شك أن المتتبع لمشروع الدكتور المسيري منذ اوائل السبعينات يدرك مدى جدية مشروع هذا الرجل الانسان قبل كل شيء والمفكر الاسلامي العالمي الذي يسعى بعيداً عن التحيز والاحتكار إلى تأسيس حداثة اسلامية انسانية جديدة تتسم مع طبيعة الناس بشتى مشاربهم واصقاعهم وجنسياتهم لا تحط من شأن أي جنس ولا تزدري من قدره لا لشيء إلا لانه لا ينتمي الى هذه الديانة اوذلك الجنس وما الى ذلك كما هو شأن الحداثة الغربية اوالنظام العالمي الجديد بل تفتح المجال للحوار والحوار البناء الهادف المنطلق من مسلمات ومعايير انسانية لا حوار اقصاء او صدامي او صراع ثقافات اوايديويولوجيات أو حضارات كما نرى ونشهد بأم اعيننا المهازل والمسرحيات التي تقام هنا وهناك تحت شعار حوار الحضارات والكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل مع الشعوب وازدرائها والنظراليها بالدونية والاحتقار بل والأدهى والأمرما يطلقه بعضهم على هذا الحواربصراع الحضارات ليجسد لك عمق الحقد والكراهية والضرب تحت الحزام وحبك المؤامرات خلف الكواليس لكل ما يمت بصلة الى غير هذه الحضارة المهيمنة حضارة العالم الجديد لاسيما الحضارة العربية والاسلامية لما تمتلكه من قيم ومنظومات فكرية ومرجعية تحفظ لها تماسكها وترابطها..ويعد الدكتور المسيري من أبرز المفكرين الذين قدموا مشروعاً معرفياً شبه متكامل يربط بين الفكر والواقع يسعى في خضمه إلى تأسيس حداثة انسانية تستلهم المبادئ الاسلامية والعربية وليست الغربية وتأتي اهمية المسيري انه على عكس الكثيرين قدم مشروعه المعرفي بدءاً من البدايات ورغبته في تأصيل ظاهرة الصهيونية ما قاده الى دراسة المجتمع الغربي والحداثة الغربية والعلمانية الأمر الذي ادى به الى انتقاد واظهار الكثير من الجوانب الخافية للمشروع المعرفي الغربي الذي يتم التغاضي عنها من قبل الغربيين انفسهم الأمر الذي دعاه إلى تأسيس مشروع معرفي متكامل ينتقل من النقد الى النقض ومن التفكيك الى البناء ومن موقف الناقد الى موقف المنظر فوضع أسس التفسيرية والنماذج التحليلية كوسيلة للتحليل والنموذج كأداة معرفية.
أولاً: مفهوما العلمانية والعولمة:
قبل أن نناقش مفهوم العولمة لابد ان نشير إلى رأي يتفرد به المسيري في تعريفه للعلمانية الاطار الممهد لفلسفة الحداثة وما بعدها، فلسفة العولمة النظام ال*******ي العالمي الجديد ذي النظرة والتوجه الأحادي المقصي لتوجهات الآخر يتجلى ذلك في تسييسه سياسات الدول والتحكم والهيمنة بمواردها وخيراتها عبر ما يفرضه عليها من سيطرة عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومحاربة الارهاب وفرض الوصاية على دول العالم بحجة افشاء السلام ونشر الديمقراطية والتلاعب بالأوراق والازدواجية في التعامل والكيل بمكيالين ازاء ما يخدم مصالحها ويبسط لها الهيمنة على مقدرات الشعوب وانظمتها السياسية والاقتصادية عبر سياسات تجويع الشعوب وبسط القروض وما الى ذلك ليتسنى لها من خلاله التحكم في التعليم بوضع المناهج الموافقة لمصالحهم والذي بدوره ينشئ اجيالاً جاهلة تجهل تاريخ حضارتها وسيرة عظمائها واعلامها الافذاذ اجيالاً لا تفقه الا ثقافة المسلسلات والقعود أمام شاشات الفضائيات الساعات الطوال وعلى مقاهي الانترنت للدردشات والمعاكسات ومتابعة المباريات واخبار اللاعبين فماذا نتوقع من جيل هذا شانه؟!وكيف نعول عليه ونشيد به آمال المستقبل وهو لايملك من ذلك الآخر سوى تقمصه لملابسه وحلاقته وتتبعه لخطاه وانحلاله الاخلاقي؟! كيف له ذلك وهو لايتقن حرفة ولايملك أية شخصية ابداعية في اي مجال من مجالات العلوم؟! كيف له ذلك وهو مازال مستهلكاً لكل ما يأتي من هنا وهناك؟!!
