كرم الصحابة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • عصام زايد
    مستشار ساندروز
    • Jul 2004
    • 10571

    #1

    كرم الصحابة

    كرم الصحابة .
    أمر المأمون بإحضار العباس صاحب الشرطة ببغداد ، وبين يديه رجل مكبل بالحديد ، فلما حضر قال : يا عباس ، خذ هذه إليك واستوثق به ولا يفوتنك ، وبكر به واحذره كل الحذر . قال العباس : فدعوت جماعة حملوه ، ولم يقدر يتحرك ، فقلت في نفسي : مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجب أن يكون معي إلا في بيتي ، ثم سألته عن قصته وحاله ، من أين هو ؟ فقال : من دمشق فقلت : جزى الله دمشق وأهلها خيراً ! ، فمن أنت من أهلها ؟ قال : لا تزيد أن تسألني ! فقلت له : أتعرف فلاناً ؟ ، فقال : ومن أين عرفت ذلك الرجل ؟ ، فقلت كانت لي قصة معه ، فقال : ما أنا بمعرّفك خبره أو تعرفني قصتك ! ، فقلت : ويحك كنت مع بعض الولاة بها ، فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي أن يدلي في زنبيل من قصر الحجاج ، وهرب هو وجميع أصحابه ، وهربت فيمن هرب ، فإني لفي بعض الطريق إذ جماعة يعدون خلفي ، فما زلت أحاضرهم(1) : أحاضرهم : لعله من الحضر ، وهو العدو . حتى مررت على هذا
    الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره ، فقلت : أغثني أغاثك الله ! فقال : لا بأس عليك ادخل الدار ، فدخلت فقالت لي امرأته : ادخل الحجلة(1) : الحجلة : بيت يزين بالثياب والأسرة والستور . فدخلتها ، وأتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به وهم معه يقولون : هو والله عندك ! فقال : دونكم الدار ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه ، فقالوا : هاهنا فصاحت المرأة وانتهرتهم فانصرفوا ، وخرج الرجال فجلس على باب داره ساعة وأنا قائم في الحجلة خائفاً ، فقات المرأة : اجلس لا بأس عليك ، فلم ألبث أن دخل الرجل وقال : لا تخف فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى ، فقلت له : جزاك الله عني خيراً ! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة واجملها ، ولا يفتر من القصف والأكل والشرب والفرح أربعة أشهر ، إلى أن سكنت الفتنة وهدأت ، فقلت له : أتأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني ومنزلي ، فعلي أن أقف لهم على اثر أو خبر ! فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه ، فخرجت وطلبت غلماني ، فلم أر لهم أثراً فرجعت إليه وأعلمته بالخبر ، وهو مع هذا لا يعرفني ولا يعرف اسمي ، ولا يخاطبني بغير الكنية ، ثم قال لي : ما تعتزم ؟ فقلت : قد عزمت على الشخوص إلى بغداد ، فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام ، وقد تفضلت علي هذه المدة ، فأسألك أن تعطيني ما أنفقه في طريقي وما ألبسه فقال : يصنع الله عز وجل . ثم قال لغلام له أسود : أنعل(1) : أنعل : الدابة : ألبس حافرها النعل ، الفرس الفلاني ، وتقدم إلى من في منزله بإعداد السفر ، فقلت في نفسي : ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له ، أو ناحية من النواحي ، فوقعوا يومهم ذلك في تعب وكد ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السّحَر وقال : يا أبا فلان ، قم فإن القافلة تخرج الساعة ، وأكره أن تنفرد عنها ، فقلت في نفسي : ما أعطاني شيئاً مما سألته ، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إلي خفاتين(2) : الخفاتيبن : جمع خفتان ، وهو صدرية تلبس تحت الدرع " فارسي "، مقطوعة جدداً ورانات وآلة السفر ، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ، ثم قدم البغل ، فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ، ودفع إلي نسخة بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم ، وقدم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه ، وقال لي : اركب ، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك ، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما في أمري ، وركب معي فشيعني ، وانصرفت عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى مكان . فلما سمع الرجل الحديث قال : قد أتاك الله عز وجل بمن تريد مكافأته بلا مؤونة عليك ، فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أنا والله ذلك الرجل ، ثم قال لي : ما أثبتك(1) : ما أثبتك : أي ما عرفتك حق المعرفة ، فتعرف إلي ! وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إلي حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبلت رأسه ، وقلت له : ما الذي أصارك إلى هذا ؟ فقال : هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك ، فنسبت إلي وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد ، وحملت إليه ، وأمري عنده غليظ جداً ، وهو قاتلي لا محالة ، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية ، وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى منزلي بخبري ، وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر فأتقدم إليه بما أريد ، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي ! قال : فقال العباس : يصنع الله ! ثم قال : علي بحداد فأتوا به ، فحل قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال ، ودعا بالحجام فأحضره وأخذ من شعره ثم قال : علي بمولاه ، فأنفذ في طلبه من يحضره . قال الرجل : فلما أخذ شعري أدخلني الحمام فطرح علي من ثيابه ما اكتفيت به ، ثم حضر مولاي وقعد يبكي ، فقال العباس : علي بفرسي الفلاني والفرس الفلاني البغل الفلاني حتى عد عشراً ، ثم قال : علي من الصناديق والكسوة بكذا ، ومن صناديق الطعام بكذا ، ثم أمر لي بيدرة فيها عشرة آلاف درهم ، وكيس فيه خمسة آلاف دينار ، وقال لصاحب شرطته : خذه واعبر به إلى جسر الأنبار . فقلت له : إن أمري غليظ ، وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه ، فأرد
    واقتل فقال : أنج بنفسك ودعني أدبر أمري ، فقلت : والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك فإن احتجت إلى حضوري حضرت ، فقال لصاحب الشرطة : إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا ، فإن سلمت في غداة غد فسبيل المحبة ، وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه ، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئاً قيمته درهم ، وتخلصه حتى تخرجه من بغداد . قال الرجل : فأخذني صاحب الشرطة ، فصيرني في مكان يثق به ، وتفرغ العباس لنفسه واغتسل وتحنط وتكفن . قال العباس : فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر ، وقالوا : أمير المؤمنين يقول : هات الرجل ، فسكت وأتيت الدار ، وإذا أمير المؤمنين جالس ، عليه ثيابه أمام فراشه فقال : الرجل ! فسكت ، فقال : ويحك ! الرجل ! فقلت يا أمير المؤمنين ، اسمع مني فقال : أعطي الله عهداً لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك ، فقلت : لا والله ما هرب ، فاسمع مني حديثي وحديثه ، ثم أنت أعلم بما تفعله في أمرنا ، قال : قل . فقلت : يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كذا وكذا .. وقصصت عليه القصة ، وعرفته أني كنت أريد مكافأته ، فشغلت عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته ، وعبرت به جسر الأنبار ، وقلت : أنا من سيدي أمير المؤمنين بين أمرين : إما صفح عني ، وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما وقاني بنفسه ، فلما سمع المأمون الحديث قال : ويحك ! لا جزاك الله خيراً عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحر ! إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة ، وتكافئه بعد المعرفة بهذا ! لم لا عرفتني خبره ، فكنت أكافئه عنك ! فقلت : يا أمير المؤمنين : إنه والله إلى حضوره حضر ، قال : وهذه والله من أعظم من الأولى ، فاذهب إليه وطيب نفسه ، وسكن روعه ، وتعبر به إلي حتى أتولى مكافأته عنك . فصرت إليه وقلت : ليسكن روعك ، إن أمير المؤمنين ، قال : كيت وكيت فقال : الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء غيره ، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ، ثم جئنا . فلما مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه ، وآنسه وحدثه حتى حضر الغداء ، ثم قال : الطعام ، فأكل معه ، وخلع عليه ، وعرض عليه أعمال دمشق ، فاستعفاه ، ثم قال المأمون : علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها ، وعشرة بغال بجميع آلاتها ، وبعشرة بدر ، وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلاتهم ، فدفع ذلك إليه ، وكتب إلى عامله بالوصاية عليه ، وأوغر(1) : أوغر خراجه : أي أسقط الخراج . وكتب إلى صاحب البريد أن ينفذ كتبه ، وصرفه إلي . قال العباس : فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي المأمون : يا عباس ، هذا كتاب صديقك .

