الرد: امام يحرم وامام يحلال من المصيب من المخطاء ومن المعصوم
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله سبحانه وتعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» [الأحزاب: 33].
يقول أهل السنة والجماعة بأن هذه الآية نزت في نساء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ويستدلّون على ذلك بسياق ما قبلها وما بعدها من الآيات، وعلى حسب زعمهم فإنّ الله أذهب الرجس عن نساء النبي وطهّرهن تظهيراً.
ومنهم من يضيف إلى نساء النّبي علي وفاطمة والحسن والحسين، ولكنّ الواقع النقلي والعقلي والتاريخي يأبى هذا التفسير، لأن أهل السنة يروون في صحاحهم بأنّ الآية نزلت في خمسة وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين،وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي خصّهم ونفسه الشريفة بهذه الآية الكريمة عندما أدخل عليّاً وفاطمة والحسنين معه تحت الكساء. وقال: اللهم هؤلاء أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وقد أخرج ذلك من علماء أهل السنة جمع غفير أذكر منهم:
1 ـ مسلم في صحيحه في باب فضائل أهل بيت النبي: 2/368.
2 ـ الترمذي في صحيحه: 5/30.
3 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل: 1/330:
4 ـ مستدرك الحاكم: 2/123.
5 ـ خصائص الإمام النسائي: 49.
6 ـ تلخيص الذهبي: 2/150.
7 ـ معجم الطبراني: 1/65.
8 ـ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 2/11.
9 ـ البخاري في التاريخ الكبير: 1/69.
10 ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني: 2/502.
11 ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي: 233.
12 ـ تفسير الفخر الرازي: 2/700.
13 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 107.
14 مناقب الخوارزمي: 23.
15 ـ السيرة الحلبية: 3/212.
16 ـ السيرة الدحلانية: 3/329.
17 ـ أسد الغابة لابن الأثير: 2/12.
18 ـ تفسير الطبري: 22/6.
19 ـ الدر المنثور للسيوطي: 5/198.
20 ـ تاريخ ابن عساكر: 1/185.
21 ـ تفسير الكشاف للزمخشري: 1/193.
22 ـ أحكام القرآن لابن عربي: 2/166.
23 ـ تفسير القرطبي: 14/182.
24 ـ الصواعق المحرقة لابن حجر: 85.
25 ـ الاستيعاب لابن عبد البر: 3/37.
26 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه: 4/311.
27 ـ منتخب كنز العمال: 5/96.
28 ـ مصابيح السنة للبغوي: 2/278.
29 ـ أسباب النزول للواحدي: 203.
تفسير ابن كثير: 3/483.
وغير هؤلاء من علماء أهل السنة والجماعة كثيرون لم نذكرهم واكتفينا في هذه العجالة بهذا القدر.
وما عليك يا أحمق إلا لتجد لك مخرجا من كل تلك المصادر وانتبه بأنني لم آتيك بحديث واحد من كتب السنه الشيعيه ( النجاشي والفهرست والرجال والكشي والغضائري والبرقي والخلاصه وأبن داود )
وإذا كان كل هؤلاء يعترفون بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي بيّن المقصود من هذه الآية فما قيمة أقوال غيره من الصحابة أو التابعين أو المفسّرين الذين يريدون حمل معناها على غير ما يريده الله ورسوله، ابتغاء مرضاة معاوية وطمعاً في ما عنده.
كما أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أشار إليهم مرّة أخرى وخصّهم بأنهم هم أهل البيت لا غيرهم، وذلك عندما نزل قوله سبحانه وتعالى: «فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» [آل عمران: 61]. فدعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم. وفي رواية مسلم «اللهم هؤلاء أهلي» (1).
وعلماء أهل السنّة والجماعة الذين ذكرتهم في المصادر السّابقة كلّهم يعترفون أيضاً بنزول هذه الآية في هؤلاء الخمسة المذكورين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
على أنّ أزواج النبي رضي الله تعالى عنهن عرفْن مقصود الآية
____________
(1) صحيح مسلم: 7/121. باب فضائل علي بن أبي طالب.