ويشير د. المسيري إلى ان العلمانية يمكن النظر اليها من زاويتين:الاولى يسميهاعلمانية جزئية أما الأخرى، فيطلق عليهاعلمانية شاملة فالاولى يعرفها بالتعريف المشهور المتمثل في فصل الدين عن الدولة اما الثانية وهو المفهوم الأوسع والأخطر الذي يختزل ويمهد لفلسفة الحداثة الغربية وما بعدها بشكل عام وما تتضمنه الخلفية المعرفية للمفهوم ال*******ي الجديد العولمة حيث يعرفها بأنها تسعى الى القداسة اوالغاء الدين والقدسية عن العالم اما العلمانية الجزئية بوصفها فصلاً للدين عن الدولة اوعن القوانين فيراها المسيري قدراً لامناص منه لكي تستقيم الحياة فثمة ما تقتضيه الحياة الدنيا لا يتعارض مع الدين ولكنه لا يتصل بالضرورة به او يستمد منه لكن ذلك لا يعني ان المسيري يؤيد اوينتهج منهج العلمانية على العكس من ذلك فهو من الأشد المناوئين لها يتجلى ذلك في موقفه من مشروع النهضة وحركات الاصلاح في الوطن العربي ليس في جانبها الايجابي الداعي الى استلهام التراث ومواكبة الغرب ولكن في جانبها السلمي ممثلة في ذلك التيار الذي ما تزال توجد منه جيوب تدافع عن الحداثة الغربية الليبرالية- العلمانية وهؤلاء كما يرى المسيري تابعون للحكومات ويرون انه لامخرج لنا إلا أن نلحق بالغرب ولعل ما يؤكد رأيه في تعريفه للعلمانية الشاملة ودراسته اياها الدراسة المتعمقة رؤيته في أن ظهور الاصوليات والصحوة الدينية في الغرب ما هو إلارد فعل على الحداثة والعلمانية لأن العلمانية لم تجب عن الاسئلة الكبرى: لماذا نحن هنا؟.. مسألة الحب والزواج والاولاد كذلك هناك أحاسيس لا يشعر بها الغرب ويضيف المسيري إلى انه بسبب نزع القداسة عن العالم بأسره اصبح من الصعب على الغرب أن يدركوا أن الحداثة لن تزودهم بأية اجابة عن الاسئلة الكبرى الحقيقية وهو ما دفعهم الى ما يعرفونه وهو المسيحية لكن ما حدث انهم عادوا الى مسيحيتهم التي تم علمنتها الى حد ما فالاصولية تطالب بالعودة إلى الأخلاق وهذا جيد لكن يتم توظيف العودة بشكل سياسي ويستشهد بتوظيف الاطار الصهيوني وعودة اليهود والخلاص وهي مسألة يتوقع المسيري عدم استمرارها طويلاً ولعل ما يؤكد وجهة نظرته الاسلامية اكثر كتابه المبكر الصادر في مطلع السبعينات وبالتحديد في عام 1972م عن نهاية التاريخ قبل اطروحة فوكوياما المشهورة حول نهاية التاريخ التي يتعارض فيها مع رؤية فوكوياما المتمثلة في ان التاريخ وصل الى نهايته مع الليبرالية والتي يرفضها (د. المسيري) رفضاً قاطعاً لانها رؤية تتناقض مع عقيدته الاسلامية وشريعة ربه السماوية وهو ما دفع الفيلسوف الفرنسي (روجيه جارودي) في كتابه العولمة المزعومة في الرد على فوكوياما وهنتنجتون بطريقة علمية مدعومة بالاستشهادات والاحصائيات التي استقاها الكاتب من مصادر متنوعة وموثوقة لدى الغربيين رغم انها تصب في خانة كشف وادانة الحضارة الغربية ونمط التنمية الراسمالية وقوانين السوق والنظام العالمي الجديد الذي استقرعلى تسميته ب العولمة بما فيها من هيمنة الاقوياء على العالم ضمن علاقات تبادل لامتكافئة مدعومة بمنطق القوة والبطش وأمركة الثقافة والحياة عامة.
ولقد أشار الناقد الامريكي (جيمسون) الى الرأسمالية بوصفها اول ثقافة عالمية حقيقية لم تتخل يوماً عن مسعاها الى امتصاص كل غريب عنها وما يزال هذا المفهوم متسيداً لدلالات العولمة وان نافس الاقتصاد في مجال آخر هو الاتصالات التي اسهمت بقدر وافر في العولمة سواءً بكونها وسيلة حيوية لعولمة الانظمة الاقتصادية او من خلال ربط العالم في شبكة وثيقة من الاتصالات جعلت العالم يتعولم مرة أخرى ولكن هذه المرة من خلال المعلومات والأخبار هذان الجانبان تركا اثراً بالغاً على الثقافات الانسانية في عصرنا الحالي فأمكن الحديث عن (عولمة ثقافية) ايضاً.
