الشيعة في نظر « أهل السنة »
إذا استثنينا بعض العلماء المعاصرين الذين أنصفوا في كتاباتهم عن الشيعة بما تفرضه عليهم الأخلاق الإسلامية ، فإن الأغلبية الساحقة منهم قديماً وحديثاً لا زالوا يكتبون عن الشيعة بعقلية الأمويين الحاقدين ، فتراهم في كل وادي يهيمون ويقولون ما لا يفقهون ، ويسبون ويشتمون ويتقولون افتراء وبهتاناً على شيعة آل البيت ما هم منه براء ، ويكفرونهم ينبذونهم بالألقاب اقتداء بسلفهم الصالح معاوية وأضرابه ، الذين استولوا على الخلافة الإسلامية بالقوة والقهر والمكر والدهاء والخيانة والنفاق .
فمرة يكتبون بأن الشيعة هي فرقة من تأسيس عبد الله بن سبأ اليهودي ، ومرة يكتبون بأنهم من أصل المجوس ، وأنهم روافض قبحهم الله ، وأنهم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى ، ومرة يكتبون بأنهم منافقون لأنهم يعملون بالتقية وأنهم إباحيون يبيحون نكاح المحارم ويحللون المتعة وهي زنا ، والبعض يكتب بأن لهم قرآناً غير قرآننا ، وأنهم يعبدون علياً والأئمة من بنيه ويبغضون محمداً وجبريل وأنهم وأنهم ….
ولا يمر عام إلا ويطلع علينا كتاب أو مجموعة كتب من أولئك العلماء الذين يتزعمون « أهل السنة والجماعة » بزعمهم وكله تكفير واستهانة بالشيعة .
وليس لهم في ذلك مبرر ولا دافع إلا إرضاء أسيادهم الذين لهم مصلحة في تمزيق الأمة وتفريقها والعمل على إبادتها . كما ليس لهم فيما يكتبون من حجة ولا دليل سوى التعصب الأعمى والحقد الدفين والجهل المقيت ، وتقليد السلف بدون تمحيص ولا بحث ولا بينة ، فهم كالببغاء يعيدون ما يسمعون ويستنسخون ما كتبه النواصب من أذناب الأمويين ، والذين لا يزالون يعيشون على مدح وتمحيد يزيد بن معاوية.
ولو كان هؤلاء يتبعون السنة النبوية كما يزعمون لتعلموا من أخلاقه العالية صلى الله عليه وآله وسلم احترام الغير ولو خالفهم في العقيدة .
ألم تقل السنة النبوية : « المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا » ، و « المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى » .
ألم يصرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » فلو كان هؤلاء الكتاب المدعون أنهم من « أهل السنة والجماعة» يعرفون السنة النبوية ، لما سمحت لهم نفوسهم بتكفير من يشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله ، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ، ويحج البيت الحرام ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
وبما أنهم أتباع السنة الأموية والقرشية فهم يتكلمون ويكتبون بالعقلية الجاهلية والأفكار القبلية والنعرات العنصرية . فالشيء من مأتاه لايستغرب ، وكل إناء بالذي فيه ينضح .
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الذكر الحكيم : «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم …» ( آل عمران : 64 ) ؟
فإن كانوا من أهل السنة حقاً ، فلينادوا أخوانهم من الشيعة إلى كلمة سواء
بينهم .
وإذا كان الإسلام ينادي أعداءه من اليهود والنصارى إلى كلمة سواء للتفاهم والتآخي ، فكيف بمن يعبدون إلهاً واحداً ، ونبيهم واحد وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ومصيرهم واحد !
فلماذا لا ينادي علماء « أهل السنة » إخوانهم من علماء الشيعة ويجلسون معهم حول طاولة البحث ، ويجادلونهم بالتي هي أحسن ويصلحون عقائدهم إن كانت فاسدة كما يزعمون ؟
لماذا لا يعقدون مؤتمراً إسلامياً يجمع علماء الفريقين وتطرح فيه كل المسائل الخلافية على مسمع ومرأى من كل المسلمين حتى يعرفوا وجه الصواب من الكذب والبهتان ؟
وخصوصاً وأن « أهل السنة والجماعة » يمثلون ثلاثة أرباع المسلمين في العالم ، ولهم من الإمكانات المادية والنفوذ لدى الحكومات ما يجعل ذلك عندهم سهلاً ميسوراً إذ يملكون الأقمار الصناعية .
