسمها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.
وروى الإمام مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ لمسلم قال لمّا نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } اشتدّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ودخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الرُّكب فقالوا أي رسول الله ! كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية , ولا نُطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . فلمّا اقترأها القوم ذلّت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ...... } إلى آخر الآيات من سورة البقرة .
سيدي الوزير : في هذا الحديث اعتراض واضح وصريح من الصحابة رضي الله تعالى عنهم على توجيه قرآني نزل من الله تعالى وليس من النبي صلى الله عليه وسلم .. وما كانوا ليفعلوا ذلك إلا أنّهم شعروا أنّ ذلك الحكم شاقّ عليهم وهو من التوجيهات التي لا يُطاق العمل بموجبها وأنّ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجع ربّه فيه .. ولم يعاتبهم الله تعالى على صنيعهم .. بل لمّا رأى أنّهم فعلوا ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله قولوا سمعنا وأطعنا نسخ الله تلك الآية على الفور .. فكان لهم بذلك النسخ 1- انتصاراً لضعفهم وفاعلية لاحتجاجهم .. 2- وأنّ شريعة الله لا تطبّق بالقوّة وبالتضييق على الناس..3- والسماح للناس بإبداء رأيهم تجاه أوامر الدين 4- وأنّ أيّ حكم تكليفي أو غيره إذا ساغ فيه الاجتهاد وظهر فيه الاختلاف بين العلماء وبُني على أدلة صحيحة صريحة أو كانت مسائل بنيت على أدلة مجملة غير مبيّنة فليس من الأصول النبوية أن تجبر الناس على العمل بقول أحد أو بمذهب معيّن لا يأثم الإنسان بترك العمل به .
سيدي الوزير : اسمح لي أن أحكي لك قصة أسرة من الأسر السعودية.. وهي من واقعنا وفي مجتمعنا وليست فريدة من نوعها بل تتكرر في كل مكان وزمان ووالله لقد بكت منها العيون وتفطرّت لها القلوب .. ولا أخفيك سرّاً فاليأس قد ملك نفوسهم وأحسّوا بأن هناك من يسلُبُ حقوقهم وليس بأيديهم حيلة سوى البكاء واللجوء إلى الله فهو السبيل الوحيد الذي يلجأ إليه المنكوبون والمحرومون والمحزونون.. في شرق مدينة الرياض تعيش أُسرة مكوّنة من أب اسمه ( محمد 78 سنة ) وله ثمانية أولاد .. 6 بنات و2 من البنين ( أحمد 28 سنة وعادل 15سنة ) يسكنون في فيلا كبيرة .. أحمد الإبن الأكبر متزوج وله ثلاث بنات وله جناح خاص في الفيلا .. وكان شديد التعلّق بأبيه .. حتى أنّه ترك وظيفته في وزارة (...... ) نزولاً عند رغبته ليساعده في إدارة العقار ومعرض السيارات ولم يكن له راتب محدد إنّما كان يأخذ مما يعطيه والده . أصيبت ابنته الكبرى بمرض في الدماغ أدّى إلى إعاقتها عقلياً .. وكان لهذه الحادثة أثر واضح و كبير على أحمد وزوجه .
لم تكد عائلة أحمد تفيق من مصيبة ابنته الكبرى حتى قدر الله وفاة أحمد عقب ذلك بستة أشهر .. فكان المصاب جللاً وعظيماً على والده الذي كان يعتمد عليه في كل شيء .. وعلى زوجته وبناته الذين فقدوا بموته طيب العيش ونعيمه .. أياً كان قدر المصروف الشهري الذي يعطى لهم من الجد إلا أنّ تكاليف المعيشة أخذت تزداد سوءً يوماً بعد يوم .. وبخاصة البنت المعاقة التي تحتاج إلى عناية ورعاية ومصروف خاص بها.
