سعادة مسروقة :
نظرت إلى وجهها في المرآة .. بدا لها وجهاً غريباً لم تعرفه من قبل .. أمعنت النظر ثانية فبدأت تتعرف إليه شيئاً فشيئاً!! لابد أن وجهها الذي عاشرته أربعين سنة .. إلا أنه قد خلا من حمرة العافية ورونق الشباب !! إنهما عيناها الواسعتان إلا أنهما خاليتان من تألق الصحة وبريق الحيوية .. ومضت في رأسها فكرة .. جعلت بصيص العافية يتسرب إلى وجنتيها بعد مرض أقعدها في السرير شهرين متتالين .. تنهدت طويلاً وقالت : ما أجمل العافية نستردها بعد حين .. وما أقسى المرض .. إنه محنة إلهية !! فكرت قليلاً ثم قالت .. لا .. بل هو منحة إلهية .. تجعل الإنسان يعرف قيمة الصحة ، كما يعرف قيمة الناس من حوله .. وقيمة نفسه لديهم .. تجعله يدرك ومن حوله أهمية الدور الذي تخلى عنه أثناء مرضه .. تنهدت في سريرها وقالت : يا إلهي .. ما أكثرها الأدوار التي يجب علينا أن نؤديها في هذه الحياة !!. دورها اليوم صعب وشاق .. إلا أنه ممتع أضاء في نفسها بصيصاً من السعادة .. عليها اليوم أن تخرج من المنزل ولأول مرة بعد مرضها الطويل لتصطحب أولادها إلى مدينة الملاهي !! لقد وعدتهم بذلك طويلاً .. كانت تصف لهم وهي على سريرها رحلة السعادة تلك .. كيف ستجعل كل واحد منهم يمتطي ما يشاء من ألعاب ويشتري ما يرغب من أشياء .. ويجرب ما لم يجرب من أفانين الألعاب في تلك المدينة الكبيرة !! لم تكن تلك المرة الأولى التي تصحبهم بها إلى الملاهي .. إلا أنها ظلت ترسم لهم ألواناً من السعادة لم يتذوقوها من قبل .. وكأنها كانت ترسم لنفسها عمراً مليئاً بالصحة والعافية والسعادة .. – أصوات أولادها تضج بالغرفة .. – هيا .. هيا يا أمي .. لقد تأخرنا .. وبعد دقائق معدودة حسبوها دهراً .. كانوا حيث يريدون .. أطفال كثيرة .. تقفز من هنا إلى هناك ، ومن لعبة إلى أخرى .. أصواتهم تملأ الدنيا فرحاً وسروراً .. عيونهم تلتهم كل لعبة .. وتطلب المزيد والمزيد .. مئات من الريالات دفعتها لتلك الموظفة المستقرة خلف النافذة .. لم تكن وحدها التي تدفع .. بل كل الأمهات .. كل ابتسامة ترسم على وجه طفل في هذه المدينة المتحضرة قد دفع ثمنها غالياً !! تساءلت .. ترى لماذا لم يجد أطفالنا السعادة في حياتهم العادية ؟ أو بين أحضان الطبيعة ؟ أو في مكان آخر ؟؟ أعياها الجواب .. أصر أولادها على أن تشاركهم هذه اللعبة .. وحين اعتذرت بأنها مريضة قالوا لها : كفاك دلالاً يا أمي .. ألم ننته من المرض بعد .. وجدت نفسها مدفوعة إلى تلك اللعبة الضخمة الدائرية .. والتي تجعلها في لحظات ترتفع إلى أعالي السماء .. ثم تهبط فيها بسرعة كصاعقة عمياء !! يا إلهي !! كيف استطاع صغارها أن يجبروها على عمل لم تكن لتطيقه وهي في كامل صحتها !! فكيف تطيقه اليوم !! حين وصلت وأولادها قمة السماء .. توقفت الآلة عن الدوران ربما لتلتقم مجموعة جديدة من الأطفال .. نظرت إلى الأسفل بخوف شديد وقالت في سرها : سبحان الله .. لقد من الله علي بالعافية وأبعد عني شبح موت مؤكد ، فكيف آتيه اليوم بنفسي ومشياً على قدمي !! لا تزال المركبة متوقفة .. نظرت إلى الأرض من جديد وتمتمت بصوت لا يكاد يسمع : يا للسخافة .. ما أحقرها من ميتة لو سقطت الآن !! فجأة خطر ببالها قول الشاعر العظيم : فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم !! ضحكت بسخرية .. وبصوت مسموع .. فقالت لها صغيرتها : - أنت تضحكين
