كانت الساعة تقترب من الرابعة مساءا...
موعد قدوم زوجها أحمد من دورته التدريبية العسكرية التي استمرت إلى واحد وعشرين يوما بعد ساعة تقريبا ..
لأنه من المفترض أن يكون في البيت في تمام الخامسة ...
الأنوار المضاءة والزينة التي ترفرف في أرجاء البيت وأشهى الأطباق التي يحبها أحمد قد وضعت على طاولة الطعام ..
كانت عبير قد انتهت للتو من تجهيز بيتها لهذا الحفل البهيج ... وحتى ابنها فراس لم تنس أن تلبسه أجمل لباس بعد أن قامت بعمل حمام له ...
"علي أن أسرع" قالت عبير هذه الجملة بعد أن تذكرت أنها لم تلبس ملابس الحفل الأنيقة بعد ... لأن تجهيز طاولة الطعام لم تنته منه إلا قبل لحظات ...
وباكتمال أناقة عبير كانت الساعة تشير إلى الخامسة إلا ربعا ...
تضجرت عبير من بطء تقدم العقارب في ساعة الحائط ... وتمنت لو أنها تستطيع تحريكها بسرعة .. ولكن هل ستجدي هذه الطريقة نفعا في تقديم الوقت أو تأخيره ؟؟
دخلت غرفة الضيوف لتتأكد من جاهزيتها للاحتفال ...
أحست بشئ من التعب ... فجلست على أريكة قريبة منها لكي تريح جسمها المنهك منذ ساعات الصباح الأولى في إعدادات هذا الحفل ...
وسرحت بخيالها ... وبدأت تتذكر بعض أيام الماضي ... الحلوة منها والمرة ...
وتذكرت أولى أيام الزواج عندما التحق أحمد بدورة تدريبية لمدة عشرة أيام بعد أسبوع واحد من زواجهما !!
وتذكرت كيف أنها كانت - وما زالت- تعتبر مهنة العسكرية مهنة المشاق والمتاعب ؛ فهي دائمة التحذير لابنها فراس ذي الخمس سنوات من أن يسلك مسلك أبيه في مهنته ... وأنها تتمناه طبيبا يخفف آلام الناس ويمحو متاعبهم ..
وهي تزهو به وتتفاخر بين أقاربها وصديقاتها ...
وتذكرت الليالي التي مرت من قبل وهي في انتظار زوجها ...
تبكي من الوحدة أحيانا ... وتخفي أحزانها عن فراس ...
ولم يغب عن بالها أنها عاشت مع أحمد أحلى أيام عمرها ...
فهو زوج ... ونعم الزوج ...
الصفات التي تتمناها كل امرأة موجودة فيه - في نظر عبير على الأقل- ..
لكن فيه صفة سيئة ...
العصبية الزائدة ... والتي عانت منها الأمرين ...
ولكنها عرفت أخيرا كيف تجعله أكثر ودا في مواقف الانفعال وخففت من عصبيته كثيرا ..
بيد أنها كانت تتمنى أنه يعمل بأي عمل آخر غير العسكرية ...
فهي لم تعد تحتمل مجرد سماع هذه اللفظة في أذنها ...
وفجأة أحست بأحمد يدخل عليها في غرفة الضيوف والتي كان بابها مفتوحا ..
انتبهت ... وقامت إليه مرحبة ومهنئة بسلامة وصوله ... وتريد أن تخفف عنه متاعب الدورة التدريبية والسفر ...
وما أن اقتربت منه حتى رأته يقول بعد أن انتبه لها : من أنتِ؟ وما الذي أدخلك بيتي؟
صدمت عبير بهذا الرد الغير متوقع ... وتلعثمت في كلامها ...
لكنها أقنعت نفسها بسرعة أنه قد يكون أحمد متعبا بعض الشئ وليس في كامل وعيه وهو بحاجة إلى الراحة..
ولكن أحمد قطع عليها صمتها قائلا: هيا تكلمي ... من أنتي؟ وكيف استطعتي دخول بيتي؟
ومنذ متى أصبح بيتي استراحة للغرباء ؟
هيا تفضلي إلى خارج المنزل ... هيا ...
- أحمد أنا عبير زوجتك ... أنا حبيبتك ... أنا رفيقة دربك ...
بكل هذه السهولة قررت التخلي عني ...
لماذا؟
ماذا أخطأت في حقك؟
أنا التي سهرت الليالي تنتظر قدومك ...
وإن كنت لا تريدني أنا فما ذنب هذا الطفل الصغير؟
وبدأت الدموع تنهمر من عينيّ عبير ... إزاء هذا النكران والجحود الواضحين ..
عندها قال أحمد في جمود واضح على ملامحه وكأنه قد تحول إلى آلة:
يبدو أني سأخرجكي بنفسي ... لأني لم أعد أحتمل ثرثرتك أيتها الغريبة أكثر من ذلك ...
وعبير تنظر إليه في ذهول ممزوج بألم نكران الجميل ...
ومد أحمد يده ليسحبها إلى الخارج ..
....
فإذا بها تستيقظ من نومها ... وتجد أن ابنها فراس يسحبها من يدها ليوقظها ويقول لها :
هيا يا ماما استيقظي ... بابا وصل ... نريد أن نبدأ الحفلة ...
.....
واختلطت دموع ألم الكابوس المزعج ودموع فرحة وصول أحمد وفرحة أن ما حدث لم يكن إلا كابوسا بسبب نومها على الأريكة ...
انتهت ,,,






تكالبت على السيد أحمد كل مصائب الدنيا دفعة واحدة فقد تم نعيينه منذ تخرجه في
تعليق