علم النفس والنظرية المحمدية

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • بديع
    عضو جديد
    • Mar 2005
    • 7

    #1

    علم النفس والنظرية المحمدية

    النظرية المحمدية وعلم السلوك


    أن علم السلوك يبحث في كثير من الظواهر السلوكية لدى الإنسان ويقوم بتمحيصها وتحليل اسبابها وبواعثها ومحاولة وضع خطط علاجية لحلها, ومن العلماء المشاهير الذين قضوا وقتا طويلا في بحث السلوك الانساني نذكر العالم النفسي الشهير المدعو (جان بياجية) والذي بحث في سلوك الطفل ومراحل تطوره وتعلمه وفهمه وإدراكه للمحيط . هذا العالم يعد من كبار الخبراء النفسيين الذين بحثوا في التطور السلوكي لدى الأطفال وقد قام بعدة تجارب شهيرة استطاع من خلالها ان يثبت للعالم ان الطفل يمر بمراحل فهم وإدراك متفاوتة تنمو وتتطور مع تقدم عمره.

    فقد قضى جان بياجية حياته في البحث عن كيفيه تعلم الأطفال للأشياء المحيطة بهم وطرق فهمها, وقد استطاع ان يربط بين إدراك الطفل وتعلمه للمحيط وبين عمره الزمني , أي ان الطفل لا يستطيع على سبيل المثال ان يتعلم الكلام قبل ان يصل إلى عامه الأول و إذا كانت هناك محاولات فإنها بالطبع ستبوء بالفشل . كما ويعتقد بياجيه ان الطفل يتعلم عن العالم المحيط به عن طريق ما يسمى بالإدراك التدريجي التابع للفكر.

    لقد توصل جان بياجية بعد أن قضى وقتا طويلا من حياته يبحث في جوانب الطفل السلوكيه إلى ما أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا, حينما ربط لنا إدراك الطفل وفهمه لمحيطه بالعمر الزمني. وان الطفل لا يستطيع ان يكتسب الشيء ويتعلمه إلا حينما يصل نموه ونضجه إلى الزمن المطابق لتعلم هذا الشيء.

    عن عمر بن شعيب,عن أبيه,عن جده رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا , واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بنيهم في المضاجع ". رواه احمد وابو داود والحاكم , وقال : صحيح على شرط مسلم .

    يقول الله تعالى: " وما ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى" .

    (سورة النجم ,4,3).

    ان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , حديث مهم وبه ما يجب التمعن فيه والتفكر مليا إذ يحدد محمد عليه الصلاة السلام فترات زمنيه للتعامل مع الطفل .

    فقوله: " مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا " تحديد للزمن وللوقت المناسب الذي يستطيع فيه الطفل تلقي الأوامر وفهم الأمور.

    لكي نتمكن من فهم هذا الحديث بشكل واضح وأفضل, علينا ان نفهم أولا مراحل النمو النفسي والسلوكي لدى الأطفال في السن المبكرة, أي في مرحلة الرضاعة والمهد حتى سبع سنوات الأولى من عمر الطفل.

    ان مرحلة الرضاعة تتميز بتقليد الطفل لحركات وأفعال الكبار مما يؤدي إلى بداية تعلمه , ومن وجهة نظر علماء النفس ان التقليد يعتبر مستوى جديدا من النشاط العقلي والمعرفي . وفي بداية السنة الثانية يبدأ الطفل باكتشاف المحيط والتعرف عليه عن قرب, كما و يبتكر أشياء جديدة غير مألوفة, وليس فقط مجرد التكرار عن طريق الصدفة كما كان في المراحل الأسبق وإنما يبدأ بنفسه اكتشاف الموضوعات المحيطة به.

    وبذلك يرى الطفل نفسه كمؤثر , وهو يتمسك بمفاهيم معينة للسبب والنتيجة. وكل هذا يتبين لنا حينما نرى طفلنا قد زادت حركته وزادت ضجته ولعبه أو كما نقول نحن " تخريبه للبيت " ان هذا يدل على مدى نمو الطفل من الناحية العقلية والمعرفية.