الكريمة ولذلك لم تدّعي واحدة منهن أنّها من أهل البيت وعلى رأسهن أمّ سلمة وعائشة وقد روت كل واحدة منهنّ أن الآية خاصة برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين وقد أخرج اعترافهن كل من مسلم والترمذي والحاكم والطبري والسيوطي والذهبي وابن الأثير وغيرهم.
أضف إلى كل ذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، قد رفع هذا للّبس وهذا الإشكال لأنّه علم بأنّ المسلمين قد يرؤون القرآن ويحملون أهل البيت على سياق الآيات السابقة واللاّحقة والتي تحذّر نساء النبي، فبادر إلى تعليم الأمّة بمقصود آية إذهاب الرجل والتطهير عندما داوم طيلة ستة أشهر (بعد نزول الآية) على المرور بباب علي وفاطمة والحسنين قبل الشروع في إقامة الصلاة فيقول: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، قوموا إلى الصلاة يرحمكم الله» .
وقد أخرج هذه المبادرة التي فعلها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الترمذي في صحيحه: 5/31 والحاكم في المستدرك: 3/158 والذهبي في تلخيصه ـ وأحمد بن حنبل في مسنده: 3/259 وابن الأثير في أسد الغابة: 5/521 والحسكاني في شواهد التنزيل: 2/11 والسيوطي في الدر المنثور: 5/199 والطبري في تفسيره: 22/6 والبلاذري في أنساب الأشراف: 2/104 وابن كثير في تفسيره: 3/483 والهيثمي في مجمع الزوائد: 9/168 وغيرهم.
وإذا أضفنا إلى كل هؤلاء أئمة أهل البيت وعلماء الشيعة الذين لا يشكّون في اختصاص محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين بهذه الآية الكريمة فلا تبقى بعد ذل أية قيمة لمن خالفهم من أعداء أهل البيت والمتشيعين لمعاوية وبني أميّة الذين يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
وقد كشف أولئك الذين يفسّرون الآية على غير تفسير النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
لها، بأنهم من المتزلّفين إلى الحكّام من الأمويين والعبّاسيين قديماً، وحديثاً بأنهم من النواصب الذين يبغضون عليّاً وإن تستروا بزي العلماء والفقهاء.
على أنّ العقل وحده يحكم بعدم شمول هذه الآية، أعني (إذهاب الرجس ـ والتطهير) لزوجات النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
1 ـ فإذا ما أخذنا على سبيل المثال أمّ المؤمنين عائشة التي تدّعي أنها أحبّ أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إليه وأقربهم لديه حتّى أن باقي أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم غرن منها وبعثن للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة كما قدّمنا، لم تتجرّأ، ولم يتجرّأ أحد من أنصارها ومحبّيها ولا من السّابقين أو من اللاّحقين أن يقول بأنّ عائشة كانت تحت الكساء يوم نزول الآية، فما أعظم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم في أقواله وأفعاله وما أعظم حكمته عندما حصر أهل بيته معه تحت الكساء حتى أن أمّ المؤمنين أمّ سلمة زوجة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أرادت الدخول معهم تحت الكساء وطلبت ذلك من زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولكنّه منعها من ذلك وقال لها: «أنت إلى خير».
2 ـ ثم إنّ الآية بمفهومها الخاص والعام دالّ على العصمة. فإن إذهاب الرّجس يشمل كل الذّنوب والمعاصي والرّذائل صغيرها وكبيرها وخصوصاً إذا أضيف إليها تطهير من ربّ العزّة والجلالة، وإذا كان المسلمون يتطهرون بالماء والتراب طهارة جسدية لا تتعدّى ظاهر الجسم، فأهل البيت طهرهم الله طهارة روحية غسلت العقل والقلب والفؤاد فلم تترك لوساوس الشيطان ولا لارتكاب المعاصي مكانا.ً فأصبحت قلوبهم صافية نقية خالصة مخلصة لخالقها وبارئها في كل حركاتها وسكناتها.