ثانياً: مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة:
لعل المتتبع لنشأة الحداثة وفلسفتها لدى الغرب يدرك ارتباطها الوثيق بالعولمة ولذلك فإن ما تتبعه(تيمونز ايمي هايت)في كتابه من الحداثة الى العولمة» المكون من جزئين والمترجم بترجمة (سمر الشيشكلي) الصادر مؤخراً عام 2000م يثبت عميق الصلة بينهما وقد رأى محررا الكتاب أن منظري الحداثة وما بعدها يرون أنها سلسة متتابعة من التغيرات الاجتماعية والنفسية الاقتصادية والثقافية والسياسية والبيولوجية ويتضمن التحديث تبييناً لطرق جديدة للحياة المادية وهو أيضاً يغير نظامنا التعليمي ومعظم قيمنا واتجاهاتنا الأساسية ولذلك أصبح موضوع صدام الحضارات وصراع الثقافات أو حوارها موضوعات راهنة منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية صدام الحضارات أيديولوجية لها ورسمت بموجبها الصراعات القادمة في القرن الواحد والعشرين. فصدام الحضارات هو التعبير الأيديولوجي الجديد للعولمة التي تسعى لإعادة تكوين جغرافية العالم وتقسيمه على أسس أخرى لم تعلن عن تفاصيلها بعد.. هذه الرؤية التي نستطيع أن نستشفها لدى (المسيري) والتي حاول أن يؤطر لها في معظم كتابته حيث يرى الميسري علاقة الحداثة الغربية الوطيدة بظهور الإبادة الجماعية كحل نهائي لمشكلاتها المتفاقمة وكأداة ممكنة لبناء الفردوس الأرضي الذي يتمثل في الوصول إلى أقصى درجات التقدم المادي العلماني المنفصل عن القيمة الإنسانية والمرجعية الأخلاقية.. ويرى المسيري أن مشروع الحداثة الغربية يضرب بجذوره في القرن السابع عشر وما تحقق من إنجازات ثقافية واقتصادية واجتماعية في القرن التاسع عشر في الطرف الشمالي الغربي من أوربا وهو يرى أن الحداثة الغربية بدأت كمشروع ثقافي في عصر الاستنارة ذلك المشروع الذي كان يهدف إلى إلغاء الإله أو تهميشه والتمركز حول الإنسان باعتباره سيد الكون القادر على تأسيس جنة الخلد على الأرض دون الاستعانة بأية قوى غيبية مفارقة واصبح العقل والعلم والتكنولوجيا أهم الآليات الحاكمة في إحداث عمليات التحديث والتطوير الصناعي في ظل النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي فيما بعد وهو ما دفعه إلى تطوير منظومة جديدة من المفاهيم حتى يستطيع تتبع تطور النموذج المادي في المنظومة الغربية لكنه لم يلجأ إلى السرد التاريخي المعلوماتي للأحداث إنما تعامل مع الحداثة الغربية باعتبارها متتابعة تبدأ بما يطلق عليه العقلانية المادية الصلبة القديمة وتنتهي بما يسمية اللا عقلانية المادية السائلة الجديدة.
ويعرف المسيري الحداثة في أبسط تعريف لها بأنها استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة. إلا أنها رغم ماديتها الصارمة قد نجحت في تأسيس نظم معرفية وأخلاقية (تستند إلى نقطة الثبات مثل العقل والطبيعة البشرية والقوانين العلمية).
لكن هذا لا يروق للميسري الأمر الذي دعاه إلى أن يستجمع طاقاته النقدية من أجل تفكيك هذه الرؤية للمادة الصلبة التي تمزق الحبل الأنطولوج الذي يربط الإنسان بالإله.
ومن تلك الانتقادات والمآخذ التي يوردها المسيري على هذه الرؤية المادية العقلانية تحول الإنسان الرباني كما يسميه المسيري إلى الإنسان الآلي أو من منظوره (الإنسان الاقتصادي) و (الإنسان الجسماني)أي أن المادية العقلانية الصلبة التي كانت تحتفي بالإنسان والطبيعة كانت تحوي بداخلها إمكانية المادية اللا عقلانية السائلة التي لا تعترف بأي مركز وتؤمن بأن الإنسان ليس أمامة إلا أن يقبل وضعه باعتباره كائناً زمنياً مكانياً محدوداً بحدود الزمان والمكان خاضعاً لحتميات الطبيعة وأن يكف عن الثرثرة عن التجاوز والقيم والقانون والسببية وهذا الخضوع لا يعني أي شيء سوى وجود حالة دائمة من السيولة التي تقضي على كافة أشكال الصلابة والسببية والتي تلغي كافة الحدود والثوابت والكليات.
