كنت اسير الى جانب صديقتي العظيمة في طريق لا اذكر منه سوى شحوب اضوائه ، و هي - صديقتي - تزف لي خيبة الأمل في رفق الحبيبة و رحمة الاله ، و تكافح لتجعل في كلماتها بذور التثبت و اللامبالاة علها تثمر في داخلي ما يعينني على مأساتي المتجددة ..
وبعد حين طغى احساسها فأبدت لي اعجابها بقوتي و قدرتي على تجاوز احزاني الفاجعة ، فصمت لحظات ثم قلت فيما يشبه المناجاة الذاتية " ربما .. نعم ، أستطيع أن ألتمس في داخلي القوة بين الناس ، لكن اذا الليل أضواني .. "
فلست ممن يستطيعون عبور مآسيهم دون تأثر .. و يفقدون الأشياء العزيزة دون لمحة من دموع
ربما تجاوزت كل عذابات الفشل ، و تحملت آلام الجروح جميعها .. لكن الندوب العالقة بروحي اقسى من أن أتذكرها !
و رغما .. قد أبدو للبعض ذلك العاقل الذي يزن اموره في يسر من لا تعيه الحلول البديلة و سطوة من يحتفظ في جيبه السري بمفاتيح الأبواب كلها .. فيغلق حجرات البكاء متى اراد !
و وجدتني أمام السؤال ..
ما الذي يدفعنا الى التقنع بالقوة لنخفي عن العيون وجداننا الانساني الذي اوهنته الظروف؟
هل الأمر نوع من الخلل النفسي ؟ هل تجبرنا الفطرة البشرية على الاختباء ؟ أم رهبة الناس الذين لا نأمن وقع ضعفنا في نفوسهم ؟
فالناس قد يشمتون ، و قد يشفقون ، و قد يعزون ، و قد يمطرونك بنصائح التشجيع ، و قد يعبرون دموعك كأنها رشح العيون في شتاء الأحزان ..
فأنت قد تبدو للبعض عظيما .. فيك ما يشعل الحقد و يستوجب الغيرة .. و قد تبدو للبعض هينا لا يستحق هوانك سوى المزيد من الازدراء
و في الحالتين لن تثير مآسيك المعلنة سوى الشماتة من هذا الذي شمخ بانفه ثم سقط في ذل .. أو هذا الذي يقوم من ( نقرة) ليقع في (دحديرة) ..
و ربما تلجأ لخاصة صحابك لتسكب في مسامعهم اناتك و مر شكواك .. فتلمع في عيونهم نظرات الاشفاق و دموعها ، و تدرك في صمتهم رقة قلوبهم و عطفها ..
تمتن في ذاتك لنبل عاطفتهم - او محاولاتهم لتصنع النبل .. لكنك تضيق بالأمر كله
كأنك لا ترضى أن يمتطي البعض ضعفك ليصلوا للسمو الذي يبتغون !
وربما تكشف عن ضعفك للآخرين ، فتجد منهم كلمات العزاء مخلصة كانت او في مجاملة فجة .. لا يهم !!
فغرورك يأبى أن تتنزل لتتلقى على أيديهم بعض ما لقنته اياهم قديما ، و يرفض الا أن تظل في سمائهم نجما هاديا ينير دروب من حوله .. لكنه قطعا لا يحتاج لاحد !
أو ربما تصاحبك عبارات التشجيع من هؤلاء الذين عرفوا عنك التعقل و القوة النفسية .. فتنزف في ذاتك !
فأنت تدرك مع كل حرف جديد أن الكارثة أفسدت فيك أكتر مما تصورت !
أو تتلفت بدموعك فلا تلقى من يتوقف ليمنحك ( منديلا ) او يسألك عن ( القذى ) الذي داخل عينيك .. فتضيف الى حقدك على مأساتك حقدا على الناس ، و تلعن هؤلاء الذين تخلوا عنك لحظة الاحتياج ، و تتسائل في مرارة عن جدوى أن يخلق الله اناسا غيرك مادمت تمضي في الحياة وحيدا !
و البعض قد يلحظ صراعك الباطني و يستشرف من كلماتك العصبية و نظرتك القانتة حزنك الذي تجاهد أن تخفيه .. لكنه عبثا يفسر احتراقك بهمومك الاخرى ، فيضيف الى استغراقك في مأساتك الكبرى وعيك بجروحك الساخنة ..
لا تمتلك نفسك .. و يسقط فتيلك منزوعا من تلقاء نفسه و تتسائل مغيظا كيف تحتمل الحياة بكل ما فيها .. !
و ثمة اسطورة عن الاعتياد يرددونها الناصحون دوما ..