وإذا علمنا أنّ زوجة أحمد لا تحصل على راتب تقاعدي لأنّ أحمد رحمه الله لم تكن له وظيفة حكومية تصوّرنا المأساة التي تعيشها .. انقضت بضع سنين والحال لم تتغيّر .. حتى فاجأهم نبأ مرض الجد .. وبعد أيام من الكشوفات والتحاليل اتضح أنّ مرض الجد خطير جداً وطلب منه الطبيب البقاء في المنزل والتفرغ والراحة المطلقة لأن صحته لا تحتمل ضغط العمل .. عادل شقيق أحمد رحمه الله هو الصبي الوحيد بعد أحمد.. وكان شاباً مراهقاً حين مرض والده .. فحلّ مكانه في إدارة أملاكه واستأثر بكل شيء .
لم يحفل الشاب المراهق بتوصيات والده ولا بمستقبله هو أو مستقبل أخواته وزوجة أخيه وبناته فأخذ ينفق المال يميناً وشمالاً .. ويعيث في الأرض .. تدهورت الحالة المادية لزوجة أحمد فالمصروف الشهري الذي كان يصل من الجد نهاية كل شهر أخذ في الانقطاع لفترات طويلة.. حصلت على راتب من الضمان الاجتماعي ومبلغ الضمان كما هو معلوم لا يفي بالحد الأدنى لتكاليف المعيشة .. توفي الجد ( محمد ) .. وكان هذا الخبر كفيلاً في تحطيم كل أملٍ حلمت به زوجة أحمد لبناتها لأنها كانت على يقين أنّ عمّ البنات عادل سوف ينحر مستقبل البنات ويقضي عليه .. وهاهو القدر من جديد يكتب بيده الشقاء ويحفر الألم في حياة تلك الأسرة وكأنّه يتحيّن الفرص ليضرب ضربته .. توقف المصروف بلا رجعة .. أبناء الميت يحصرون الإرث ومن الطبيعي أن يوقف البنك جميع ما يتعلق بأموال المتوفى .. تمت قسمة التركة وتوزيع الميراث .. ويعرف معاليكم أنّ البنات اليتيمات لا يرثن شيئاً فالقسمة كالتالي :
أصحاب الفروض
ابن
2
بنات
1
بنات ابن
يسقطن ولا يرثن شيئاً
2
بنات
1
بنات ابن
يسقطن ولا يرثن شيئاً
وسبب عدم حصول بنات أحمد رحمه الله على الميراث وجود الفرع الوارث الأعلى منهن وهو العم والعمات.
في هذه الحالة ما مصير البنات اليتيمات اللاتي حُرِمن من نصيب أبيهن ؟ أيعشن حياتهن بين الفقر والبؤس ؟ أم يتسوّلن ؟ أم يسمحن لأجسادهنّ بتلبية الرغبات ؟ ما هي رؤيتكم لمستقبل البنات يا سيدي الوزير ؟.
أتعرفون متى يحق للبنات الحصول على نصيب أبيهن من الميراث ؟ إذا كان معهن معصب أخٌ أو ابن عمٍّ في منزلتهن!! .. ففي هذه الحالة يأخذن نصيبهنّ .. وكأن الأمر بأيديهنّ !! الله سبحانه تعالى لم يرزقهن بأخ فهل نحرمهن من الميراث ونكون سباً في تعاستهن ونسحق مستقبلهنّ .
سيدي الوزير : بحثت في المسألة كثيراً ولم أجد دليلاً واحداً صحيحاً صريحاً من القرآن أو السنة في التوزيع السابق للميراث بالنسبة لبنات الابن .. وليس هناك دليل واحد يمنع بنات الابن من حقّهن في الميراث سوى كلام للعلماء وإجماع على فهمهم للنصوص .