ويخلص (د. المسيري) إلى أن انفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة الإنسانية والمرجعية الأخلاقية حول العالم إلى حلبة صراع للجميع ضد الجيمع وأن السبب الرئيس في تحول الحداثة الغربية إلى منظومة امبريالية دارونيةهو الذي دفع جيوش أوربا للخروج إلى جميع انحاء العالم وهي تحمل أسلحة الفتك والبطش والأبادة حتى تحول العالم بأسره إلى مادة استعمالية يتم توظيفها لصالح الإنسان الغربي السوبر مان المطلق وبناء الفردوس الأرضي الأوروبي ومن ثم لم يتعامل الانسان الغربي مع شعوب آسيا وأفريقيا باعتبارها شعوباً لها تاريخ إنساني وحضاري وثقافي ولكن باعتبارها مخلوقات دون البشر تعيش في فراغ جغرافي أوفي مكان بلا زمان أو جغرافيا بلا تاريخ لكن ذلك لا يعني ان المسيري يرفض الحداثة الغربية جملة وتفصيلاً على العكس من ذلك فهو ينحاز للحداثة ويرفض مابعد الحداثة وما يرتبط بها من النتائج ويناقش أصولها ومصادرها ونتائجها مع إدانة لهذه المصادر والنتائج خاصة لدى نيتشه وفرويد ودريدا ويقترب من موقف مدرسة فرانكفورت خاصة لدى هابر ماس في تحليله للعقل الأدائي وتأكيده على العقل النقدي وتبنيه له وذلك تحليل للحضارة الغربية وإدانة ممارستها.
فهو لم يعد ينظر إلى تلك المصطلحات الأوربية الحديثة كالحداثة والتطور والتقدم باعتبارها نماذج مثالية مطلقة ينبغي على كافة الحضارات والمجتمعات احتذاءها وتكرارها بل إن مثل هذه المفاهيم تتضمن في جزء منه ما يعرف بالمشترك الإنساني العالمي كما تتضمن إيضاً جزءاً يعبرعن الخصوصية الحضارية لكل مجتمع. وبالتالي فهناك حداثات عديدة ممكنة لاحداثة واحدة أو لنقل أنماط عديدة للحداثة وطرق متباينة للتطور والتقدم.
إن ما يتبناه اتجاه المسيري الفكري وبحكم كونه إنجاراً معرفياً لم يكن مجرد موقف سياسي إيديولوجي معادٍ ومناهض للغرب برمته ولفكره على وجه التعميم بل كان نقداً - أكثر منه نقضاً - للأسس المعرفية التي قامت عليها منظومة القيم الأساسية لحضارة الغرب كما كان نقداً مسؤولاً ومستوعباً لكل ما هو إيجابي إنساني في مسار هذه التجربة القريبة من والمؤثرة فينا مع توجه صارم لهضم هذه القيم الإيجابية وإعادة صياغتها وتمثلها بحيث يصبح دمجها في منظومة قيمنا ورؤيتنا الكلية للوجود أمراً طبيعياً لامقحماً ولاهادماً للأسس التي تميز حضارتنا العربية والإسلامية.
ولذلك يؤكد المسيري أن الحداثة الغربية لم تحقق سيادة الإنسان التي ظلت تتشدق بها على مدار ثلاثة قرون إنما اختزلت المسافة بين الإنسان والطبيعة المادية وجعلته جزءاً منها حتى فقد مكانته ومركزيته فكانت الحداثة الغربية تأكيداً على مركزية أوربا وريادتها دون باقي الأمم أكثر من كونها تأكيداً على الإنسانية المشتركة ودورها في البناء الحضاري.
وهو ما قادها إلى التحول من هذه الصلابة إلى السيولة التي بدأت في منتصف الستينات عندما أصبح العالم الغربي يحتفي بالنسبية المعرفية والأخلاقية بصورة واضحة.
حيث يرى أن هذه السيولة لاتقوض خصوصية العالم العربي والإسلامي وحسب وإنما تقوض الإنسانية بشكل عام لأنها لا تتقيد بأي أسس معرفية أو أخلاقية تحدد طبيعة وأسس التعاون بين البشر ودورهم في الاهتمام بالقضايا الإنسانية بل تجعل كل إنسان حبيساً (لعمله ترفيهه تسوقه).