منذ عامين تقريبا .. كان لي صدام مع انسان عزيز تحدث خلاله عني بما ابكاني .. و سائلت من حولي في اسى عن قدرة البعض على نسيان ذكريات الطريق الواحد حينما تتشعب بنا الظروف و المواقف ، غافلين أن الطرق ستجتمع لاحقا ، و انني ان لم أملك الانتقام .. ملكت الا اسامح !
و اخبرني وقتها صديق آخر انني لازلت صغيرا لم تعركني الحوادث و لم اعتد على خيانات الصحاب و التفاتاتهم الماكرة .. و انني يوما ما سأجد مشاعري قد ( نحست) فلا يؤثر بي شئ !!
تذكرت هذه الواقعة حينما كنت اصغي لصديقي الذي يهرول نحو الخمسين ، و هو يشكي لي بنبرة دامعة بعض مما يلاقيه .. فعرفت وقتها ان البعض تدخله الحياة لحربها و هو منزوع السلاح !
لكن .. لماذا لا نستطيع ان نحتفظ بقناع القوة اذا انفردنا بانفسنا دون أن نكشف لانفسنا هوانها و ضعفها .. و كم هي هشة بائسة لا تطيق الصمود تحت معاول الحياة ؟ لماذا لا يضوينا الليل دون أن نذل دموعنا ؟
ربما يكون للاحزان ضغطا .. يستطيع كل انسان تحمل قدر محدد منها ، فاذا فاق ضغطها ذلك القدر انطلقت الاحزان دموعا و نحيبا و شكوى و كلمات سوداء تصرخ فوق الاوراق !
و غاية ما نفعله أن نحتفظ ب"ضغط الاحزان" في معدلاته الآمنة حتى ننفرد بانفسنا فنمنحها الزمام !
لكن كيف نأمن الا تخوننا قوانا في اللحظة الخاطئة في المكان الخاطئ ؟!
لا اقسى من دمعة هاربة امام حبيب هاجر او صديق خائن .. لا اقسى من ان تبدو امام قاتلك ضعيفا ضعيفا كأنك تعرض أمام عينيه غنائم انتصاره ..!
فنحن نفقد الاحبة .. و نخسر الاصدقاء ، و ربما بذلنا من كبريائنا في سبيل استردادهم
لكننا لا نرضى ابدا ابدا ان نفقد احترامهم لنا !!
" اراك عصي الدمع شيمتك الصبر .. اما للهوى نهي عليك ولا امر
بلى انا مشتاق و عندي لوعة .. و لكن مثلي لا يذاع له سر
اذا الليل اضواني بسطت يد الهوى .. و اذللت دمعا من خلائقه الكبر "
وبعد حين طغى احساسها فأبدت لي اعجابها بقوتي و قدرتي على تجاوز احزاني الفاجعة ، فصمت لحظات ثم قلت فيما يشبه المناجاة الذاتية " ربما .. نعم ، أستطيع أن ألتمس في داخلي القوة بين الناس ، لكن اذا الليل أضواني .. "
فلست ممن يستطيعون عبور مآسيهم دون تأثر .. و يفقدون الأشياء العزيزة دون لمحة من دموع
ربما تجاوزت كل عذابات الفشل ، و تحملت آلام الجروح جميعها .. لكن الندوب العالقة بروحي اقسى من أن أتذكرها !
و رغما .. قد أبدو للبعض ذلك العاقل الذي يزن اموره في يسر من لا تعيه الحلول البديلة و سطوة من يحتفظ في جيبه السري بمفاتيح الأبواب كلها .. فيغلق حجرات البكاء متى اراد !
و وجدتني أمام السؤال ..
ما الذي يدفعنا الى التقنع بالقوة لنخفي عن العيون وجداننا الانساني الذي اوهنته الظروف؟
هل الأمر نوع من الخلل النفسي ؟ هل تجبرنا الفطرة البشرية على الاختباء ؟ أم رهبة الناس الذين لا نأمن وقع ضعفنا في نفوسهم ؟
فالناس قد يشمتون ، و قد يشفقون ، و قد يعزون ، و قد يمطرونك بنصائح التشجيع ، و قد يعبرون دموعك كأنها رشح العيون في شتاء الأحزان ..
فأنت قد تبدو للبعض عظيما .. فيك ما يشعل الحقد و يستوجب الغيرة .. و قد تبدو للبعض هينا لا يستحق هوانك سوى المزيد من الازدراء
و في الحالتين لن تثير مآسيك المعلنة سوى الشماتة من هذا الذي شمخ بانفه ثم سقط في ذل .. أو هذا الذي يقوم من ( نقرة) ليقع في (دحديرة) ..
و ربما تلجأ لخاصة صحابك لتسكب في مسامعهم اناتك و مر شكواك .. فتلمع في عيونهم نظرات الاشفاق و دموعها ، و تدرك في صمتهم رقة قلوبهم و عطفها ..
