العبرة في مدارسة هدى السلف في الاتفاق ونبذ التعصب والفرقة، بشواهد وقواعد الثقافة الإسلامية العامة التي انطلق منها سلف الأمة مطبقين عليها
مجمعين حولها، وليست بالاجتهاد الفردي غير الملزم، وإنما الملزم للناس هو الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع الثابت، وليس المدعى.
فإن التقريب بين المسلمين والاتفاق عمل تعبدي بقوله جل جلاله: (ولا تنازعوا فتفشلوا)
قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ((ما أحب أن أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلفون؛ لأنه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق)). أي الاختلاف الذي يتحرى الصواب ويرصده، ويتحسس الحق في غير مداهنة أو تلبيس
شعاره التسامح لا التعصب، ومرماه التكامل والتقدم ومركزه العلم والتقوى.
ومن مبادىء وضوابط هدي السلف في الأتفاق ونبذ الفرقة :
-مبدأ المشاركة والبعد عن ال******* بالرأي:
الناظر فيما يكتب اليوم في الإنترنت؛ يلحظ جرأة محمودة في الطرح والتناول للقضايا؛ تؤذن بانقراض زمن الصمت, وميلاد
عصر المشاركة, والمصارحة, وحوار الآراء. ومن أقوال السلف وتوجيهاتهم في ذلك "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.
-مبدأ محاربة القطيعة والدعوة إلى المحبة والصلة والحوار والوحدة:
وللمتحابّين في الله أجر عظيم، منها: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: (أينَ المُتحابّون بِجَلالي، اليومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي، يومَ لا ظلَّ
إلا ظِلّي)، ومنها دخول الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: ((وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تَحابّوا
أوَلا أَدُلُّكم على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُموهُ تَحابَبْتُم؟ أَفْشوا السَّلامَ بَيْنَكُم)) وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عزّ وجلّ: المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نورٍ، يَغْبِطُهم النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ)) وقال معاذ
رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: وَجَبَتْ محبَّتي للمتحابّين فيَّ، والمتجالسين
فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذِلين فيّ)). ومرّةَ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد معاذ وقال: ((يا معاذ???? والله إني لأحبّكَ
في الله، ثم أوصيكَ يا مُعاذ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كلَ صَلاة تقول: اللّهمَّ أَعِنّي على ذَِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عبادَتِكَ))( )، ومن وصايا
السلف في ذلك: "لا تطلبن مجازاة أخيك وإن حثا التراب بفيك، ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب،
ولِنْ لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك.
-مبدأ محاربة الجدل:
ومن الأمور التي تمزق الوحدة وتزرع البغضاء: المراء والجدال والخصومة وسرعة اللوم، فهذه البلايا التي تمرض القلوب
وتشحنها على الإخوان وينبت عليها النفاق. وإذا ما اضطر المؤمن إلى الافتراق والاختلاف مع أخيه وعدم التعاون معه وجب
عليه أن يحافظ على لسانه، بل يفارق بحسن، ويخالف بحسن، ولا يتورط في الجدل والمهاترات الإعلامية التي توسع من
خندق الشقاق، وتزيد في العداء والتفرقة.و السباب واللعن، والله جل جلاله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بشراركم؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((المتفحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم، وإذا ذكروه لعنوه)).
-مبدأ التواضع:
الاتفاق من الأمور المهمة التي تتأثر بالتواضع، وغني عن القول أن مبدأ التواضع يقلب حياة الإنسان إلى الأفضل ويجعلها
أكثر ليونة وتالفاً واتحاداً مع الآخرين ((لينوا بأيدي أصحابكم))، فإذا كان الداعية متواضعاً اتسم بحب الآخرين والخجل من
مدح الذات، والابتعاد عن الرياء والتفاخر والمباهاة وتضخيم الأعمال. يقول الإمام الصادق رضي الله عنه: "لا يصير العبد
عبداً خالصاً لله عز وجل حتى يصير المدح والذم عنده سواء، لأن الممدوح عند الله عز وجل لا يصير مذموماً بذمهم وكذلك
المذموم، فلا تفرح بمدح أحد فانه لا يزيد في منزلتك عند الله ولا يغنيك عن المحكوم والمقدور عليك ولا تحزن أيضاً بذم أحد
فأنه لا ينقصك عنك به ذرة، ولا يحط عن درجة خيرك شيئاً، واكتف بشهادة الله تعالى لك وعليك، قال الله عز وجل: (وكفى بالله شهيداً)". ومن لا يقدر على صرف الذم عن نفسه ولا يستطيع على تحقيق المدح له كيف يرجى مدحه؟ ويخشى ذمه؟ واجعل وجه مدحك وذمك واحداً، وقف في مقام تغتنم به مدح الله عز وجل لك ورضاه.
-مبدأ العفو والحلم:
ويلعب الحلم دوراً كبيراً في امتصاص عوامل الفرقة والتوتر والصراع بين الدعاة. يقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((عليكم بالعفو، فإن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فتعافوا يعزكم الله)).
ولا يزيد الحلمُ المسلمَ إلا عزاً.
-مبدأ اعتزل الهوى فيما يريد إصابة الحق فيه:
وأن يعتزل الهوى فيما يريد إصابة الحق فيه، فإن الله جل جلاله يقول: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)،
ويقول جل جلاله: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)
-مبدأ الاعتراض السلمي علي آراء الباحثين في المسألة:
وتلعب الأخلاق الحسنة دوراً مهماً في تمشيط الأضغان من القلوب ونثر ورود المحبة على طريق الوحدة، حيث
إن الأخلاق الحسنة تنبع من الحب.. فإذا كره المؤمن أخاه غطى الكره ملامح وجهه وعقد لسانه، وخطف البسمة
من شفتيه. ولذلك يدعو الإسلام إلى كنس الحقد من القلب، والتصميم على الحب والمبادرة إليه، ولا يسمح للحقد أو
الكراهية أن يعشعشا في قلبه.
وعاشر بمعروفٍ وسامح من اعتدى وفـــارق ولكن بالتي هي أحسن
ســـامح صديقك إن زلت به قدمُ فليس يسلمُ إنســــان من الزللِ




تعليق