دون الاهتمام بالقصص الكبرى إقامة العدل في الأرض مقاومة الظلم مناهضة العولمة والاحتلال..وهو ما يجسد بوضوح هذه السيولة الشاملة في مقولات النظام العالمي الجديد والشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد حيث أن العامل المشترك بين هذه المقولات هو الذوبان الكامل للهوية العربية الإسلامية في النموذج المادي الغربي ففي إطار هذا النموذج يستطيع العالم العربي أن يحظى بقدر كبير من المعونات والاستثمارات والقروض والمزايا في مقابل التخلي عن المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة والانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان.
إشارة:
استفدت كثيراً من الملف الذي أعدته صحيفة الجزيرة السعودية عن د.عبد الوهاب المسيري عدد 194 -9 أبريل 2007م. كذلك من المقابلة والحوار معه مع د. محمد شومان في نفس الملف.
كذلك من المراجع النقدية والفلسفية التي تتناول هذه المصطلحات في سبيل إضاءة هذه المفاهيم ومقارنتها مع توجه د. المسيري إضافة للكتاب الذي يتحاور فيه مع د. فتحي التريكي حول مصطلحي:الحداثة وما بعد الحداثة.
جميل احمد الحبري
أولاً: مفهوما العلمانية والعولمة:
قبل أن نناقش مفهوم العولمة لابد ان نشير إلى رأي يتفرد به المسيري في تعريفه للعلمانية الاطار الممهد لفلسفة الحداثة وما بعدها، فلسفة العولمة النظام ال*******ي العالمي الجديد ذي النظرة والتوجه الأحادي المقصي لتوجهات الآخر يتجلى ذلك في تسييسه سياسات الدول والتحكم والهيمنة بمواردها وخيراتها عبر ما يفرضه عليها من سيطرة عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومحاربة الارهاب وفرض الوصاية على دول العالم بحجة افشاء السلام ونشر الديمقراطية والتلاعب بالأوراق والازدواجية في التعامل والكيل بمكيالين ازاء ما يخدم مصالحها ويبسط لها الهيمنة على مقدرات الشعوب وانظمتها السياسية والاقتصادية عبر سياسات تجويع الشعوب وبسط القروض وما الى ذلك ليتسنى لها من خلاله التحكم في التعليم بوضع المناهج الموافقة لمصالحهم والذي بدوره ينشئ اجيالاً جاهلة تجهل تاريخ حضارتها وسيرة عظمائها واعلامها الافذاذ اجيالاً لا تفقه الا ثقافة المسلسلات والقعود أمام شاشات الفضائيات الساعات الطوال وعلى مقاهي الانترنت للدردشات والمعاكسات ومتابعة المباريات واخبار اللاعبين فماذا نتوقع من جيل هذا شانه؟!وكيف نعول عليه ونشيد به آمال المستقبل وهو لايملك من ذلك الآخر سوى تقمصه لملابسه وحلاقته وتتبعه لخطاه وانحلاله الاخلاقي؟! كيف له ذلك وهو لايتقن حرفة ولايملك أية شخصية ابداعية في اي مجال من مجالات العلوم؟! كيف له ذلك وهو مازال مستهلكاً لكل ما يأتي من هنا وهناك؟!!
