
باقات النقود
تحمل في يدها تلك الباقة من النقود ، والتي تحصل عليها في كل نهاية شهر
تسعد بها وتحتضنها وتخلد معها الى الفراش واضعة اياها تحت وسادتها
تحمل قلما وورقة وتبدأ بتسجيل كل ما طابت لها نفسها من مأكل ومشرب وملبس وزينة لتحضره صباحا من السوق
ولطالما راودتها الاحلام في الاسواق وما فيها في كل ليلة كهذه الليلة
تستيقظ صباحا تؤدي كل ما عليها من فروض وواجبات وتبدأ بعدها بالاستعداد لجولتها الطويلة
ترتدي اجمل العباءات لديها وتختار اكثر الحقائب زينة
تضع باقة نقودها في حقيبتها وتمضي في طريقها بكل حماس وجدية
تسير في طريقها وعيونها متلصقة بزجاج جميع المتاجر بشتى انواعها وبالكاد تنظر الى خطواتها
تدخل من متجر الى اخر وتبتاع منه كل ما وقعت عليه عيناها
وبعدما فرغت من شغفها وحبها لهذه الهواية التي اصبحت مدمنة عليها
شعرت بعطش شديد فاخذت تجول ببصرها يمنة ويسرة علها تجد احد باعة العصائر
وعلى غير بعيد منها لمحت احدهم وهرعت نحوه تلهث وتطلب اليه كأسا من العصير
وما ان فرغ البائع من ملئ الكأس حتى تناولته منه وشربته جرعة واحدة
فطالبها البائع ثمن كأس العصير ....
فابتسمت بكل ثقة وامسكت حقيبتها لتخرج ما تبقى من نقود معها
لكن ....
ياللمفاجأة ....وجدت حقيبتها فارغة تماما لم يتبقى معها قرش واحد
فاعتذرت من البائع بكل خجل وقالت لم يتبقى معي اي شيء
احتار البائع ولم يعرف كيف يرد عليها فقاطعت حيرته قائلة : يمكنك يا عم
ان تأخذ ما تشاء مما اشتريت من هذه الحقائب مقابل كأس العصير
قال لها البائع : هذه اشياء ثمينة ولن آخذ سوى حقي
قالت: اعتبره هدية مني
ضحك البائع قائلا: هدية ؟ وبأية مناسبة ؟
قالت والخجل يغطي وجهها : ايها العم الطيب،لا ادري كيف اسدي لك حقك فما وجدت غير ان اعطيك احد هذه الحقائب
قال لها مبتسما: لا عليك يا ابنتي ... امضي في طريقك فلن اطلب منك شيئا
قالت متعجبة: وكيف يكون ذلك ! ان هذه العربة وهذه العصائر مصدر رزقك ؟!!
قال لها البائع : انا اطمع برضا من الله عز وجل الذي امرني بأن احسن للغير
وقد اتيت الي والظمأ يكاد ينال منك فأحسنت اليك وانما رزقي واجري على الله رب العباد
امضي في طريقك
لم تدرك الفتاة معنى الاحسان للغير كما يجب لكنها اعتبرت خروجها من المأزق فرصة لا بد من نيلها
وبينما كانت تفكر في امر هذا البائع ....
واذ به يستوقفها قائلا : انتظري لحظة ، الديك ما يكفي من النقود لكي تبلغي المكان الذي تصبين اليه؟
وكأنه بسؤاله هذا صفعها وايقظها من سبات عميق
فعادت اليه وهي ترفع حاجبيها الى فوق ولم تستطع ان تتفوه بالرفض وقد الجم الحرج شفتيها
فقد تنبهت ان حقيبتها المزينة خاوية تماما
فابتسم البائع : واعطاها ما يكفيها لكي تصل الى غايتها المنشودة
فقالت : اناشدك بالله ايها العم الفاضل بأن ترشدني الى طريقة ارد اليك صنيعك الذي فعلت معي
قال البائع: لا اله الا الله محمد رسول الله
اي بنيتي ، ناشدتني بالله ولن اخيب ظنك ابدا وسأطلب منك رد المعروف باتباع نصيحة امليها عليك
قالت وبكل انتباه : اسعفني بها يا عم
قال لها ناصحا : عندما نظرت اليك ونظرت الى ذلك الكم من الحقائب التي اشتريتها شعرت بالدهشة
وعندما عرضت علي ان اخذ اي حقيبة منها مقابل كأس من العصير عجبت لامرك اكثر واكثر
وادركت ان كل ما في هذه الحقائب انما هي فائض عن حاجتك وانما اشتريتها للهو والتسلية واضاعة للوقت
قالت والحيرة تغزو افكارها : صدقت والله ايها العم الطيب
قال لها البائع : نصيحتي هي ان تنظري وانت في طريقك الى السوق الى من يكون الى جانب زجاج المتاجر
قالت متسائلة : اهذه هي النصيحة ؟ وماذا افعل بعد ذلك؟
ابتسم البائع وقال : ان اردت لباقات نقودك ان تزهر فامنعيها من الذبول
على الرغم من ان كلمات البائع كانت مبهمة الا انها ايقظت ساكن في قلب تلك الفتاة ومضى كل واحد منهما في طريقه
وتابعت الفتاة سيرها وقررت ان تأخذ بنصيحة البائع لكي تحل لغز كلماته الاخيرة
واخذت تنظر الى زجاج كل متجر ابتاعت منه تلك الحقائب التي تحملها وبالكاد تسمح لها بالحركة بحرية
لتجد ان كل متجر خرجت منه كان على ابوابه اشخاص وقفوا كتماثيل بالكاد يميزهم المرء ويفرق بينهم وبين صور معلقة على ذلك الزجاج
فعلى زجاج متجر الملابس اطفال بثياب ممزقة وقفوا حالمين بأنهم يرتدون مثل تلك الملابس المعلقة امامهم
وعلى زجاج متجر الاحذية اشخاص حفاة وقفوا يتمنون لو ان لديهم احد الازواج مثل تلك الاحذية المعلقة امامهم
وعلى زجاج متجر مواد التموين اشخاص يربطون بطونهم بالاحزمة بانتظار ان يسقط من احدهم بعضا من كل تلك الاصناف المتكدسة
وكم هناك متاجر وكم هناك اشخاص على ابوابها لا يراهم الا من شعر بهم واشفق على حالهم
ماذا لو استبدلنا هواية التسوق الزائفة والتي لا تسبب الا الذبول لنقودنا بزيارة المتاجر لكن للتسوق من اجل اولئك المحرومين وبذلك تزهر باقات نقودنا
ولا يجب علينا ان نقول ان هذه الفئة غير موجودة ... كل ما علينا فعله فقط هو ان نمعن النظر
بقلمــــــــــــــــــــي ..... شــــــهرزاد









تعليق