3 ـ ولكلّ ذلك كان هؤلاء المطهّرون مثالاً للإنسانية جمعاء في الزهد والتقوى والإخلاص والعلم والحلم والشجاعة والمروءة والعفّة والنّزاهة والعُزوف عن الدنيا والقُرب منه جلّ وعلا ولم يسجّل التاريخ لواحد منهم معصية أو ذنباً طيلة حياته.
وإذا كان الأمر كذلك، فلنعد إلى المثال الأول لزوجات النبي صلّى اله عليه وآله وسلّم وهي عائشة التي بلغت من المرتبة السّامية والمكانة العالية والشهرة الكبيرة ما لم تبلغه أيّة زوجة أخرى للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، لا ولا حتّى لو جمعنا فضائلهنّ بأجمعهنّ ما بلغنَ عشر معشار عائشة بنت أبي بكر، هذا ما يقوله أهل السنة فيها والذين يعتبرون أنّ نصف الدّين يؤخذ عنها وحدها.
وإذا ما تجرّدنا للحقيقة بدون تعصّب ولا انحياز، فهل من المعقول أن يحكم العقل بأنها مطهّرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أنّ الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؟ فلننظر معاً إلى الواقع.
عائشة في حياة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
وإذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وجدنا الكثير من الذنوب والمعاصي فكانت كثيراً ما تتآمر مع حفصة على النبي حتّى اضطرّته إلى تحريم ما أحل الله له كما جاء ذلك في البخاري ومسلم وتظاهرتا عليه أيضاً كما أثبت ذلك كل الصحاح وكتب التفسير وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز.
كما كانت الغيرة تسيطر على قلبها وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرّفاً بغير احترام ولا أدب، فمرّة قالت للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما ذكر عندها خديجة: مالي ولخديجة إنها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها، فغضب لذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اهتزّ شعره (1) ومرّة اُخرى بعث إحدى أمهات المؤمنين للنبي (وكان في بيتها) بصحفة فيها طعام كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يشتهيه، فكسّرت الصحفة أمامه بطعامها (2) وقالت للنبي مرة أخرى: أنت
____________
(1) صحيح البخاري: 4/231 باب تزويج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خديجة وكذلك صحيح مسلم.
(2) صحيح البخاري: 6/157 في باب الغيرة.
الذي تزعم أنك نبي الله (1) ومرّة غضبت عنده فقالت له: اعدل وكان أبوها حاضراً فضربها حتى سال دمها (2) وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّت عرساً للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، فقالت لها: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليعجبُه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق المرأة البريئة الساذجة والتي طلقها النبي بسبب هذه المقالة (3). وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، أنّه كان يصلّي وهي باسطة رجليها في قبلته فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها وإذا قام أعادت بسطتها في قبلته (4).
وتآمرت هي وحفصة مرّة أخرى على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اعتزل نساءه بسببها لمدّة شهر كامل ينام على حصير (5). ولمّا نزل قول الله تعالى: «ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء…» قالت للنبي في غير حياء: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك (6) وكانت عائشة إذا غضبت (وكثيراً ما كانت تغضب) تهجر اسم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا تذكر اسم محمد وإنما تقول وربّ إبراهيم (7).
وقد أساءت عائشة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيراً وجرّعته الغصص ولكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم رؤوف رحيم، وأخلاقه عالية وصبره عميق، فكان كثيراً ما يقول لها: «ألبسك شيطانك يا عائشة» وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر، وكم من مرّة ينزل القرآن بسببها
____________
(1) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: 2/29 كتاب أدب النكاح.
(2) كنز العمّال: 7/116 وكذلك إحياء العلوم للغزالي.
(3) الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/145. الإصابة لابن حجر: 4/233. تاريخ اليعقوبي: 2/69.
(4) صحيح البخاري: 1/101 باب الصلاة على الفراش.
(5) صحيح البخاري: 3/105 في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم.
(6) صحيح البخاري: 6/24 و128 باب هل للمرأة ان تهب نفسها لأحدٍ. صحيح مسلم باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرّتها.