تمتن في ذاتك لنبل عاطفتهم - او محاولاتهم لتصنع النبل .. لكنك تضيق بالأمر كله
كأنك لا ترضى أن يمتطي البعض ضعفك ليصلوا للسمو الذي يبتغون !
وربما تكشف عن ضعفك للآخرين ، فتجد منهم كلمات العزاء مخلصة كانت او في مجاملة فجة .. لا يهم !!
فغرورك يأبى أن تتنزل لتتلقى على أيديهم بعض ما لقنته اياهم قديما ، و يرفض الا أن تظل في سمائهم نجما هاديا ينير دروب من حوله .. لكنه قطعا لا يحتاج لاحد !
أو ربما تصاحبك عبارات التشجيع من هؤلاء الذين عرفوا عنك التعقل و القوة النفسية .. فتنزف في ذاتك !
فأنت تدرك مع كل حرف جديد أن الكارثة أفسدت فيك أكتر مما تصورت !
أو تتلفت بدموعك فلا تلقى من يتوقف ليمنحك ( منديلا ) او يسألك عن ( القذى ) الذي داخل عينيك .. فتضيف الى حقدك على مأساتك حقدا على الناس ، و تلعن هؤلاء الذين تخلوا عنك لحظة الاحتياج ، و تتسائل في مرارة عن جدوى أن يخلق الله اناسا غيرك مادمت تمضي في الحياة وحيدا !
و البعض قد يلحظ صراعك الباطني و يستشرف من كلماتك العصبية و نظرتك القانتة حزنك الذي تجاهد أن تخفيه .. لكنه عبثا يفسر احتراقك بهمومك الاخرى ، فيضيف الى استغراقك في مأساتك الكبرى وعيك بجروحك الساخنة ..
لا تمتلك نفسك .. و يسقط فتيلك منزوعا من تلقاء نفسه و تتسائل مغيظا كيف تحتمل الحياة بكل ما فيها .. !
و ثمة اسطورة عن الاعتياد يرددونها الناصحون دوما ..
منذ عامين تقريبا .. كان لي صدام مع انسان عزيز تحدث خلاله عني بما ابكاني .. و سائلت من حولي في اسى عن قدرة البعض على نسيان ذكريات الطريق الواحد حينما تتشعب بنا الظروف و المواقف ، غافلين أن الطرق ستجتمع لاحقا ، و انني ان لم أملك الانتقام .. ملكت الا اسامح !
و اخبرني وقتها صديق آخر انني لازلت صغيرا لم تعركني الحوادث و لم اعتد على خيانات الصحاب و التفاتاتهم الماكرة .. و انني يوما ما سأجد مشاعري قد ( نحست) فلا يؤثر بي شئ !!
تذكرت هذه الواقعة حينما كنت اصغي لصديقي الذي يهرول نحو الخمسين ، و هو يشكي لي بنبرة دامعة بعض مما يلاقيه .. فعرفت وقتها ان البعض تدخله الحياة لحربها و هو منزوع السلاح !
لكن .. لماذا لا نستطيع ان نحتفظ بقناع القوة اذا انفردنا بانفسنا دون أن نكشف لانفسنا هوانها و ضعفها .. و كم هي هشة بائسة لا تطيق الصمود تحت معاول الحياة ؟ لماذا لا يضوينا الليل دون أن نذل دموعنا ؟
ربما يكون للاحزان ضغطا .. يستطيع كل انسان تحمل قدر محدد منها ، فاذا فاق ضغطها ذلك القدر انطلقت الاحزان دموعا و نحيبا و شكوى و كلمات سوداء تصرخ فوق الاوراق !
و غاية ما نفعله أن نحتفظ ب"ضغط الاحزان" في معدلاته الآمنة حتى ننفرد بانفسنا فنمنحها الزمام !
لكن كيف نأمن الا تخوننا قوانا في اللحظة الخاطئة في المكان الخاطئ ؟!
لا اقسى من دمعة هاربة امام حبيب هاجر او صديق خائن .. لا اقسى من ان تبدو امام قاتلك ضعيفا ضعيفا كأنك تعرض أمام عينيه غنائم انتصاره ..!
فنحن نفقد الاحبة .. و نخسر الاصدقاء ، و ربما بذلنا من كبريائنا في سبيل استردادهم
لكننا لا نرضى ابدا ابدا ان نفقد احترامهم لنا !!
" اراك عصي الدمع شيمتك الصبر .. اما للهوى نهي عليك ولا امر
بلى انا مشتاق و عندي لوعة .. و لكن مثلي لا يذاع له سر
اذا الليل اضواني بسطت يد الهوى .. و اذللت دمعا من خلائقه الكبر "










تعليق