يا أمي !! إذن أنت سعيدة .. ونحن أيضاً سعداء بك . حين وضعت قدميها على الأرض عاودها شعور بالأمن .. حمدت الله بصوت مسموع ، فضحك أولادها ساخرين .. ثم تغامزوا قائلين : يا لها من أم شجاعة !1 منظر مؤلم سرق منهم سعادتهم .. وأحال ضحكاتهم الرنانة إلى سكون ووجوم .. إنهم مجموعة من الأطفال المعوقين .. جاءوا محمولين ينشدون السعادة في مدينة الملاهي !! جاءوا بعرباتهم وممرضاتهم وعاهاتهم .. منظرهم سرق من قلبها ومن قلب أولادها كل سعادة .. شعرت بآلام جديدة قد نسيتها من أيام .ز طلبت من أولادها أن تجلس فتحلقوا حولها جامدين ، وقد تسمرت أبصارهم نحو الأطفال المعوقين .. عيونهم ترسم الحيرة والألم والشفقة والعذاب .. كان عليها أن تعمل شيئاً لتعيد لهم سعادتهم المسروقة !1 أخرجت مائة ريال جديدة .. واشترت لهم بطاقات كثيرة .. عادوا إلى اللعب من جديد .. وهي جالسة في مكانها يصارعها ألمان .. ألم يعتصر قلبها وألم يلف جسدها المتعب !! ولقد حان وقت الرحيل ضمت أولادها بين جناحيها واتجهت نحو الباب الخارجي .. نظرت إلى وجههم المنضرة بحمرة العافية فتسربت أنوار جديدة من السعادة إلى قلبها .. لقد استطاعت أن تقدم لهم اليوم شيئاً افتقدوه منذ مرضها .. وفجأة .. وهم أمام الباب الخارجي تسمروا جميعاً أمام صورة مؤلمة .. إنها صورة كبيرة ملونة لأطفال أبرياء من مسلمي البوسنة والشيشان .. دماؤهم تسيل ، ودموعهم تتفجر .. وأكبادهم تتفطر ، وإلى جانبهم جثث أهليهم في مقبرة جماعية .. لوحة دامية كبيرة مثبتة فوق باب الخروج من الملاهي .. وقد كتب فوقها : تبرعوا لأطفال المسلمين .. وإلى جانبها صندوق حديدي مقفل .ز فتحت الأم محفظتها ووضعت آخر ما بقي فيها من ريالات .. قالت بصوت مسموع جعل جميع من حولها ينظرون إليها .. : كان عليهم أن يضعوا هذه الصورة فوق باب الدخول !!! كيف نستطيع أن نسرق لحظات من السعادة وفي دنيانا أمثال هؤلاء !! دموع حارة تراقصت في عينيها .. شاركتها في البكاء عيون أطفالها الصغيرة البريئة .. عاودها الألم يحاصرها من جديد .ز شدت قبضة يدها الممسكة بأولادها .. ثم خرجوا وقد شيعوا سعادتهم المسروقة على أبواب الملاهي.
مع خلص تحياتي
عصام زايد
نظرت إلى وجهها في المرآة .. بدا لها وجهاً غريباً لم تعرفه من قبل .. أمعنت النظر ثانية فبدأت تتعرف إليه شيئاً فشيئاً!! لابد أن وجهها الذي عاشرته أربعين سنة .. إلا أنه قد خلا من حمرة العافية ورونق الشباب !! إنهما عيناها الواسعتان إلا أنهما خاليتان من تألق الصحة وبريق الحيوية .. ومضت في رأسها فكرة .. جعلت بصيص العافية يتسرب إلى وجنتيها بعد مرض أقعدها في السرير شهرين متتالين .. تنهدت طويلاً وقالت : ما أجمل العافية نستردها بعد حين .. وما أقسى المرض .. إنه محنة إلهية !! فكرت قليلاً ثم قالت .. لا .. بل هو منحة إلهية .. تجعل الإنسان يعرف قيمة الصحة ، كما يعرف قيمة الناس من حوله .. وقيمة نفسه لديهم .. تجعله يدرك ومن حوله أهمية الدور الذي تخلى عنه أثناء مرضه .. تنهدت في سريرها وقالت : يا إلهي .. ما أكثرها الأدوار التي يجب علينا أن نؤديها في هذه الحياة !!. دورها اليوم صعب وشاق .. إلا أنه ممتع أضاء في نفسها بصيصاً من السعادة .. عليها اليوم أن تخرج من المنزل ولأول مرة بعد مرضها الطويل لتصطحب أولادها إلى مدينة الملاهي !! لقد وعدتهم بذلك طويلاً .. كانت تصف لهم وهي على سريرها رحلة السعادة تلك .. كيف ستجعل كل واحد منهم يمتطي ما يشاء من ألعاب ويشتري ما يرغب من أشياء .. ويجرب ما لم يجرب من أفانين الألعاب في تلك المدينة الكبيرة !! لم تكن تلك المرة الأولى التي تصحبهم بها إلى الملاهي .. إلا أنها ظلت ترسم لهم ألواناً من السعادة لم يتذوقوها من قبل .. وكأنها كانت ترسم لنفسها عمراً مليئاً بالصحة والعافية والسعادة .. – أصوات أولادها تضج بالغرفة .. – هيا .. هيا يا أمي .. لقد تأخرنا .. وبعد دقائق معدودة حسبوها دهراً .. كانوا حيث يريدون .. أطفال كثيرة .. تقفز من هنا إلى هناك ، ومن لعبة إلى أخرى .. أصواتهم تملأ الدنيا فرحاً وسروراً .. عيونهم تلتهم كل لعبة .. وتطلب المزيد والمزيد .. مئات من الريالات دفعتها لتلك الموظفة المستقرة خلف النافذة .. لم تكن وحدها التي تدفع .. بل كل الأمهات .. كل ابتسامة ترسم على وجه طفل في هذه المدينة المتحضرة قد دفع ثمنها غالياً !! تساءلت .. ترى لماذا لم يجد أطفالنا السعادة في حياتهم العادية ؟ أو بين أحضان الطبيعة ؟ أو في مكان آخر ؟؟ أعياها الجواب .. أصر أولادها على أن تشاركهم هذه اللعبة .. وحين اعتذرت بأنها مريضة قالوا لها : كفاك دلالاً يا أمي .. ألم ننته من المرض بعد .. وجدت نفسها مدفوعة إلى تلك اللعبة الضخمة الدائرية .. والتي تجعلها في لحظات ترتفع إلى أعالي السماء .. ثم تهبط فيها بسرعة كصاعقة عمياء !! يا إلهي !! كيف استطاع صغارها أن يجبروها على عمل لم تكن لتطيقه وهي في كامل صحتها !! فكيف تطيقه اليوم !! حين وصلت وأولادها قمة السماء .. توقفت الآلة عن الدوران ربما لتلتقم مجموعة جديدة من الأطفال .. نظرت إلى الأسفل بخوف شديد وقالت في سرها : سبحان الله .. لقد من الله علي بالعافية وأبعد عني شبح موت مؤكد ، فكيف آتيه اليوم بنفسي ومشياً على قدمي !! لا تزال المركبة متوقفة .. نظرت إلى الأرض من جديد وتمتمت بصوت لا يكاد يسمع : يا للسخافة .. ما أحقرها من ميتة لو سقطت الآن !! فجأة خطر ببالها قول الشاعر العظيم : فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم !! ضحكت بسخرية .. وبصوت مسموع .. فقالت لها صغيرتها : - أنت تضحكين
يا أمي !! إذن أنت سعيدة .. ونحن أيضاً سعداء بك . حين وضعت قدميها على الأرض عاودها شعور بالأمن .. حمدت الله بصوت مسموع ، فضحك أولادها ساخرين .. ثم تغامزوا قائلين : يا لها من أم شجاعة !1 منظر مؤلم سرق منهم سعادتهم .. وأحال ضحكاتهم الرنانة إلى سكون ووجوم .. إنهم مجموعة من الأطفال المعوقين .. جاءوا محمولين ينشدون السعادة في مدينة الملاهي !! جاءوا بعرباتهم وممرضاتهم وعاهاتهم .. منظرهم سرق من قلبها ومن قلب أولادها كل سعادة .. شعرت بآلام جديدة قد نسيتها من أيام .ز طلبت من أولادها أن تجلس فتحلقوا حولها جامدين ، وقد تسمرت أبصارهم نحو الأطفال المعوقين .. عيونهم ترسم الحيرة والألم والشفقة والعذاب .. كان عليها أن تعمل شيئاً لتعيد لهم سعادتهم المسروقة !1 أخرجت مائة ريال جديدة .. واشترت لهم بطاقات كثيرة .. عادوا إلى اللعب من جديد .. وهي جالسة في مكانها يصارعها ألمان .. ألم يعتصر قلبها وألم يلف جسدها المتعب !! ولقد حان وقت الرحيل ضمت أولادها بين جناحيها واتجهت نحو الباب الخارجي .. نظرت إلى وجههم المنضرة بحمرة العافية فتسربت أنوار جديدة من السعادة إلى قلبها .. لقد استطاعت أن تقدم لهم اليوم شيئاً افتقدوه منذ مرضها .. وفجأة .. وهم أمام الباب الخارجي تسمروا جميعاً أمام صورة مؤلمة .. إنها صورة كبيرة ملونة لأطفال أبرياء من مسلمي البوسنة والشيشان .. دماؤهم تسيل ، ودموعهم تتفجر .. وأكبادهم تتفطر ، وإلى جانبهم جثث أهليهم في مقبرة جماعية .. لوحة دامية كبيرة مثبتة فوق باب الخروج من الملاهي .. وقد كتب فوقها : تبرعوا لأطفال المسلمين .. وإلى جانبها صندوق حديدي مقفل .ز فتحت الأم محفظتها ووضعت آخر ما بقي فيها من ريالات .. قالت بصوت مسموع جعل جميع من حولها ينظرون إليها .. : كان عليهم أن يضعوا هذه الصورة فوق باب الدخول !!! كيف نستطيع أن نسرق لحظات من السعادة وفي دنيانا أمثال هؤلاء !! دموع حارة تراقصت في عينيها .. شاركتها في البكاء عيون أطفالها الصغيرة البريئة .. عاودها الألم يحاصرها من جديد .ز شدت قبضة يدها الممسكة بأولادها .. ثم خرجوا وقد شيعوا سعادتهم المسروقة على أبواب الملاهي.
مع خلص تحياتي
عصام زايد





تعليق