ويشير د. المسيري إلى ان العلمانية يمكن النظر اليها من زاويتين:الاولى يسميهاعلمانية جزئية أما الأخرى، فيطلق عليهاعلمانية شاملة فالاولى يعرفها بالتعريف المشهور المتمثل في فصل الدين عن الدولة اما الثانية وهو المفهوم الأوسع والأخطر الذي يختزل ويمهد لفلسفة الحداثة الغربية وما بعدها بشكل عام وما تتضمنه الخلفية المعرفية للمفهوم ال*******ي الجديد العولمة حيث يعرفها بأنها تسعى الى القداسة اوالغاء الدين والقدسية عن العالم اما العلمانية الجزئية بوصفها فصلاً للدين عن الدولة اوعن القوانين فيراها المسيري قدراً لامناص منه لكي تستقيم الحياة فثمة ما تقتضيه الحياة الدنيا لا يتعارض مع الدين ولكنه لا يتصل بالضرورة به او يستمد منه لكن ذلك لا يعني ان المسيري يؤيد اوينتهج منهج العلمانية على العكس من ذلك فهو من الأشد المناوئين لها يتجلى ذلك في موقفه من مشروع النهضة وحركات الاصلاح في الوطن العربي ليس في جانبها الايجابي الداعي الى استلهام التراث ومواكبة الغرب ولكن في جانبها السلمي ممثلة في ذلك التيار الذي ما تزال توجد منه جيوب تدافع عن الحداثة الغربية الليبرالية- العلمانية وهؤلاء كما يرى المسيري تابعون للحكومات ويرون انه لامخرج لنا إلا أن نلحق بالغرب ولعل ما يؤكد رأيه في تعريفه للعلمانية الشاملة ودراسته اياها الدراسة المتعمقة رؤيته في أن ظهور الاصوليات والصحوة الدينية في الغرب ما هو إلارد فعل على الحداثة والعلمانية لأن العلمانية لم تجب عن الاسئلة الكبرى: لماذا نحن هنا؟.. مسألة الحب والزواج والاولاد كذلك هناك أحاسيس لا يشعر بها الغرب ويضيف المسيري إلى انه بسبب نزع القداسة عن العالم بأسره اصبح من الصعب على الغرب أن يدركوا أن الحداثة لن تزودهم بأية اجابة عن الاسئلة الكبرى الحقيقية وهو ما دفعهم الى ما يعرفونه وهو المسيحية لكن ما حدث انهم عادوا الى مسيحيتهم التي تم علمنتها الى حد ما فالاصولية تطالب بالعودة إلى الأخلاق وهذا جيد لكن يتم توظيف العودة بشكل سياسي ويستشهد بتوظيف الاطار الصهيوني وعودة اليهود والخلاص وهي مسألة يتوقع المسيري عدم استمرارها طويلاً ولعل ما يؤكد وجهة نظرته الاسلامية اكثر كتابه المبكر الصادر في مطلع السبعينات وبالتحديد في عام 1972م عن نهاية التاريخ قبل اطروحة فوكوياما المشهورة حول نهاية التاريخ التي يتعارض فيها مع رؤية فوكوياما المتمثلة في ان التاريخ وصل الى نهايته مع الليبرالية والتي يرفضها (د. المسيري) رفضاً قاطعاً لانها رؤية تتناقض مع عقيدته الاسلامية وشريعة ربه السماوية وهو ما دفع الفيلسوف الفرنسي (روجيه جارودي) في كتابه العولمة المزعومة في الرد على فوكوياما وهنتنجتون بطريقة علمية مدعومة بالاستشهادات والاحصائيات التي استقاها الكاتب من مصادر متنوعة وموثوقة لدى الغربيين رغم انها تصب في خانة كشف وادانة الحضارة الغربية ونمط التنمية الراسمالية وقوانين السوق والنظام العالمي الجديد الذي استقرعلى تسميته ب العولمة بما فيها من هيمنة الاقوياء على العالم ضمن علاقات تبادل لامتكافئة مدعومة بمنطق القوة والبطش وأمركة الثقافة والحياة عامة.
ولقد أشار الناقد الامريكي (جيمسون) الى الرأسمالية بوصفها اول ثقافة عالمية حقيقية لم تتخل يوماً عن مسعاها الى امتصاص كل غريب عنها وما يزال هذا المفهوم متسيداً لدلالات العولمة وان نافس الاقتصاد في مجال آخر هو الاتصالات التي اسهمت بقدر وافر في العولمة سواءً بكونها وسيلة حيوية لعولمة الانظمة الاقتصادية او من خلال ربط العالم في شبكة وثيقة من الاتصالات جعلت العالم يتعولم مرة أخرى ولكن هذه المرة من خلال المعلومات والأخبار هذان الجانبان تركا اثراً بالغاً على الثقافات الانسانية في عصرنا الحالي فأمكن الحديث عن (عولمة ثقافية) ايضاً.
