ما وفيتها حقها :
غربة والدين ، لعبد الله العبادة .
من بره بها . يحاول جاهداً أن يحقق لها ما تريد . اقتربت من الهزيع الأخير من العمر . استسلمت قدماها للكبر . فعجزت أن تحملها . ذبلت قواها . قلبها لا يزال قوياً . فهو يحبها . يحنو عليها . يقبلها ، صباح … مساء . فكرت راودت خيالها .. يا لروعتها لو تحققت . ترى هل تتحقق . لا تقوى على الكلام حتى تبوح بها . بريق عينيها على غير العادة . هو يعرفها جيداً رحلة عمر معها . ترى ماذا تريد ؟ وما هذا البريق في عينيها ؟ ماذا تريدين ؟. ماذا تشتهين ؟. لقد حيرني هذا البريق في عينيك . قالت في قلبها . أنت طيب القلب يا مهجة عمري . أشارت بيدها إلى هناك . إلى بعيد .. بعيد جداً . ترى هل يستطيع أن يحقق طلبها . أقسم عليها أن تخبره . لعله أن يحقق لها أمنية قبل الرحيل . الظمأ إلى تلك البقاع . يلهب ذلك القلب الرقيق . والحنين يشدها إلى هناك . إلى مراتع الأحبة والحبيبات . آه يا أماه . ما أروعك . إلى هناك مرة واحدة ؟ يا لعزيمتك . وكيف الوصول إليها ؟ وبيننا وبينها جبال وأودية وصحاري وقفار . ومفازة يصعب قطعها . ليس لدينا ما ينقلنا أو يبلغنا . لكن الأمل . بالواحد الديان . الذي جعلك أماً لي رحومة وعطوفة . والذي وفقني لأبرك . أسأله أن يمنحني القوة . أن أرد لك شيئاً من حقك . ومن حقك علي أن أحقق لك هذه الأمنية . وسأجعلك تشربين من الماء العذب . الذي نبع بين قدمي ابن الخليل . وستمشين في ذلك المكان الطاهر . الذي مشت عليه أم ابن الخليل . فيا رب عونك . ويا رب قوتك . يوم الرحيل . الزاد قليل . والإيمان كالجبال . الراحلة .
وما الراحلة . إنها … إنها كتفاه ـ لا تستغرب ـ " هذا شيء من الثمن يا أخي " . ولكن يا لبعد المسافة . وطول الطريق تدلت قدماها من فوق كتفيه . تحطه الوهاد . وتقله القفار . يصعد الثنايا . ويهبط الأودية . ينام ويقوم . يتعب … يتذكر أمنيتها قبل الرحيل . ترى هل ستصل إلى هناك ؟ صحراء بعد صحراء .. ليل بعد نهار . سراب يخدع النظر . نهشه الجوع والبرد . وقدماها تتدلى من فوق كتفيه . تداعب أحاسيسه الأماني . يا ترى … هل سأوفيها حقها قبل الرحيل . أوه يا لها من أمنية ويا لهذا الجبل ما أعلاه . يا رب عونك ومددك . مشارف أم القرى . تلوح بين السراب من خلف الجبال . رائحة زمزم تعطر السماء . ومسك الحجر الأسود يعبق صخور الجبال . ومشارف البيت العتيق تطل على الدنيا . يا لروعة البيت . كم نحبك ونجلك . كم أنت في قلوبنا . لكي أن تفرحي يا أماه . ستكتحل عيناك برؤية الكعبة . وستشربين من زمزمها . وستنامين في بطحائها . المسلمون في البيت يطوفون . يوحدون الله . يدعونه ويلبونه . زحام شديد على الحجر . بين ألوف الناس . قدماها تتدلى من فوق كتفيه . هذا الحجر يا أماه . وهذا زمزم يا أمه نحن عند المقام يا أماه . هنا صلى المصطفى r حينما كان وحيداً يدعو . وهنا صلى محفوفاً بأصحابه بعدما فتح مكة منتصراً . السؤال وسط الزحام يلح عليه مرة أخرى . ترى هل وفيتها حقها ؟ على كتفي من اليمن . على كتفي بين الشعاب والأودية . على كتفي في هجير الصيف . ولهيب الشمس . وعلى كتفي بين الصفا والمروة . على كتفي عند المقام . على كتفي عند الحجر . وسط الزحام . على كتفي تستيقظ وتنام . السؤال مرة أخرى . ترى هل وفيناها حقها ؟ من يريح النفس بالجواب . وأسألك يا رب أن تجزل لنا الثواب . زحام … زحام . عند الحجر والمقام . من هذا يكون ؟ من هذا الرجل ؟ الله أكبر يا لهذا الوقار . يا لهذه السكينة سأل أحدهم بجواره . من يكون ؟ من يكون ؟ نعم … الله أكبر . هذا الذي سيريح النفس بالجواب . هذا العالم … هذا الحجة . سيقول فصل الخطاب . نعم . وكيف لا … إنه ابن الذي يفر الشيطان منه . ابن الذي نزل القرآن موافقاً لرأيه . ابن الذي لا تأخذه في الله لومة لائم . ابن الذي فرق الله بإسلامه بين الحق والباطل . ابن الذي كان سهماً مصلتاً على المنافقين . ابن الذي يحب الله ورسوله . فقد شرب هذا الابن من أبيه .شرب علمه . شرب زهده . شرب تقواه . شرب محبة الله ورسوله r . فقد كان مقتفياً لآثار رسول الله r . إذاً هو حجة في العلم . كيف لا وهو صاحب السلسلة الذهبية في الحديث . فمنه يؤخذ العلم . إذاً فتواه حجة . يا ترى من هو ؟ إنه ابن الفاروق عمر . يا ابن الفاروق سلام الله عليك . هذه أمي .. إلى البيت العتيق . على ظهري من اليمن . هل وفيتها حقها ؟؟ يرقب شفتيه بكل اهتمام . لعله يقول ما يوافق هواه . أو لعله … يا ابن الفاروق . أجبني …؟. ابن عمر يقول : ولا طلقة واحدة من طلق الولادة . قال المولى جل وعز وتبارك :] حملته أمه وهناً على وهن [(1) : سورة لقمان الآية "14".
مع تحياتي
عصام زايد





تعليق