    وفي منتصف السنة الثانية يبدأ الأطفال بما يطلق عليه بياجية ببدايات التفكير , إذ أنهم يجربون أفعالا معينة " في رؤوسهم " قبل ان يجرونها في الواقع . وهذا ما يسمى بالاختبارات العقلية . هنا علينا ان نشير إلى ان شكل التفكير لدى الأطفال في العامين الأولين عادة ما يكون محدودا للغاية . حيث انه يتعامل فقط حسب مبدأ هنا والآن . أي انه يعيش في عالمه الخاص به ولا يستطيع ان يتعرف على عالمنا الفكري والعقلي. فهو لا يفهم سوى ما يريده هو , وهذا ما أطلق عليه بياجية بالتفكير المتمركز حول الذات أو التمركز الذاتي . بعد ان تمكن العالم النفسي جان بياجية من اكتشاف بان الطفل لا يستطيع ان ينظر من منظورنا إلى الحياة , وذلك بعد مجهود كبير قام به . نجد ان هذه النظرية توصل إليها محمد صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ونيف , إذ نجد في حديثه الشريف :

    روى احمد وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه,عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " من قال لصبي هاك , ثم لم يعطه فهي كذب" .

    في هذا الحديث الشريف يحدد لنا محمد صلى الله عليه وسلم القائل والسامع والنتيجة. فالقائل هو جمع الكبار, لان الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحدث مع الصحابة رضوان الله عليهم. والسامع هو الصبي أي الطفل .أما النتيجة فهي الكذب أي إذا قال الكبير للصغير هاك ولم يعطه فقد كذب , وان قصد المزاح .

    من هنا نجد ان الرسول الكريم أراد ان يوضح للناس ان عالم الطفل هو عالم آخر , غير عالمنا , وان الطفل لا يستطيع ان ينظر بمنظورنا للأمور نحن الكبار , أي يقصد عليه الصلاة والسلام هنا ان تفكير الطفل متمركزا حول ذاته , وانه لا يفهم مقاصد الأمور بل ما نقول ونفعل , وهذا ما يقوله علم النفس الحديث , ان الأطفال الصغار يتعلمون على أفضل نحو من الأنشطة العيانية , وحين نحاول ان ننقل المعرفة عن طريق اللفظ فان النتيجة كثيرا ما تكون فهما سطحيا .

    في كثير من الأبحاث التي قام بها بياجية استطاع ان يربط بين النمو المعرفي لدى الطفل وبين النمو الزمني . فهو يستمر في شرحه لنظريته إلى ان يصل إلى المرحلة الثانية بعد المرحلة التي يطلق عليها اسم " الحس-حركية ".

    والتي تبدأ في نهاية السنة الثانية ويطلق عليها اسم المرحلة العقلية قبل الإجرائية. ففي بداية هذه المرحلة نجد ان الأطفال يبدؤون استخدام اللغة وتنميتها كما ينمون استخدام الإشارات والرموز . ومن المعروف ان اللغة هي دليل على النمو العقلي لدى الأطفال , فبواسطتها يحل مشاكل أكثر تعقيدا وتركيبا .

    وفي هذه المرحلة يبدأ عندهم مبدأ ثبات الأشياء وبقائها دون ان يروها إمامهم.

    في هذه المرحلة بحث بياجية العمليات العقلية لدى الأطفال , فوضع بعض المهام العقلية وعرضها عليهم , ورأى كيف يمكنهم التوصل إلى الحل .

    مثال على ذلك :

    عرض على طفل كأسين كبيرين واسعين من الماء, مملوءين بارتفاع متساوي, وكأس ثالثة طويلة وفارغة.

    ثم بعد ان عرضها على الطفل ,سأله كيف يرى الماء في الكأسين الأولين , فقال الطفل ان الماء متساوي , ولكنه بعد ان سكب احد الكأسين في الكأس الطويلة الفارغة على مرأى من الطفل وسأله أين توجد كمية الماء أكثر فأشار الطفل إلى الكأس الطويلة .

