" التنوير شرط للتثـوير ، والتثوير بلا تنوير ، يصبح مجرد تغير اجتماعي أو انقلاب في الأوضاع تُحدثه السلطة القائمة في المجتمع ويتغير بتغير السلطة . فهو تغير اجتماعي يقوم على أساس نظري متخلف ، لا بقاء له إلا ببقاء السلطة الضامنة له ، و بالتالي يظل خارجيا ، لا يحدث تأثيرا فعليا لا يخلقه وعي ، ولا يخلق هو وعياً "
ذلك المقطع مقتبس من حسن حنفي في أحد دراساته الفلسفية المهتمة بمنتصف القرن التاسع عشر
فحينما قرأت كلمة التنوير لأول مره كانت الدلالة تتجه إلى معنى جميل متعلق بالنور و بالحقيقة و بالوضوح و بالصدق و العقل ... ، فلم اجعل ذلك المصطلح حكرا على المفهوم الذي يقصده المؤلف و ايضا لم أجعله حكرا على تيار او فئة او فكر أو جنس معين او شعب معين حتى لو كانت كلمة التنوير تتردد على لسان تيار معين ، فقد حاولت أن اهضم ذلك المقطع بمفهومي الخاص على ضوء الليبراليين العرب ، فلم افلح ، حاولت أن اهضمه على طريقة أخرى اشتهر بها بعض الإسلاميين ، أيضا لم افلح ، فكل محاولتي لم تنجح في تحديد رؤية ذلك التنوير من خلال الليبراليين او أصحاب الإسلام الحركي ، فكل الذي يمارس هو إما إثارة و بلبلة و تزييف و اندفاعات عاطفية مؤقته أو التثوير بدون وجود تنوير ، و النتيجة ثائرون لا يبصرون و لا يميزون ، فمن تفقأ عينية ثم تلبسه نظارة طبية لتقول له الآن سترى كل شيء بوضوح ، سيدمر أي شيء بما في ذلك الشيء الذي ثار من أجله ...
قبل الثورة التونسية و هي حديث الساعة و إن لم يرسو ذلك الحائر الثائر لتتخلق النتائج ، هناك خبر او حدث عربي سابق أخذ أصداء لا بأس بها فحين فازت قطر بتنظيم كأس العالم لعام 2022 م خرج بعض العربان يصف ذلك بأنه إنجاز لكل العرب ، نعم نفرح لهم و نشاطرهم الفرح و أتمنى لهم النجاح ،لكن ذلك الإنجاز او النجاح الذي حققته تلك الدولة بمجهودها و بمؤسساتها و شعبها هو إنجاز لها لوحدها ، فتعميم ذلك الإنجاز و النجاح على كل العرب أو حتى التهجم على أنجاز تلك الدولة هو تطفل من الجهتين
فالثورة التي قام بها الشعب التونسي ، جعلت الجنسيات الأخرى من العرب تشاطر ذلك الشعب المشاعر و الفرح و هنا لا مشكلة ، المشكلة حين يتم أخذ تلك الإرادة التي قام بها الشعب التونسي شكل التعميم على بقية البلدان العربية ، خصوصا حين تكون تفسيرات تلك الثورة عبارة عن استغلال لخدمة أجندة تيار معين او حزب معين أو فكر معين !
و فوق ذلك تكون تلك الثورة مفخره لكل العرب ، حقيقة أجد ذلك شيء لا يطاق ، فالثروات و عدالة التوزيع عظلة شديدة الضخامة و شديدة القوة و شديدة الوضوح قامت عليها الثورة التونسية ، فلم يكن المحرك الرئيسي للثورة نزع الحجاب او الصلاة أو غياب التعددية أو حرية الصحافة أو القومية العربية أو غياب الديمقراطية ، بل إن الملامح و الافكار الليبرالية و الفكر الحركي الإسلامي حين غابت عن وجه الثورة التونسية قد يكون ذلك دليل حقيقي يدين تلك التيارات قبل الحكومات ، فحين غاب التزييف من جهة هؤلاء و هؤلاء نهض الشعب بنفسه فلا يوجد فكر زائف مسيطر يبث من جهتين ، فذلك مدعاة لغرق الوعي في وحل رمادي ينسف الفطرة و يقتل الاستقلال ، فيهرب من تبعية إلى تبعية أخرى ، فلا ذات يمكن أن تعتد بنفسها و لا عقل يطرد الأوهام ....
حتى الأنظمة السلطوية العربية التي وصلت درجات عالية من القبح و الأنانية ، إذا أعطت الشعب جزء من الثروة بحيث لا يمس معيشتهم خطورة من جهة الاحتياجات الضرورية ، فإن مثل هذه الشعوب لن تثور ، فثورات الشعوب لها علاقة أصيلة بالثروات
فلماذا يتم الحشد الكثير من الأسباب و تضخيمها بينما غياب العدالة في توزيع الثروة يمر مرور الكرام ..
فما حدث في تونس ليس بعيد غائر في عمق التاريخ بل حاضر أمامنا عبر هذا الزمن المعلوماتي الكوني ، فبالله أي دجل تنويري يمارسه العرب أصحاب الأماني و الأحلام بإظهار الثورة التونسية بحسب ما يراه هؤلاء الذين حفر المكياج التلفزيوني خدودهم ، و تحجر حبر المطابع في أذهانهم
هل هناك حرج معين بحيث يُنسب الفضل إلى تيار آخر أو فكر آخر ....؟
ربما لا املك مقومات البحث للقيام بعملية جرد للثورات التي حدثت عبر التاريخ ، لأنني اعتقد أن ( الثروة /المال/ المقدرات/ الاقتصاد ... ) من أهم الأسباب التي تبعث على الثورة .
حتى في ذلك الزمن الإيماني الجميل المشبع بقوة الإيمان ، وجدت بعض الرموز في هذا العصر تصور الخلافة بشيء من الانحراف حين تولى عثمان رضى الله عنة ، فالثورة التي قامت ضده رضى الله عنه كانت بسبب ادارتة لثروات الدولة ، حتى ان تلك الرموز المعاصرة باركت تلك الثورة و بأن فيها روح الإسلام ..
مع أنني لم ابلع هذه المزاجية و هذا التعليل ، لكنني اعتبر ذلك اعتراف ضمني بأن ( المال و الثروة هي المحرك الأساسي للثورة )
رموز أخرى ترى الثورة الفرنسية هي البدايات و هي النهايات ، و مع التوهان جهة الغرب فلو كان هناك توزيع عادل للثروات لما ثارت فرنسا
الثورة الصناعية هي ثورة في مضمونها لتحصيل الثروات ، لذلك سرت الأطماع في ثروات الدول الأخرى و بدأ ال******* لنهب ثروات الدول الأخر ، و قامت ثورات لتطرد ذلك المستعمر الناهب للثروة ، خرج المستعمر و ما زالت الثروات لم تتحرر بالكامل
لذلك اعتقد أن زمن الثورة التونسية ، أحق بالاعتراف بأقوى سبب الا و هو عدم وجود عدالة لتوزيع الثروة فذلك المبعث الأول للقيام الثورة
و بعد ان يتم إشباع هذا الجانب إظهارا و نقاشا، سأبتسم على مضض لعبد الباري عطوان الذي انتقد مسمى ثورة الياسمين و يريد اسما أكثر رجولة
فتلك الثورة نتاج الشعب التونسي و هم أحرار في التسميه ، فمن المستحيل أن تشم و تتحسس عطر الياسمين الذي نالته تونس ..
ساري نهار
17/01/2011






تعليق