ثانياً: مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة:
لعل المتتبع لنشأة الحداثة وفلسفتها لدى الغرب يدرك ارتباطها الوثيق بالعولمة ولذلك فإن ما تتبعه(تيمونز ايمي هايت)في كتابه من الحداثة الى العولمة» المكون من جزئين والمترجم بترجمة (سمر الشيشكلي) الصادر مؤخراً عام 2000م يثبت عميق الصلة بينهما وقد رأى محررا الكتاب أن منظري الحداثة وما بعدها يرون أنها سلسة متتابعة من التغيرات الاجتماعية والنفسية الاقتصادية والثقافية والسياسية والبيولوجية ويتضمن التحديث تبييناً لطرق جديدة للحياة المادية وهو أيضاً يغير نظامنا التعليمي ومعظم قيمنا واتجاهاتنا الأساسية ولذلك أصبح موضوع صدام الحضارات وصراع الثقافات أو حوارها موضوعات راهنة منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية صدام الحضارات أيديولوجية لها ورسمت بموجبها الصراعات القادمة في القرن الواحد والعشرين. فصدام الحضارات هو التعبير الأيديولوجي الجديد للعولمة التي تسعى لإعادة تكوين جغرافية العالم وتقسيمه على أسس أخرى لم تعلن عن تفاصيلها بعد.. هذه الرؤية التي نستطيع أن نستشفها لدى (المسيري) والتي حاول أن يؤطر لها في معظم كتابته حيث يرى الميسري علاقة الحداثة الغربية الوطيدة بظهور الإبادة الجماعية كحل نهائي لمشكلاتها المتفاقمة وكأداة ممكنة لبناء الفردوس الأرضي الذي يتمثل في الوصول إلى أقصى درجات التقدم المادي العلماني المنفصل عن القيمة الإنسانية والمرجعية الأخلاقية.. ويرى المسيري أن مشروع الحداثة الغربية يضرب بجذوره في القرن السابع عشر وما تحقق من إنجازات ثقافية واقتصادية واجتماعية في القرن التاسع عشر في الطرف الشمالي الغربي من أوربا وهو يرى أن الحداثة الغربية بدأت كمشروع ثقافي في عصر الاستنارة ذلك المشروع الذي كان يهدف إلى إلغاء الإله أو تهميشه والتمركز حول الإنسان باعتباره سيد الكون القادر على تأسيس جنة الخلد على الأرض دون الاستعانة بأية قوى غيبية مفارقة واصبح العقل والعلم والتكنولوجيا أهم الآليات الحاكمة في إحداث عمليات التحديث والتطوير الصناعي في ظل النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي فيما بعد وهو ما دفعه إلى تطوير منظومة جديدة من المفاهيم حتى يستطيع تتبع تطور النموذج المادي في المنظومة الغربية لكنه لم يلجأ إلى السرد التاريخي المعلوماتي للأحداث إنما تعامل مع الحداثة الغربية باعتبارها متتابعة تبدأ بما يطلق عليه العقلانية المادية الصلبة القديمة وتنتهي بما يسمية اللا عقلانية المادية السائلة الجديدة.
ويعرف المسيري الحداثة في أبسط تعريف لها بأنها استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة. إلا أنها رغم ماديتها الصارمة قد نجحت في تأسيس نظم معرفية وأخلاقية (تستند إلى نقطة الثبات مثل العقل والطبيعة البشرية والقوانين العلمية).
لكن هذا لا يروق للميسري الأمر الذي دعاه إلى أن يستجمع طاقاته النقدية من أجل تفكيك هذه الرؤية للمادة الصلبة التي تمزق الحبل الأنطولوج الذي يربط الإنسان بالإله.
ومن تلك الانتقادات والمآخذ التي يوردها المسيري على هذه الرؤية المادية العقلانية تحول الإنسان الرباني كما يسميه المسيري إلى الإنسان الآلي أو من منظوره (الإنسان الاقتصادي) و (الإنسان الجسماني)أي أن المادية العقلانية الصلبة التي كانت تحتفي بالإنسان والطبيعة كانت تحوي بداخلها إمكانية المادية اللا عقلانية السائلة التي لا تعترف بأي مركز وتؤمن بأن الإنسان ليس أمامة إلا أن يقبل وضعه باعتباره كائناً زمنياً مكانياً محدوداً بحدود الزمان والمكان خاضعاً لحتميات الطبيعة وأن يكف عن الثرثرة عن التجاوز والقيم والقانون والسببية وهذا الخضوع لا يعني أي شيء سوى وجود حالة دائمة من السيولة التي تقضي على كافة أشكال الصلابة والسببية والتي تلغي كافة الحدود والثوابت والكليات.
ويخلص (د. المسيري) إلى أن انفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة الإنسانية والمرجعية الأخلاقية حول العالم إلى حلبة صراع للجميع ضد الجيمع وأن السبب الرئيس في تحول الحداثة الغربية إلى منظومة امبريالية دارونيةهو الذي دفع جيوش أوربا للخروج إلى جميع انحاء العالم وهي تحمل أسلحة الفتك والبطش والأبادة حتى تحول العالم بأسره إلى مادة استعمالية يتم توظيفها لصالح الإنسان الغربي السوبر مان المطلق وبناء الفردوس الأرضي الأوروبي ومن ثم لم يتعامل الانسان الغربي مع شعوب آسيا وأفريقيا باعتبارها شعوباً لها تاريخ إنساني وحضاري وثقافي ولكن باعتبارها مخلوقات دون البشر تعيش في فراغ جغرافي أوفي مكان بلا زمان أو جغرافيا بلا تاريخ لكن ذلك لا يعني ان المسيري يرفض الحداثة الغربية جملة وتفصيلاً على العكس من ذلك فهو ينحاز للحداثة ويرفض مابعد الحداثة وما يرتبط بها من النتائج ويناقش أصولها ومصادرها ونتائجها مع إدانة لهذه المصادر والنتائج خاصة لدى نيتشه وفرويد ودريدا ويقترب من موقف مدرسة فرانكفورت خاصة لدى هابر ماس في تحليله للعقل الأدائي وتأكيده على العقل النقدي وتبنيه له وذلك تحليل للحضارة الغربية وإدانة ممارستها.