(7) صحيح البخاري: 6/158 باب غيرة النساء ووجدهنّ.
فقد قال تعالى لها ولحفصة: «وإن تنوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ، أي أنها زاغت وانحرفت عن الحق (1) وقوله: «إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً» هو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي كانت كثيراً ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها. وقال الله لهما: «عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات» وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري (2). فدلّت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.
ومرّة بعثها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما رأيت يا عائشة؟ فقالت: ما رأيت طائلاً! فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد رأيت طائلاً، لقد رأيت خالاً تجدها اقشعرت منه ذوائبك. فقالت: يا رسول الله ما دونك سرّ، ومن يستطيع أن يكتمك (3).
وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجرّ معها حفصة بنت عمر والغريب أننا نجد تفاهماً وانسجاماً تامّاً بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر غير أنّه في النّساء كانت عائشة دائماً هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي كانت تجرّ حفصة بنت عمر وراءها في كل شيء. بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفاً أمام عمر الذي كان هو الجريء والقوي وصاحب المبادرة في كل شيء ولقد رأينا في ما مرّ من الأبحاث أنّه حتّى في خلافته كان ابن الخطاب هو الحاكم الفعلي ـ وقد حدث بعض
____________
(1) صحيح البخاري: 3/106 باب الغرفة والعلية من كتاب المظالم.
(2) صحيح البخاري: 6/69 و71 باب وإذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه.
(3) طبقات ابن سعد: 8/115. كنز العمال: 6/294.
المؤرخين أنّ عائشة لما همّت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي فيما سُمّي بحرب الجمل أرسلت إلى أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلاّ حفصة بنت عمر التي تجهّزت وهمّت بالخروج معها لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطّت رحلها (1) ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معاً في قوله: «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا» وكذلك قوله: «إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ولقد ضرب الله لهما مثلاً خطيراً في سورة التحريم ليعلمهما وبقية المسلمين الذين يعتقدون بأنّ أم المؤمنين تدخل الجنّة بلا حساب ولا عقاب لأنها زوجة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كلاّ، فقد أعلم الله عباده ذكوراً وإناثاً بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتّى ولو كان الزوج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنما الذي ينفع ويضرُّ عند الله هو فقط أعمال الإنسان. قال تعالى: «ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل أدخلا النار مع الدّاخلين» [التحريم: 10].
وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت: «رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجنّي من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربّها وكتبه وكانت من القانتين» [التحريم: 11 ـ 12].
وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصّحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلاّ إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة، وإلاّ فإن العذاب يكون مضاعفاً. لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذّب البعيد الذي لم يسمع الوحي كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحق.
____________
(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة: 2/80.
وإليك الآن أيها القارئ الكريم بعض رواياتها بشيء من التفصيل لكي تتعرف على شخصية هذه المرأة التي لعبت أكبر الأدوار في إبعاد علي عن الخلافة وحاربته بكل ما أوتيت من قوة ودهاء.
ولكي تعرف أيضاً بأنّ آية إذهاب الرجس والتطهير بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأنّ هذا الوهابي واتباعه أكثرهم ضحايا الدسّ والتزوير فهم أتباع بني أمية من حيث لا يشعرون.
أم المؤمنين عائشة تشهد على نفسها
ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقدها الغيرة صوابها، فتتصرّف بحضرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تصرفاً لا أخلاقياً، قالت: «بعثت صفية زوج النبي إلى رسول الله بطعام قد صنعته له، وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتّى أستقلّني أفكل، فضربت القصعة ورميت بها، قالت: فنظر إليّ رسول اله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعرفت الغضب في وجهه، فقتل: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت، قال: أوِّلي، قلت وما كفّارته يا رسول الله؟ قال: طعام كطعامها وإناء كإنائها (1).
ومرة أخرى تروي عن نفسها، قالت: قلت للنبي حسبُك من صفيّة كذا وكذا، فقال لي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد قلتِ كلمة لو مُزجتْ بماء البحر لمزجته (2).