    هنا ومن هذا المثال يشير بياجية إلى ان الطفل فقد الحكم بالثبات والبقاء من الناحية الكمية , أما الطفل الذي يفهم ان اختلاف الحجم قد لا يؤثر على الكم فقد وصل إلى درجة من التفكير الذي يتغلب فيه على الإدراك . ان إدراك الطفل في هذه المرحلة للأشياء يميل إلى ان يكون مقيدا بالسمات السائدة أو الخصائص الغالبة على شكل المثير , ومع ازدياد العمر للوليد البشري ونضج القدرات الإدراكية نرى ان إدراكه يتحرر من اعتماده المبكر على الخصائص المهيمنة والسائدة , بالتالي نجده يستطيع التعامل مع الشكل وينظمه بصورة كلية عامة, وهذا تفسير يمكن ان يلاحظ في الطريقة التي يؤدي بها الطفل عدد من المهام الإدراكية المختلفة . وعلى العموم فان معظم الأطفال ما قبل السادسة أو السابعة لا يفطنون إلى مبدأ الثبات وبقاء الأشياء. من هذا المنطلق يقول بياجية ان الطفل ما قبل المدرسة تنقصه الإمكانية والقدرة على التفكير بشكل منطقي .

    ومن الجدير بالذكر ان تجارب بياجية واختباراته جربت في كثير من دول العالم , وكانت النتيجة مطابقة بشكل مذهل . ومن الاستنتاجات التي استنتجها جان بياجية , هي التفكير المتمركز حول الذات , فالطفل الذي لم يصل إلى السابعة من عمره تسيطر عليه صفة التمركز حول الذات في التفكير والكلام والسلوك . فقد لاحظ ان الأطفال عادة ما يتكلمون مع أنفسهم أكثر مما يفعلونه مع بعضهم البعض. وكلامهم عادة ما يكون مرتبطا بالفعل ولا يكون بمثابة مجهودا يبذله الطفل لهدف الاتصال.

    نأتي بمثال على هذا, طفلين في الثالثة من عمرهما يلعبان سويا وقد دار بينهما حديث:

    - احمد: اشترت لي أمي هذا الحذاء الجديد.

    - علي: هذه اللعبة الخربة! لماذا لا تعمل ؟؟

    أطلق بياجية على هذا النوع من الحديث بالكلام المتمركز حول الذات , وذلك نتيجة التفكير المتمركز حول الذات أيضا الذي تتصف به هذه المرحلة الزمنية.

    يمكن القول ان الأطفال حينما يتواجدون مع بعضهم البعض فان كل طفل يكون كلامه عادة موجه أكثر لنفسه. لذلك نجد ان الطفل حينما يتكلم يستخدم الصيغ التالية: انا اعمل, انا ارسم, انا أكل, انا العب...

    ويشير بياجية إلى ان الطفل الصغير المتمركز حول ذاته لا يمكنه ان يأخذ وجهة نظر الشخص الآخر عندما يختلف معه , ان تفكير الطفل الصغير له نظامه الخاص به , فنحن لا نستطيع ان نفهم الطفل بشكل كلي وذلك لعدم قدرتنا على الارتداد إلى نماذج فكرية ذاتية . وهي تلك النماذج التي تميز تفكير الصغار.

    لذلك قد يساء فهمنا لسلوك الصغار وذلك لاختلاف نظرة الأطفال للعالم المحيط مما هي لدى الراشدين . قد يتأثر الطفل الصغير ويصدم حينما لا يستطيع ان يشارك دميته في ردود فعلها . وذلك لاعتقاده ان دميته جزء من نفسه. ومن المميزات التي تميز تفكير الطفل في هذه المرحلة , هي صفة الإحيائية أو الارواحية وهي نسب الحياة لأشياء الغير حية. أو يعتقد بان لكل شيء في الطبيعة روحا أو نفسا, كان يظن ان دميته تشعر بالألم والبرد كما يشعر هو بذلك . أي ان الأشياء تشعر وتجد ما يشعر به هو , فقد نسمع حديث طفلين :

    - احمد: لماذا أنت ممسك بساقك ؟

    - علي : لأنني عندي ألم في إصبعي !

