دبلوماسي هولندي عايش الملك المؤسس يكتب عن شخصيته وسياسته في بناء الدولة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • رضا عون
    عضو
    • Jul 2010
    • 41

    #1

    دبلوماسي هولندي عايش الملك المؤسس يكتب عن شخصيته وسياسته في بناء الدولة


    رسم قبل 6 عقود صورة عن السعودية ومؤسسها واستشرف مستقبل البلاد * الملك عبد العزيز يفتح أبواب الجزيرة نحو العالم متصلا بالإسلام العالمي * تعامل مع البريطانيين سياسيا ومع الأميركيين اقتصاديا
    الملك المؤسس وولي عهده الأمير سعودقصر الملك عبد العزيز الذي بني بالإسمنت المسلح يكسر بساطة قصر المربع المتميز بفن العمارة الطينيةصورة التقطت من الظهران، مدينة النفط الجديدة، لـ«أرامكو»، ويبدو فيها كيف كان يعيش الأميركيشارع في جدة، وتبدو فيه العمارة العربية الجميلة التي أخذت تتوارى
    الرياض: بدر الخريف
    يعد كتاب الدكتور فان در مولين، الوزير المفوض لهولندا في السعودية، عن الملك عبد العزيز وجهوده المحلية والعربية والإسلامية العالمية في فترات توحيد الدولة وما بعدها واحدا من الكتب المهمة، حيث عايش المؤلف الملك المؤسس وأتيحت له فرصة مقابلته، كما أن الفترة الطويلة التي قضاها في السعودية جعلته يضع سيرة للملك، تناول فيها شخصيته وسياسته المتزنة، ودوره في بناء الدولة السعودية الحديثة، وجهوده في بسط الأمن ووحدة الصف وتطوير البلاد، وجعلها تتكيف مع الوسائل الحديثة، دون الإخلال بمبادئها أو منهجها، كما تناول الدبلوماسي الهولندي مواقف الملك عبد العزيز تجاه الكثير من القضايا على الساحات العربية والإسلامية والعالمية، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي استأثرت باهتمام وعناية الملك. واستشرف مؤلف الكتاب مستقبل البلاد التي وصفها بأنها بلد الدين والزيت، بعد أن اقترب الملك المؤسس من نهايته، وبعد أن رسم المؤلف صورة لرجل كبير ولتاريخ الجزيرة العربية.
    يشدد المؤلف على أن هذا الكتاب ليس إطراء لبطل، بل هو محاولة لرسم صورة لرجل كبير ولتاريخ جزيرة العرب، وتاريخ الإسلام فيها، في ضوء منجزات هذا الرجل. لقد أسس ابن سعود مملكته البدوية في جزيرة العرب ببطولة تستوحي رومانسيتها من هذا البلد الصحراوي القديم، واستخدام إمكانيات محدودة غير متأثرة بالتقدم الحضاري في معارك التحرير، وإن كانت مستثمرة بصورة عبقرية في معارك التوحيد، لكنه بعد ذلك يبعد الحواجز المانعة عن معرفة ما لدى العالم المعاصر.
    ويضيف المؤلف: «ويختم ابن سعود حقيقة تاريخية تنتهي معه، فلقد حصل على فرصته الأخيرة بأن أدرك الواقع في شيخوخته، حيث دخلت قوة النفط المحركات الحديثة بسرعة، وبدأ إشعاع التطور الحديث يدخل أجزاء الجزيرة، ولن يتوقف عند حدود دولة ابن سعود، وسيعبر الصحارى البعيدة، وتبدأ جزيرة العرب في الانسحاب من العربي القديم بمجده وجماله وفقره وشهامته وخوفه.. لننتظر قدوم جزيرة عرب جديدة»..
    ويوضح المؤلف في تقديمه الكتاب أن جزيرة العرب دخلت مرحلة جديدة من تاريخها الطويل؛ فبعد أن ظلت بلا تقدم خلال عدة قرون، بدت فعلا جزيرة يحيطها عالم هائج، بينما هي لم تأخذ بعد بالتغيرات السريعة التي حدثت في العالم من حولها، ولا تريد أن تكون جزءا منه، وقد حمتها طبيعتها الجغرافية بحواجز كثيرة ضد دخول الأجانب، كما كان لسكانها مقاومة روحية ضد كل جديد وغير عربي، نتيجة لانعزال نظامهم القبلي وتمسكهم الواثق والفخور بدينهم، فاعتبروا أنفسهم، بوصفهم عربا ومسلمين، شعبا قدر له الله أن يكون جارا لبيته في مكة، واستحقوا بركاته باتباع الدعوة إلى الصراط المستقيم، وبذلك أعطوا هذا المعنى للعالم، وما زالوا يعطون هذا المعنى من جديد».