فهو لم يعد ينظر إلى تلك المصطلحات الأوربية الحديثة كالحداثة والتطور والتقدم باعتبارها نماذج مثالية مطلقة ينبغي على كافة الحضارات والمجتمعات احتذاءها وتكرارها بل إن مثل هذه المفاهيم تتضمن في جزء منه ما يعرف بالمشترك الإنساني العالمي كما تتضمن إيضاً جزءاً يعبرعن الخصوصية الحضارية لكل مجتمع. وبالتالي فهناك حداثات عديدة ممكنة لاحداثة واحدة أو لنقل أنماط عديدة للحداثة وطرق متباينة للتطور والتقدم.
إن ما يتبناه اتجاه المسيري الفكري وبحكم كونه إنجاراً معرفياً لم يكن مجرد موقف سياسي إيديولوجي معادٍ ومناهض للغرب برمته ولفكره على وجه التعميم بل كان نقداً - أكثر منه نقضاً - للأسس المعرفية التي قامت عليها منظومة القيم الأساسية لحضارة الغرب كما كان نقداً مسؤولاً ومستوعباً لكل ما هو إيجابي إنساني في مسار هذه التجربة القريبة من والمؤثرة فينا مع توجه صارم لهضم هذه القيم الإيجابية وإعادة صياغتها وتمثلها بحيث يصبح دمجها في منظومة قيمنا ورؤيتنا الكلية للوجود أمراً طبيعياً لامقحماً ولاهادماً للأسس التي تميز حضارتنا العربية والإسلامية.
ولذلك يؤكد المسيري أن الحداثة الغربية لم تحقق سيادة الإنسان التي ظلت تتشدق بها على مدار ثلاثة قرون إنما اختزلت المسافة بين الإنسان والطبيعة المادية وجعلته جزءاً منها حتى فقد مكانته ومركزيته فكانت الحداثة الغربية تأكيداً على مركزية أوربا وريادتها دون باقي الأمم أكثر من كونها تأكيداً على الإنسانية المشتركة ودورها في البناء الحضاري.
وهو ما قادها إلى التحول من هذه الصلابة إلى السيولة التي بدأت في منتصف الستينات عندما أصبح العالم الغربي يحتفي بالنسبية المعرفية والأخلاقية بصورة واضحة.
حيث يرى أن هذه السيولة لاتقوض خصوصية العالم العربي والإسلامي وحسب وإنما تقوض الإنسانية بشكل عام لأنها لا تتقيد بأي أسس معرفية أو أخلاقية تحدد طبيعة وأسس التعاون بين البشر ودورهم في الاهتمام بالقضايا الإنسانية بل تجعل كل إنسان حبيساً (لعمله ترفيهه تسوقه).
دون الاهتمام بالقصص الكبرى إقامة العدل في الأرض مقاومة الظلم مناهضة العولمة والاحتلال..وهو ما يجسد بوضوح هذه السيولة الشاملة في مقولات النظام العالمي الجديد والشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد حيث أن العامل المشترك بين هذه المقولات هو الذوبان الكامل للهوية العربية الإسلامية في النموذج المادي الغربي ففي إطار هذا النموذج يستطيع العالم العربي أن يحظى بقدر كبير من المعونات والاستثمارات والقروض والمزايا في مقابل التخلي عن المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة والانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان.
إشارة:
استفدت كثيراً من الملف الذي أعدته صحيفة الجزيرة السعودية عن د.عبد الوهاب المسيري عدد 194 -9 أبريل 2007م. كذلك من المقابلة والحوار معه مع د. محمد شومان في نفس الملف.
كذلك من المراجع النقدية والفلسفية التي تتناول هذه المصطلحات في سبيل إضاءة هذه المفاهيم ومقارنتها مع توجه د. المسيري إضافة للكتاب الذي يتحاور فيه مع د. فتحي التريكي حول مصطلحي:الحداثة وما بعد الحداثة.
جميل احمد الحبري




نحو خطاب اكثر فاعلية لمناهضة العولمة
تعليق