    - احمد : هل تؤلمك كثيرا ؟

    - علي : نعم أنها تؤلمني , ألا تشعر بها ؟!

    ونتيجة ان الأطفال الصغار ليس لديهم مبدأ الثبات ان كانت الكمية أو العدد فإننا نجدهم يعتقدون ان الحياة والموت شيء واحد , فطفل الثالثة والرابعة لا يفهم الموت ولا يعني له هذا ان الحياة تنتهي , وذلك يعود إلى ان الطفل يظن ان الحياة هي صفة ثابتة ودائمة للأشياء مثل صلابتها أو ألوانها. ونورد هنا حديث يدور بين احد الأخصائيين وطفل في الثالثة والنصف من عمره :

    الطفل: لماذا تدفن الأموات تحت الأرض ؟

    الأخصائي: أين تعتقد بأنهم يجب ان يدفنون ؟

    الطفل : من الممكن وضعهم في النفاية!

    الأخصائي: لماذا يمكن وضعهم في النفاية ؟

    الطفل: من الأسهل عليهم ان يخرجوا.

    وعندما يقترب الطفل من سن السادسة أو السابعة , يبدأ في تكوين مفهوم ان الموت هو نهاية الحياة بالمعنى المادي أو الفسيولوجي . ما نريد ان نتوصل أليه هو ان جميع العمليات الفكرية والعقلية لدى الأطفال تنمو مع نموه الزمني, أي أننا لا نستطيع ان نعلم طفلا شيئا ما وهو لم يصل بعد إلى النضج الذي يسمح له بتعلم هذا الشيء. لذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعا ".

    وهنا لم يشر محمد صلى الله عليه وسلم إلى المرحلة الزمنية عبثا , بل كان متيقنا اشد اليقين بان للنضوج العمري وللمراحل الزمنية في عمر الطفل أهمية كبرى في فهم الأمور وتعلمها .

    من هنا نرى انه يوجد تطابق عجيب بين جميع الأبحاث في علم السلوك في هذا المجال وبين " النظرية المحمدية " إذ ان كل ما قام به العالم النفسي جان بياجية من أبحاث وتجارب كي يصل إلى ان الطفل يمر بمراحل زمنية مختلفة ينمي فيها العقل والمعرفة والاستعداد للتعلم , وان الطفل يخرج من صيغة التفكير المتمركز حول الذات في سن السابعة , والتي فيها يمكنه تقبل وجهة نظر الغير . استطاع محمد صلى الله عليه وسلم ان يحدد هذا ويعلمه قبل أربعة عشر قرنا ونيف , وقد حدد محمد صلى الله عليه وسلم العمر الزمني بالتمام والدقة المتناهية في خروج الطفل من تمركزه في تفكيره إلى فهم قصد الآخرين , لذا يمكنه فهم ما تعني الصلاة , ويمكنه استيعابها . وصدق عز وجل حينما قال: " إن هو إلا وحي يوحى".(النجم,4).

    ويكمل محمد عليه الصلاة و السلام.. “, اضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا " ويعود أيضا ليحدد الفترة الزمنية التي يمكن فيها الطفل تلقي العقاب وفهم معناه.

    " ..وفرقوا بينهم في المضاجع ." هنا يدخل عليه الصلاة والسلام في الحياة العقلية والمعرفية والجنسية للطفل فيأمر بتفريق الذكر عن الأنثى في هذا الجيل. ولكي نعلم مدى صحة هذا التحديد علينا ان نربط ما قاله عليه الصلاة والسلام وما أثبته خبراء علم النفس فيعصرنا الحديث عن السلوك البشري.