    وبسبب الصخور البحرية أمام سواحل الجزيرة العربية، وصحاريها وحرارتها وفقرها، نشأت منعزلة عن العالم، وعن تطورات الأحداث الجادة المهمة، وكان هذا البلد غير معروف، ومغلقا أمام الغربي وغير المسلم من الشرق، وكان آخر البلدان التي لم تكتشف بعد.
    حافظت جزيرة العرب على انعزالها الصارم، وحملت فقرها المادي في وعي ثروتها الروحية، ولم ترغب في أي شيء من خارجها، بل كان في استطاعتها تقديم شيء إلى هذا العالم الضال، وكانت الجزيرة صاحبة وحي الله الأخير والكامل، الذي أنزله الله بلسان العرب، وجعله مرتبطا بالوطن العربي إلى الأبد، فأصبحت هذه البلاد مكان الحج للمؤمنين، وبلد الخير، وألزم كل مسلم بالتوجه إليها أينما كان مكانه في العالم.
    وعلى الرغم من ذلك، تعرف العالم تدريجيا على جزيرة العرب غير المعروفة، والفخورة والأبية، وهي لم تفتح أبوابها، ولكن بعض الناس دخلوها وبدأوا بكشف مواقع التاريخ، وبذلك عملوا على فتح الجزيرة للخارج، ولكن عملية الفتح الفعلي كانت مطلوبة أيضا من الجزيرة نفسها، واحتاج الشعب إلى رئيس يكسب ثقته، إلى رجل يحرره من فرقته وحروبه، رجل ذي شجاعة لكسر الحواجز المانعة من الاتصال بالخارج، وكان من المفروض أن يتطور هذا الرجل من رئيس بدوي ذي عادات بالية، إلى رئيس للمسلمين، تعتبر كلمته مهمة في العالم الإسلامي، وله مكانته بين رؤساء العالم.
    حصلت جزيرة العرب على رئيسها لعصر جديد، وكان يحلم هو وشعبه بنهضة دينية داخل الوطن العربي تعيد المجد القديم والازدهار تلقائيا، ولكن الوضع لم يكن على ما يشتهي ويأمل.
    إن الرجل الذي نتناول سيرته في هذه الكتاب إنسان كبير، ولد رئيسا بدويا، ولم تكن الرئاسة هدفه، ولكنه لفت نظر كثير من الناس، في كل العالم، إليه وإلى وطنه وإلى دينه، كيف يمكن تفسير ذلك، هل وجدت سمة استثنائية في العوامل الثلاثة: القائد ووطنه ودينه، إلى درجة أنها لفتت نظر العالم الذي كان منهمكا في همومه اللانهائية، ومحتكا بضوضاء متشائمة إلى ما حدث في جزيرة العرب؟ نعم. بدا أن ابن سعود رجل لا يولد مثيله إلا مرة واحدة فقط خلال عدة قرون، فهو من كبار الشخصيات، نظرا لما أنجزه في جزيرة العرب، حيث بنى بها مملكته الكبيرة (المملكة العربية السعودية). كذلك حقق بها إنجازه، بصفته رئيسا دينيا لشعبه على ضوء ما خطه أعظم العرب، رسول مكة، تحت دعوة الإصلاح، والعودة إلى مصدر الحقيقة والهدى الذي نشأ قبل 1300 عام في هذا البلد، كانت هذه السمة عاملا جديدا في عالمنا القديم، كان هذا التطور غير متوقع حتى في جزيرة العرب، وعادة تظهر الشخصيات الكبيرة في تاريخ العالم متى ما تغير هذا التاريخ أو بدأت فترة جديدة.