    مع تحياتي
    عصام زايد
    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية
  • بنت الشام
    عضو متميز
    • May 2004
    • 7817

    #2
    الرد: كرم الصحابة

    الاخ عصام
    تسلم دياتك ويعطيك الف عافية
    مشاركة رائعة

    تعليق

    • عصام زايد
      مستشار ساندروز
      • Jul 2004
      • 10571

      #3
      الرد: كرم الصحابة

      الاخت العزيزة والغالية بنت الشام
      تحياتي لك
      والف الف شكر لك على كلامك الجميل
      ومرورك الكريم على صفحاتي
      لك خالص مودتي
      عصام زايد
      مع تحياتي

      عصام زايد

      ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

      ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

      للاطلاع على كل ما هو جديد
      زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

      تعليق

      • H@$$@N
        عضو متميز
        • Jul 2004
        • 5562

        #4
        الرد: كرم الصحابة

        السلام عليكم :
        عزيزي عصام زايد ، أشكرك جزيلا على المقتطفات التاريخية التي اتحفتنا بها ، واتمنى لك التوفيق من كل قلبي .
        خلينا نشوفك ,,,,,,,,,

        تعليق

        • عصام زايد
          مستشار ساندروز
          • Jul 2004
          • 10571

          #5
          الرد: كرم الصحابة

          اخي العزيز عربي فدائي اسمر
          تحياتي لك
          والف شكر لك لردك الجميل الذي غمرتني به
          اشكرك
          على تواصلك معي
          لك تحياتي

          عصام زايد
          مع تحياتي

          عصام زايد

          ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

          ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

          للاطلاع على كل ما هو جديد
          زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

          تعليق

          • زمن الغربة
            عضو بارز
            • Nov 2004
            • 1486

            #6
            الرد: كرم الصحابة

            دائما عزيزنا عصام تأتينا بالمفيد الجديد



            تحياتي يا غالي على الموضوع الرائع
            زمـــن الغربـــة

            تعليق

            • عصام زايد
              مستشار ساندروز
              • Jul 2004
              • 10571

              #7
              الرد: كرم الصحابة

              الاخ العزيز زمن الغربة
              تحياتي لك
              الف الف مبروك لك فوزك بالمسابقة
              ومن نجاح الى نجاح اخر
              واشكرك على مرورك الكريم الذي اسعدني
              لك تحياتي
              عصام زايد
              مع تحياتي

              عصام زايد

              ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

              ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

              للاطلاع على كل ما هو جديد
              زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

              تعليق

              مواضيع مرتبطة

              Collapse

              جاري العمل...