بسم الله الرحمن الرحيم
مقطع مقتبس من كتاب ( إعلام الخلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السلف
).
(( بعض الناس يستدلون برواية ذكرها الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه
لإثبات اعتقاد تحريف القرآن للشيعة الإمامية وهذه هي الرواية :
" بـهذا الإسناد عن الحسن عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام
قال : من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد
صلى الله عليه وآله وأزواجه ثم قال : سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال
والنساء من قريش وغيرهم ، يا ابن سنان ! إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش
من العرب وكانت أطول من سورة البقرة لكن نقصوها وحرفوها ".
نقول :
1- من غير المعقول أن نصنف الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه في ضمن
القائلين بعدم تحريف القرآن ومن ثم ننسب تحريف القرآن للشيعة بسبب رواية
ذكرها الصدوق نفسه !!
2- من الجهل أن ننسب للشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه تحريف القرآن لأجل
روايته هذه وهو الذي صرح في اعتقاداته برفضه لفكرة تحريف القرآن وكذب من
نسب هذا للشيعة ، قال في الاعتقادات :
" اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه و آله هو
ما بين الدفتين و هو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره
عند الناس مائة و أربع عشرة سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة
واحدة ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة ، ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من
ذلك فهو كاذب ( 2 )
3- كان من المتوقع لمن يرى أن تلك الرواية تدل على التحريف -كالناس- أن
يتنبه إلى عدم الإنسجام بين ما صرحه الصدوق في اعتقاداته وبين روايته تلك
، فيقول بعدم الملازمة بين الإعتقاد والرواية ، ولكن بعض الناس لا يلبسون
إلا النظارات السوداء !
4- الصدوق رضوان الله تعالى عليه في كتابه ثواب الأعمال ليس إلا محدثا ينقل
الرواية كما وصلت إليه ولا يلزم من هذا اعتقاده بمضمونـها حتى وإن صح
إسنادها عنده ، وهو في هذا كالكليني رضوان الله تعالى عليه .
ملاحظة : الكليني رضوان الله تعالى عليه لا يقول بتحريف القرآن
وحيث وصلنا إلى هذه النقطة نقول إن المحدث لا يلزم نفسه اعتقاد كل ما
أورده في مصنّفه ، حتى وإن قال بصحة كل ما أورده لأن صحة السند شيء وما
يدل عليه المتن
بعد جمع الأدلة وعرضها على الكتاب والسنة المتواترة وطرح غير التام شيء
آخر ، فلا وجه لاتـهام الشيخ الصدوق أو الكليني أو أي محدث آخر لأنه روى
الرواية ، ناهيك
عن أن الكليني رضوان الله تعالى عليه روى روايات التحريف في باب النوادر
تيمنا بالروايات التي فيها : " ودع الشاذ النادر" ، بل صرح الكليني
رضوان الله تعالى عليه
في مقدمة الكافي أنه وإن أراد جمع الآثار الصحيحة عن المعصومين عليه
السلام إلا إن صحة الرواية شيء والاعتقاد بضمونـها شيء آخر ، وعلق قبول
مضمونـها على
بعض القواعد منها أن تعرض الرواية على كتاب الله عز وجل فما وافق كتاب الله
أخذ به وما خالفه يرد ولا يأخذ به ، قال ثقة الإسلام الكليني رضوان الله
تعالى عليه في مقدمة الكافي :
( 2 ) الاعتقادات ص59-60.
" وقلت : إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم
الدين ، ما يكتفي به المتعلم ، ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد
علم الدين والعمل به
بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام والسنن القائمة التي عليها
العمل ، وبـها يؤدي فرض الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، وقلت :
لو كان ذلك رجوت
أن يكون ذلك سببا يتدارك الله تعالى بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا
ويقبل بـهم إلى مراشدهم .
فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه
عن العلماء عليهم السلام برأيه ، إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليه
السلام :" اعرضوها على كتاب
الله فما وافى كتاب الله عزوجل فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردوه " وقوله عليه
السلام : ( دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم ) ، وقوله عليه السلام
( خذوا بالمجمع عليه
، فإن المجمع عليه لا ريب فيه ) ، ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله ولا
نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السلام وقبول
ما وسع من الأمر فيه
بقوله عليه السلام : ( بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم ) . وقد يسر الله
وله الحمد تأليف ما سألت ، وأرجو أن يكون بحيث توخيت ( 3 )
فكلام الكليني رضوان الله تعالى عليه صريح في أنه لا يعتقد مضمون أي رواية
صحيحة في نظره إلا بعد عرضها على كتاب الله عز وجل ، فيدل هذا على اعتقاده
عدم تحريف القرآن وإلا لما أعطى للقرآن القوامة على الروايات ، ويدل أيضا
على رأيه في وجوب طرح الروايات التي تعارض القرآن وتقول بتحريفه .