ولأن « أهل السنة والجماعة » لا يعملون لمثل هذا أبداً ، ولا يريدون المواجهة العلمية التي ينادي بها كتاب الله المجيد بقوله : «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ( البقرة : 111 ) .
«قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون» ( الأنعام : 148 )
ولذلك تراهم دائماً يلجأون إلى السب والشتم والتكفير والبهت والافتراء وهم يعرفون بأن الحجة والدليل مع خصومهم الشيعة .
وأعتقد بأنهم يخافون أن يتشيع أكثر المسلمين إذا كان كشفت الحقائق كما وقع بالفعل لبعض العلماء الأزهريين في مصر الذين سمحوا لأنفسهم بالبحث عن الحق فأدركوه واستبصروا ونبذوا ما كانوا عليه من عقيدة « السلف الصالح » .
فالعلماء من « أهل السنة والجماعة » يدركون هذا الخطر الذي يهدد كيانهم بالذوبان ، فإذا أعيتهم الحيلة وصل الأمر بالبعض منهم أن حرم على أتباعه ومقلديه أن يجلسوا مع الشيعة أو يجادلوهم أو يتزوجوا منهم أو يزوجوهم أو يأكلوا من ذبائحهم .
ويفهم من موقفهم هذا بأنهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية ، وهم أقرب ما يكونون من سنة بني أمية الذين عملوا بكل جهودهم على إضلال الأمة المحمدية بأي ثمن لأن قلوبهم لم تخشع لذكر الله وما نزل من الحق ودخلوا في الإسلام وهم كارهون .
وهذا ما عبر عنه إمامهم معاوية بن أبي سفيان الذي قتل خيار الصحابة من أجل الوصول إلى الحكم فقط ، فقد قال في أول خطبة له :
« إني لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون » .
وصدق الله إذ يقول : «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون» ( النمل : 34 ) .
« أهل السنة والجماعة » في نظر الشيعة
إذا استثنينا بعض المتعصبين من عوام الشيعة الذين ينظرون إلى « أهل السنة والجماعة » بأنهم كلهم من النواصب ( النواصب جمع ناصبي : وهم الذين ناصبوا العداء لأهل البيت النبوي وحاربوهم وقتلوهم وتتبعوهم أمواتاً فنبشوا قبورهم) . ، فإن الأغلبية الساحقة من علمائهم قديماً وحديثاً ، لا زالوا يعتقدون بأن إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » هم ضحايا الدس والمكر الأموي لأنهم أحسنوا الظن « بالسلف الصالح » واقتدوا بهم بدون بحث ولا تمحيص ، فأضلوهم عن الصراط المستقيم وأبعدوهم عن الثقلين ـ كتاب الله والعترة الطاهرة ـ
الذين يعصمان المتمسك بهما من الضلالة ويضمنان له الهداية . فترهم كثيراً ما يكتبون للدفاع عن أنفسهم وللتعريف بمعتقداتهم داعين للإنصاف ولتوحيد الكلمة مع إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » .
وقد جاب بعض علماء الشيعة في الأقطار والأمصار باحثين عن الأساليب الكفيلة لتأسيس دور وجمعيات إسلامية للتقريب بين المذاهب ومحاولة جمع الشمل .