    رجل كبير وبدوي يستحق الزعامة
    * وفي مقابلة وصفها المؤلف بأنها كانت أكثر من استقبال رسمي، اختصر الدكتور فان در مولين، الوزير المفوض لهولندا في السعودية، انطباعاته عن هذا اللقاء، الذي تم في أول مارس (آذار) من عام 1926 مع الملك عبد العزيز عندما زار الملك جدة للمرة الثانية، وأتيحت للمندوبين الأجانب، الذين لم يحضروا دخول الملك الرسمي لمكة الفرصة لمقابلته، بقوله: تعامل في جدة مع مندوبي الدول الغربية والشرقية التي اهتمت بظروف الحجاز، نظرا لقيام مواطنيها المسلمين بالحج، وتابعت هذه الدول تجربة الدولة السعودية في المدن المقدسة بانتباه كبير، انتهت التجربة الأولى تحت ضربات الحملة العسكرية المصرية، بقيادة إبراهيم باشا، عام 1812، وكان السؤال المهم: هل ستستقر السيطرة السعودية على البلاد المقدسة؟
    ويتوقف كثير من ذلك على زعيم الدولة السعودية؛ فمن كان ذلك البدوي من نجد الذي عرفناه خلفا لمحمد بن سعود، الرجل الذي سمعنا كثيرا عنه، وكنت متوترا في مقابلتنا الأولى له، التي سوف تتبعها مقابلات كثيرة موزعة على فترة تستمر 18 عاما.
    زار الملك جدة للمرة الثانية أول مارس 1926، وحضرت باخرة باسم الحكومة البريطانية تشريفا لتوليه الملك على الجزء الجديد من دولته، وأتيحت للمندوبين الأجانب، الذين لم يحضروا دخول الملك الرسمي لمكة، الفرصة لمقابلته، وذهبت بوصفي مبعوثا هولنديا قادما مع زميلي السابق إلى المنزل الجميل لصديقنا محمد نصيف، حيث أقام ابن سعود بسبب عدم توفر قصر له، رأينا جلالته في المجلس الرئيسي، حيث أدخلنا سكرتيره للشؤون الخارجية، العراقي عبد الله الدملوجي، وكان الملك يتحدث مع حافظ وهبة، مستشاره المصري، الذي أصبح ممثله في لندن منذ عدة سنوات، تم تقديمنا إلى الملك ابن سعود مع تزكية ومجاملة بسبب معرفة المندوبين الهولنديين باللغة العربية.
    قام من مقعده بجوار حائط المجلس، ونظر إلينا مبتسما، ودعانا إلى الجلوس، كل منا على جانب له، وأشار إلى مستشاريه أن اخرجوا من الصالة، وهناك بقينا وحدنا معه في المجلس الواسع والمرتفع، كان الملك يجلس مرتفعا عنا، وينظر إلينا بنظراته الجميلة، وبصوته الدافئ، وبحركة فمه إذا تكلم برفق، ولو كان تعلمي للعربية أفضل لاستطعت التمتع بجمله الجميلة الواضحة، وبحركات يديه، قال ابن سعود إنه خصص مدة كافية للمندوبين الهولنديين لإيضاح بعض الأمور المهمة، بحيث نتمكن من تبليغ حكومتنا بها.
    «كذلك حكومتكم وشعبكم يعتقدون بأنني رجل قاس وخشن، إن حكايات تصرفاتي قد سبقتني بلا شك، زودكم أعدائي بمثل تلك الأخبار، تستحق ملكتكم أن تعرف الحقيقة عني، فعلا ضربت بشدة وعاقبت بقسوة، تغلبت على خصم سيئ بعون الله، سوف يعرف هذا البلد الأمان والاستقرار والعدل، عاقبت اللصوص والمذنبين بشدة، وليست هذه العقوبات قاسية، ولكنها رحيمة، إن شاء الله ليس من الضروري أن أعاقب لفترة طويلة لا هنا ولا في مكان آخر في مملكتي المديدة، قد سمع الناس في كل مكان عن عقوبتي لبني مالك، فهو عقاب للقبيلة كلها.. للسرقة المرتكبة في منطقتها، تعاقبون خفيفا وتحبسون المذنبين في مبان جميلة بعناية طيبة، هذا التصرف قاس، حيث إنكم مضطرون إلى مواصلة العقاب سنة بعد سنة، أعرف البدو وأعرف معالجتهم، هل هذا البلد ليس آمنا، هل تسرق فيها حتى الحاجة البسيطة؟
    والله الناس هنا يعرفونني منذ مدة قصيرة فقط، ولكن أؤكد لكم أنه لن ترتكب سرقة ولا جريمة هنا في خلال الوقت القريب.
    حدثوكم عن تعصب الوهابيين، يهمني أن تعرفوا الحقيقة عن إيماني وإيمان إخواني، أشهد بأن الله يستخدمني أداة في يده، ما دمت صالحا للاستخدام سوف يعطيني النجاح، ولا توجد قوة لتفادي النجاح، إذا أصبحت غير صالح للاستخدام فيرميني، ونقول الحمد لله».