فاتضح أن من الظلم نسبة تحريف القرآن للكليني رضوان الله تعالى عليه ، مع
أن رواياته لا تدل على تحريف القرآن كما بينا ذلك ، وقد وضعها في باب
النوادر أي شواذ
الأخبار التي لا يعبأ بـها ، ناهيك عن أنـها تخالف كتاب الله عز وجل وقد قال
الكليني رضوان الله تعالى عليه أن ما خالف كتاب الله يرد ولا يؤخذ به .
5- الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه كبقية الشيعة يقول بتحريف التنـزيل
والوحي المفسر للقرآن فلو سلمنا اعتماده على الرواية لوجب وضعها في خانة
تحريف الوحي والتنـزيل جمعا بين اعتقاد الصدوق عدم تحريف القرآن وقوله
في اعتقاداته :
" بل نقول أنه قد نزل الوحي الذي ليس بقرآن ، ما لو جمع إلى القرآن لكان
مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية " ، وقال : " إن القرآن الذي جاء به
جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية".
وقال : " ومثل هذا كثير ، وكلّه وحي وليس بقرآن . ولو كان قرآناً لكان
مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه ، كما كان أمير المؤمنين جمعه فلما
جاء به قال : هذا كتاب ربكم كما أُنزل على نبيّكم لم يزد فيه حرف و لا ينقص
منه حرف ، فقالوا : لا حاجة لنا فيه ، عندنا مثل الذي عندك ، فانصرف وهو
يقول { فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }(آل
عمران/187)" ( 4 )
( 3 ) الكافي للكليني رضوان الله تعالى عليه ج1ص8-9.
( 4 ) الاعتقادات ص93 .
ومن النقطة الرابعة والخامسة يتضح جهل عندما حاول خدش اعتقاد
الصدوق رضوان الله تعالى عليه بعدم تحريف القرآن بدعوى سكوته عن الرواية
التي رواها ! ، قال المذكور :
" أولهم الصدوق -رضوان الله تعالى عليه- ، هذا الصدوق روى التحريف في
كتابه وسكت عنه ، روى الصدوق في كتابه عن أبي عبد الله قال : إن سورة
الأحزاب ...الخ "
فنقل الرواية بتحريف فيها لا يضر معناها ، وكما ترى أراد الوهابي خدش
اعتقاد الصدوق رضوان الله تعالى ولكن ما بيناه في النقطتين السابقتين
يخبرنا عن جهله ، وقد نقل نفس الأمر عن الطوسي رضوان الله تعالى عليه
والجواب هو الجواب .
6- هذه الرواية لا يمكن إلزام الشيعة بـها ولا الشيخ الصدوق رضوان الله
تعالى عليه بعد وقوع كذاب في سندها ، وهو الحسن بن علي بن أبي حمزة
البطائني الواقفي .
قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه : " إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليه
بعد شهادة علي ابن الحسن بن فضال بأنه كذاب ملعون ، المؤيدة بشهادة ابن
الغضائري بضعفه".
وقال : " ومع التنـزل عن ذلك ، فيكفي في ضعف الحسن بن علي بن أبي حمزة
شهادة الكشي بأنه كذاب ( 5 )
وقد تعامى المخادع عن حاشية الشيخ علي أكبر غفاري في
هامش نفس الصفحة التي أخذ منها الرواية ، قال غفاري :" وروى الكشي عن
محمد بن مسعود
قال : سألت علي بن الحسن بن فضال عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني
فقال : كذاب ملعون، رويت عنه أحاديث كثيرة وكتبت عنه تفسير القرآن كله
من أوّله إلى آخره إلا أني لا أستحل أن أروي عنه حديثا واحدا . ونقله
العلامة عن الكشي في الخلاصة ".
( 5 ) معجم رجال الحديث ج5ص15.
وليس غريبا على من ينصب نفسه للافتراء ويحترف المكر والخداع أن يتهم بكل
رواية وردت في المصنفات بلا مناقشة للسند من حيث الصحة والضعف ، مع أن
روايات أهل السنة التي تفيد نفس المضمون من السقوط والتحريف لسورة
الأحزاب صحيحة السند وليست بضعيفة .
5 - كان الأجدر أن يتهم البعض بني جلدتـه الذين حاروا في تأويل رواياتـهم
الصحيحة التي تفيد نفس المضمون من سقوط وتحريف سورة الأحزاب ، لا أن
يتهموا الشيعة برواية ساقطة لا يقبلونـها وحتى لو قبلوها فلها عندهم وجه
معتبر يفسر هذا السقوط والتحريف



تعليق