ويمم آخرون منهم وجهتهم صوب الأزهر الشريف منارة العلم والمعرفة عند « أهل السنة » ، وتقابلوا مع علمائه وجادلوهم بالتي هي أحسن ، وعملوا على إزالة الأحقاد ، كما فعل الإمام شرف الدين الموسوي عند لقائه بالإمام سليم الدين البشري ، وكان من نتيجة ذلك اللقاء والمراسلات ولادة الكتاب القيم
المسمى بـ « المراجعات » والذي كان له الدور الكبير في تقريب وجهات النظر عند المسلمين . كما أن جهود أولئك العلماء من الشيعة كللت بالنجاح في مصر فأصدر الإمام محمود شلتوت مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت فتواه الجريئة في جواز التعبد بالمذهب الشيعي الجعفري ، وأصبح الفقه الشيعي الجعفري من المواد التي تدرس بالأزهر الشريف .
هذا ودأب الشيعة وعلماؤهم بالخصوص على التعريف بأئمة أهل البيت الطاهرين وبالمذهب الجعفري الذي يمثل الإسلام بكل معانيه وكتبوا في ذلك المجلدات والمقالات وعقدوا لذلك الندوات .
وأنت إذا دخلت إلى أي بيت من بيوت الشيعة العاديين فضلاً عن بيوت العلماء والمثقفين ، فسوف تجد فيه مكتبة تضم إلى جانب مؤلفات الشيعة جانباً كبيراً من مؤلفات « أهل السنة والجماعة » على عكس « أهل السنة والجماعة» فقد لا تجد عن علمائهم كتاباً شيعياً واحداً إلا نادراً .
ولذلك هم يجهلون حقائق الشيعة ولا يعرفون إلا الأكاذيب التي يكتبها أعداؤهم .
كما أن الشيعي العادي تجده في أغلب الأحيان يعرف التاريخ الإسلامي بكل أدواره وقد يحتفل بإحياء بعض ذكرياته . أما العالم السني تجده قليلاً ما يهتم بالتاريخ فهو يعتبره من المآسي التي لا يريد نبشها والاطلاع عليها ، بل يجب إهمالها وعدم النظر فيها لأنها تسيء الظن بـ « السلف الصالح » .
وبما أنه أقنع نفسه أو أوهمها بعدالة الصحابة أجمعين ونزاهتهم ، فلم يعد يتقبل ما سجله التاريخ عليهم .
لكل ذلك تراه لا يصمد للنقاش البناء الذي يقوم على الدليل والبرهان ، فتراه إما يتهرب من البحث لعلمه مسبقاً بأنه مغلوب وإما أن يتغلب على عواطفه وميوله ويقحم نفسه في البحث فيصبح ثائراً على كل معتقداته ويتشيع لأهل بيت المصطفى .
فالشيعة هم أهل السنة النبوية لأن إمامهم الأول بعد النبي هو علي بن أبي طالب الذي يعيش ويتنفس بالسنة النبوية . أنظر إليه وقد جاؤوه ليبايعون بالخلافة على أن يحكم بسيرة الشيخين فقال : « لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله » فلا حاجة لعلي في الخلافة إن كانت على حساب السنة النبوية ، فهو القائل : « إن خلافتكم عندي كعفطة عنز إلا أن أقيم حدا من حدود الله » .
وقال ابنه الإمام الحسين : قولته المشهورة التي بقيت ترن في مسمع الدهر : « إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني » .
ولهذا فإن الشيعة ينظرون إلى اخوانهم من « أهل السنة والجماعة » بنظر العطف والحنان وكأنهم يريدون لهم الهداية والنجاة لأن ثمن الهداية عندهم حسب ما جاءت به الروايات الصحيحة خير من الدنيا وما فيها ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عندما بعثه لفتح خيبر : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن قالوها فقد عصم منك دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو خير لك من أن يكون لك حمر النعم (صحيح مسلم ج 7 ص 122 كتاب الفضائل باب فصائل علي بن أبي طالب ).
وكما كان هم علي بن أبي طالب الوحيد هو هداية الناس والرجوع بهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكذلك شيعته اليوم هممهم أن يدفعوا عن أنفسهم كل التهم والأكاذيب وأن يعرفوا إخوانهم من « أهل السنة» بحقائق أهل البيت ( عليهم السلام ) وبالتالي يهدوهم إلى سواء السبيل .
«لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون» (يوسف : 111) .