    يقطع جمله الطويلة وأفكاره الجدية بـ«نعم» أو «أنتم معي»؟ يصبح مضمون كلامه جديا أكثر فأكثر، ولكنه يبتسم عندما ينطق «نعم» برفق عفيف، يتكون الجزء الأخير لمحادثته الطويلة من جمل تبدأ بـ«أشهد أن» الخاصة به، كان يريد أن يوضح لنا أن كل ما يفعله يرجع إلى إيمانه، فليس هو المتعصب الذي تعرفنا عليه من الحكايات التي جاءت إلينا من نجد، ولكنه ابن سعود الذي ينظر خلف حدود بلده الصحراوي، الذي اتصل بالإسلام العالمي، ويدرك أنه سوف يستطيع أن يحكم أراضي الإسلام المقدسة، ويظن أنه قادر على ذلك، ويحتاج إلى التعبير عن أفكاره تجاه نفسه وتجاه الآخرين، كنا معجبين بجديته وحماسه، حتى ولو كان من الصعب علينا متابعة كلماته، وحيث إننا نملك إيماننا الذي يقترب من إيمانه، وفي الوقت نفسه يختلف عنه كثيرا، شعرنا بالتعاطف خلال هذه المقابلة مع إنسان يتكلم عن إيمانه كأغلى ثروة له، ويقدمه إلى الآخرين.
    كانت هذه المقابلة أكثر من استقبال رسمي، وسمح لنا بالدخول في غرفة رجل كبير، لا يخاف من رأي الأجنبي الناقد الذي يفكر في الأمور بصورة مختلفة تماما، وتوقفنا بعد هذه المقابلة متحيرين أمام منزل محمد نصيف، ونظر بعضنا إلى بعض معترفين بأننا قابلنا رجلا كبيرا، واستفدنا من المقابلة، ونستطيع أن نتوقع كثيرا من هذا الملك البدوي لصالح الأراضي الإسلامية المقدسة، التي كانت تحت سيطرة سيئة لعدة قرون، وكذلك لصالح الحجاج الذين عانوا من تلك السيطرة السيئة، ومن المحتمل لعالم الإسلام كله الذي يأمل في منقذ حينئذ، وبالتأكيد لم يتوقعه من أخلاف السعوديين القادمين من نجد.
    وفي آخر حياة الملك المؤسس، حيث كان يعاني من المرض والتعب، يصف المؤلف مقابلته مع الملك عبد العزيز بقوله: أتيحت لنا الفرصة أن نلتقي به مرة أخرى في الجزء القديم من قصره المربع، الذي بناه ليكون حصنا داخل الحوائط الطينية، له أكثر من 20 برجا للدفاع، يبعد بعض الكيلومترات عن الرياض، وبعد بضع سنوات أقنعه وزيره للشؤون المالية وأبناؤه بإنشاء قصر سكني حديث، مزود بمصاعد ومرافق غريبة أخرى، لكنه لا يزال يحكم في البيئة القديمة، وبالأسلوب القديم، وهناك السكرتير الذي قابلناه منذ سبع سنوات في هذا المكان، المستشار للشؤون الخارجية لم يتغير، ورجال الحراسة من نبلاء شعبه البدوي، وقد انخفض عدد السود الذين كانوا عبيدا للملك، يمكن أن نقول إن الحراس البدو كانوا ينظرون نظرة استهجان إلى الأجانب الذين سوف يشدون انتباه ملكهم، جلسوا كلهم القرفصاء يحملون الجراب المزين بالذهب والفضة، وفيه السيف الذي استخدم شعارا للدولة، ووقف عند مدخل صالة الاستقبالات بعض الضباط الذين يسلمون علينا بالطريقة العسكرية، ووقف بعض الشيوخ البدو هناك أيضا، ولكنهم لو سلموا علينا لسلموا بالطريقة الشرقية، وهم يكوِّنون الخلفية التقليدية للأماكن الخاصة باستقبالات الملك، مرتدين عباءاتهم البنية الجميلة ذات الحواشي الرقيقة المزينة بالخيوط الذهبية، وكان الملك يجلس على الجانب البعيد للصالة، ولم يقم الملك عندما اقتربنا منه ليسلم علينا، كما تعود أن يفعل، وينهض معه كل البدو الحاضرين، إذ بقي الملك جالسا، وهم جالسون أيضا، إن الملك عبد العزيز بن سعود، المهيب القوي البنية، يجلس الآن في عربة متحركة قدمها له الرئيس روزفلت.

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...