وعندما نرى واقع علمائنا مع الإجماع نرى تناقضاً بيّناً .. فعلماء المملكة العربية السعودية هم امتداد لمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .. وهم يحتّجون بأقواله وأفعاله في جميع مسائل العلم .. وعندما نسبر اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية نجد أنّه كثيراً ما يخالف الإجماع وليس الجمهور فقط !!ففي مسألة المرأة الحائض إذا اضطرت للطواف نجد أنّ ابن تيمية رحمه الله يخالف القولين في المسألة قول المالكية والشافعية والحنابلة في أنّ طوافها لا يصح بحال وقول الحنفية ورواية عن أحمد أنّ الطهارة بالطواف واجبة وإذا طافت وجب عليها الدم .. فكان اختياره أن خالف القولين السابقين في أنّها إذا عجزت عن الطواف واضطرت له صحّ طوافها ولا تحتاج إلى دم .. ومسالة أخرى وهي طلاق الحائض فنجد أنّه قال بعدم وقوع الطلاق ومسائل كثيرة جداً في العقائد والفروع والأصول وغيرها.. فلماذا نقبل من ابن تيمية مخالفته للإجماع ثم نقف عاجزين عن تحقيق مصلحة مؤكدة وليست راجحة اعتقاداً من أهل العلم أنّ المخالفة للإجماع أمر عظيم .
سيدي الوزير : النبي صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة جاءته أمّ هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها فوجدته يغتسل فسلّمت عليه فقال من هذه فقالت أنا أمّ هانئ بنت أبي طالب فقال مرحباً بأمّ هانئ فقالت يا رسول الله زعم ابن أمّي علي ( بن أبي طالب ) أنّه قاتلاً رجلاً أجرْتُه فلان بن هبيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرْنا من أجرْتِ يا أمّ هانئ ..رواه البخاري ومسلم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما قام بدعم أمّ هانئ وعزز فعلها ..و لم يكن ذلك لأنها ابنة عمه أو غير ذلك بل ليعطي درساً لأخيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجهين 1- أنّ المرأة لها حق في الاستجارة كما هو للرجل 2- أنّ هذه الأمور يفصل فيها الحاكم وليس فرد من الشعب.
وروى مسلم في صحيحة عن حفصة عن أم عطية رضي الله عنها قالت لما نزلت هذه الآية { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف } قالت أمّ عطية كان منه النياحة .. فقالت أمّ عطية يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني ( أي أعانوني عندما طلبت منهم العون في النياحة ) في الجاهلية فلا بُدّ لي من أن أسعدهم .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا آل فلان .
تقول أمّ عطية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حرّم النياحة ( وهي رفع الصوت عند البكاء على الميت ) إلا عائلة فلان فإنهم قد ناحوا عندما طلبت منهم ذلك في الجاهلية فلا بد من أن تسمح لي أن أنوح في بيت تلك العائلة فاستثنى النبي صلى الله عليه وسلم تلك العائلة بعد تحريمٍ لأجل أن يُعين المرأة على أداء حق لأناس وإن كان محرماً .
وكذلك الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت سهلة بنت سُهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنّ سالماً مولى أبي حذيفة معنا في البيت وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال وإنّي أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من دخول سالمٍ شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة .
النبي صلى الله عليه وسلم يصنع الحل للصحابية سهلة رضي الله عنها وهو أمر قد يحدث أزمة في المجتمع وخاصة من جهة اليهود والمنافقين المتربصين لأدنى هفوة أو غلطة يرتكبها النبي صلى الله عليه وسلم.. وكان الأمر بالنسبة لسهلة عظيم وخطير إمّا فقد سالم أو تصنع شيئا قد يكون حديث النساء في المدينة.. ولكنها مع ذلك كانت عند ثقة من أعطاها الحل ومنحها الثقة .
واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة بارز في سيرته .. وكان مثالاً رائعاً لتحقيق ما قاله لأحد أصحابه أحرّج عليكم حق الضعيفين المرأة والمسكين وقوله وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم .
وهكذا ترى سيدي الوزير أنّ باستطاعتكم أن تضعوا الحلول لكل يتيمة تحرم من ميراث أبيها بغير وجه حق .
نسأل الله لكم السداد والتوفيق والله أعلم .





تعليق