خلق الأحرار
فأعجب من حياء الجاهليين الأُول! قوم أميون لا ضابط يردعهم لولا الحياء، الذي فطر الله عليه النفس السويّة.
وهذا الشنفرى من شعراء الجاهلية ، يقول مادحاً زوجته:
لقد أعجبتني لا سَقوطاً قناعها
إذا ما مشت، ولا بذات تلفّتِ
كأنّ لها في الأرض نِسْياً تقُصّه
على أَمَّها، وإن تكلّمكَ تبْلتِ
إذا ما مشت، ولا بذات تلفّتِ
كأنّ لها في الأرض نِسْياً تقُصّه
على أَمَّها، وإن تكلّمكَ تبْلتِ
فهي حييّة عفّة، لا يسقط قناعها، و لا تتلفّت أثناء مَشْيها، بل تنظر إلى الأرض كأنما تبحث عن ضائع، فإن كلّمها أحد أوجزت في الجواب و قصدت .
و هذا عنترة العبد يتّصف بصفات الكرام و الشرفاء، و يقول مفاخراً:
و أغضُّ طرفي ما بدت ليَ جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
و قال آخر: حتى يواري جارتي مأواها
و إني لأُغضي الطّرف عنها تستّراً
و لي نظرٌ لولا الحــــــــياء شديدُ
ثمّ أعجب بالقدر نفسه، من جراءة الجاهلية الحديثة التي تحرّرت من ضابط الحياء فإذا هي تستعبدها شهواتها!!و لي نظرٌ لولا الحــــــــياء شديدُ
وبات الحرّ من لا يستحي ويصنع ما يشاء.
و هكذا صار للعبوديّة وجه جديد و اسم جديد، في عصر شُوّهت فيه المفاهيم، ومُسِخت الفِطر، فباتت الرذيلة تحرّراً، و الحياء تخلّفاً. وعمّ الفساد؛ فتقوّضت بيوت و شقيت مجتمعات.
و أعجب من ذلك كلّه، أن ترى بين المسلمين (المتحرّرين) سمّاعين لصوت الجاهلين، فإذا النساء يخلعن جلابيب الحياء، سفوراً، وخضوعاً بالقول، لا يتحرّزن من شبهة، و لا يمتنعن من ريبة.
و ليس حراً من لم ينعتق من سلطان رغباته و أهواء نفسه أن تستعبده، فيأخذ بناصيتها، و يوجّهها إلى حيث الفضيلةُ و مكارمُ الأخلاق.
إنك في الجاهلية الحديثة تعيش ( هاجس الحرية) في زمن ( العبودية).
تلك العبودية التي تُلقي بك في مهاوي الشقاء؛ حيث تعتقد أنك واجد السعادة.
عبودية تجعلك عاجزاً عن الإحجام أو الإقدام متى أردت، تجعلك مسيّراً في حين تريد أن تكون حراً مخيّراً.
والحياء –بلا شك – جامع الفضائل، و شرف الدنيا، وفوز الآخرة، ذلك أن الحيِيَّ ينأى بنفسه عما يعرّضها لقالة السوء أو يخدش وقارها، ويمسّ هيبتها، وهو أشد حياء من الله، و امتناعاً عن المعاصي. لذلك اقترن الحياء بالإيمان. و في الحديث:
(الحياء و العيّ شعبتان من الإيمان، و البذاء و البيان شعبتان من النفاق).
قال الترمذي (راوي الحديث): وإنما جُعِل الحياء – و هو غريزة – من الإيمان – و هو اكتساب –لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي فصار كالإيمان الذي يقطع بينها وبينه.
و مع كون الحياء غريزة إلا أنه يمكن اكتسابه ككل فضيلة بتعهده حتى ينمو و يثمر سعادة في الدنيا والآخرة، وبممارسة الرياضة السلوكية. ومن هذه الرياضات:
-حفظ اللسان عن المعائب و فضول الكلام.
- الاحتراس من مواطن الشبهات و ضبط التعامل مع الجنس الآخر.
- تعويد النفس غضّ البصر و صمّ الأذنين دون المحرّمات.
- الطفولة وعاء الأدب؛ فعلينا تعويد أبنائنا حسن السلوك منذ طفولتهم في كل حركاتهم و أقوالهم.
و المرء رهينة عادته؛ فمن يتعود المنكر يألفه و يأنس إليه، و من يحمل نفسه على المكرمات تصبح شيمته.
رزقنا الله من الصفات أحسنها، و من الفضائل أجمعها، ونعوذ بالله من شقاوة الجاهلين و تدبير الكائدين. المحب لساندروز: شحادة











..
تعليق