    أما بالنسبة للقسم الذي حدد فيه محمد عليه الصلاة والسلام سن العاشرة للضرب والعقاب , فيقصد هنا بالضرب والعقاب" الذي يهدف إلى الردع وتقويم السلوك وذلك ما يطلق عليه كبار علماء النفس باسم " العقاب " ضمن نظرية واسعة في علم السلوك يطلق عليها نظرية " الثواب والعقاب". لفهم هذه المرحلة علينا التعرف على المرحلة الزمنية ما بين 9-12 سنة والتي يطلق عليها اسم : " الطفولة المتأخرة " ويطلق عليها أيضا اسم مرحلة " قبيل المراهقة".

    في هذه المرحلة يصبح سلوك الطفل أكثر جدية ويميز هذه المرحلة تعلم المهارات اللازمة لشؤون الحياة وتعلم المعايير الخلقية والقيم والاستعداد لتحمل المسؤولية وضبط الانفعالات وهذا يكون إعدادا لمرحلة المراهقة . ويعتبر علماء النفس ان هذه المرحلة هي من انسب المراحل لعملية التطبيع الاجتماعي ,كما ويلاحظ أيضا نمو الضمير والرقابة الذاتية على السلوك. وفي هذه المرحلة يستمر التفكير المجرد في النمو ويستطيع ان يقوم بالتفسيرات بدرجة أفضل من قبل, ويستطيع ان يلاحظ الفروق الفردية . كما ويزداد مدى الانتباه وتزداد القدرة على التركيز وتتطور الذاكرة ويصبح بمقدوره التذكر عن طريق الفهم . ويثبت الخبراء ان الطفل بحاجة إلى تقبل السلطة لأنه يحتاج إليها, فسلوكه وتصرفاته ما زالت غير ناضجة وخبراته فجة, ولا بد ان نراعي حزمنا مع أطفالنا وان تكون معاملتنا حنونة وهي حازمة. كما وعلينا ان نراعي أيضا نقطة هامة جدا , والتي شدد عليها الخبراء في الصحة النفسية , ألا وهي عدم استخدام العقاب بمفرده كوسيلة للتعليم وإنما يجب ان يكون هناك أيضا الثواب , وكي نفهم هذا بصورة أوضح علينا ان نتطرق لقانون الثواب والعقاب في علم السلوك. لقد اهتم جمع كبير من علماء النفس بقضية الثواب والعقاب وكانت هناك عدة بحوث تجريبية في هذا الموضوع وكانت النتيجة كالأتي : ان الثواب أقوى وأبقى أثرا من العقاب في عملية التعلم وان المدح اقوي أثرا من الذم بوجه عام. وذلك يعني انه إذا ارتكب طفل ذنب ما, وعاقبناه ( ليس جسديا ) يجب علينا ان نثيبه عندما يقوم بجهد أو عمل طيب. أي ان العملية تداولية وليست تقتصر على العقاب أو الثواب. وقد توصل العالم النفسي الشهير ثورندايك وغيره إلى ان اثر الجزاء – ثوابا كان أم عقاب – يبلغ أقصاه حين يعقب السلوك مباشرة , ولكن أثره يضعف كلما طالت الفترة بينه وبين السلوك . ولكي يكون الجزاء مثمرا وذو نتيجة يجب ان يكون عاجلا ومباشرا , أي حينما يقوم الطفل بعمل جيد نثيبه مباشرة لفظيا كان أم عمليا , وان أذنب علينا ان نعاقبه ( ليس جسديا ) مباشرة حتى يكون الجزاء مثمرا. ان العقاب المعتدل المعقول ( ليس جسديا ) مدعاة في كثير من الأحيان إلى اخذ الحيطة والحذر وتجنب الأخطاء . أما العقاب الجسدي القاسي والذي يجرح كبرياء الطفل أو الذي يأخذ شكل التوبيخ العلني فهو ذو نتائج سلبية ودون فائدة, بل ويزيد من الأضرار النفسية كالكراهية, والشعور بالنقص وفقدان الثقة بالنفس والخجل. كما وان العقاب الشديد يعيق العملية التعليمة بدل من المساعدة عليها.

    لذلك حينما قال محمد عليه الصلاة والسلام : " واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا " , كان يقصد الضرب الخفيف أي العقاب المعتدل , وقد أمر بذلك فقط حينما يصل الطفل إلى سن العاشرة وليس قبل ذلك , أي لا يجوز لك ضرب طفلك (الشيء الخفيف) قبل بلوغه العاشرة , وذلك لان جميع العمليات العقلية والمعرفية تكون قد تطورت أكثر وان المبنى الجسدي أصبح أكثر تحملا . وبما ان هذه المرحلة العمرية والتي تسمى " قبيل المراهقة " هي مرحلة مهمة , إذ ان الفترة التي تأتي بعدها هي المراهقة , والمراهقة فترة حرجة في حياة الإنسان إذ يقول عالم السلوك الشهير اريكسون , ان التغيير الجوهري في مرحلة المراهقة هو الإحساس بالهوية فان تكتلت عليه المشاكل يحدث عنده ما يسمى بتشتت الدور , أي لا يعرف ماذا يريد و إلى أين يسعى . لكن إذا تمكن المراهق من التوفيق بين الأدوار المختلفة والمتنوعة , والقدرات والقيم , وإمكانه إدراك استمراريتها في الماضي والمستقبل فان إحساس الهوية لن يفسح المجال لظهور تشتت الدور . لذا فان محاولة أعداد الطفل وتعليمه بشيء من السلطة يعطي الطفل الإحساس بالمسؤولية وان الحياة ليست فوضى وإنما هناك ما يجب فعله وهناك ما يجب الابتعاد عنه . هذا الأمر يؤدي إلى أعداد الطفل لمرحلة المراهقة وهي المرحلة التي يبدأ فيها بالتقرب إلى عالم الراشدين والشعور بالمسؤولية وتوسع أبواب الحياة عليه ودخول عالم اكبر وأوسع , لذلك كان يجب عليه ان يعلم ان الحياة ليست كلها ثواب وإنما هناك شيء من العقاب, إن نحن تمادينا في اللامبالاة وعدم الاكتراث .

    أما الجزء الأخير من الحديث وهو " فرقوا بينهم في المضاجع " فنابع من تطور النمو الجنسي في هذه الفترة من العمر والتي يطلق عليها اسم مرحلة ما قبل البلوغ الجنسي 9-12 سنة , وتعد تحولا من حالة الكمون الجنسي إلى حالة النشاط الجنسي والذي يبدأ مع مرحلة البلوغ. وبما ان هذه المرحلة هي مرحلة انتقالية وتحولية ,فعلى الإباء ان يعدوا أطفالهم لاستقبال البلوغ وذلك ببعض المعلومات والتوجيهات. فعندما يصل الأطفال إلى سن العاشرة والحادية عشر نجد ان لديهم حب استطلاع شديد عن النواحي التشريحية الجنسيةوالفسيولوجية والحمل والولادة والأمراض التناسلية . ان من الملاحظ ان ميلهم إلى الأمور الجنسية في هذه المرحلة يزداد , إذ ان ما يميز هذه الفترة هو الميل إلى الأمور الجنسية والتعرف عليها والعبث بها وهذا جعله الله تعالى ليكون تمهيدا لمرحلة البلوغ والتي يمكن ان تحدث فيها عملية الزواج. كما وان الانتباه في هذه المرحلة يزداد وتزداد دقته , الأمر الذي يساعده على إدراك الاختلاف بين الأشياء وإدراك الشبه أيضا بينها. نتيجة لهذا فانه يستطيع ان يقدم تفسيرا بسيطا للأمور , وهذه صورة راقية من التفكير لم نكن نلحظها في المراحل السابقة من النمو . لذا, قال محمدا عليه الصلاة والسلام :

    ".. وفرقوا بينهم في المضاجع" وصدق الله العظيم حينما قال: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " (الأحزاب,21).

    [email protected]

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...