سبحان الله! أين أم المؤمنين من الأخلاق وأبسط الحقوق التي فرضها الإسلام في تحريم الغيبة والنّميمة؟ ولا شكّ بأن قولها: «حسبك من صفية كذا وكذا»، وقول الرسول بأنها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته بأنّ ما قالته عائشة في ضرّتها أمّ المؤمنين صفية أمرٌ عظيم. وخطبٌ جسيم.
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل: 6/277. وسنن النسائي: 2/148.
(2) صحيح الترمذي وقد رواه عنه الزركشي في صفحة 73.
وأعتقد بأنّ روّاة الحديث استفضعوها واستعظموها فأبدلوها بعبارة (كذا وكذا) كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا.
وها هي عائشة أم المؤمنين تحكي مرة أخرى عن غيرتها من أمهات المؤمنين قالت: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة وأعجب بها رسول الله، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت حارثة بين النعمان، وفزعنا لها فجزعت، فحوّلها رسول الله إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا ثم رزقه الله الولد منها وحرمناه (1).
كما أنّ عائشة تعدت غيرتها دائرة مارية ضرّتها إلى إبراهيم المولود الرضيع البريء! قالت لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إليّ، فقال: أنظري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شبهاً. فقال رسول الله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ قالت فقلت: من سقي ألبان الضّان إبيضّ وسمن (2).
وقد تعدّت غيرتها كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظّنون والوساوس إلى الشك في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكانت كثيراً ما تتظاهر بالنّوم عندما يبات عندها رسول الله ولكنّها ترقب زوجها وتتحسّس مكانه في الظلام وتتعقّبه أين ما ذهب وإليك الرواية عن لسانها والتي: أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي
____________
(1) الطبقات الكبرى لأبن سعد: 8/212، أنساب الأشراف: 1/449، الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني أخرجها في ترجمة مارية القبطية.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/37 ترجمة إبرايم بن النبي ـ وكذلك في أنساب الأشراف.
واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرّات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فاسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشياً رابيهً؟ قالت فقلت: لا شيء قال: لتخبريني أو ليخبرني اللّطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي فأخبرته قال: فأنت السّواد الذي رأيت أمامي قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله… (1).
ومرة أخرى قالت فقدت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فظننت أنّه أتى بعض جواريه، فطلبته فإذا هو ساجد يقول: رب اغفر لي (2) وأخرى قالت: إن رسول الله خرج من عندي ليلاً، قالت: فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة، أغرتِ؟ فقلت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال رسول الله: أفأخذك شيطانك… (3).
وهذه الرواية الأخيرة تدلّ دلالة واضحة على أنها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة كأن تكسّر الأواني أو تمزّق الملابس مثلاً. ولذلك تقول في هذه الرواية فلمّا جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذكِ شيطانكِ؟
ولا شك أنّ شيطان عائشة كان كثيراً ما يأخذها أو يلبسها وقد وجد لقلبها سبيلاً من طريق الغيرة وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: «الغيرة للرّجل إيمان وللمرأة كفرٌ». باعتبار أن الرّجل يغار على زوجته لأنّه لا يجوز شرعاً أن يشاركه فيها أحد ـ أما المرأة فليس من
____________
(1) صحيح مسلم: 3/64 باب ما يقال عند دخول القبور. مسند أحمد بن حنبل: 6/221.
(2) مسند الإمام أحمد: 6/147.
(3) مسند أحمد بن حنبل: 6/115.
حقّها أن تغارٍ على زوجها لأنّ الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة، فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنت لأحكام الله سبحانه تتقبّل ضرّتها بنفس رياضية كما يقال اليوم وخصوصاً إذا كان زوجها عادلاً مستقيماً يخاف الله، فما بالك بسيّد الإنسانية ورمز الكمال والعدل والخلق العظيم؟ على أنّنا نجد تناقضاً واضحاً في خصوص حبّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعائشة وما يقوله أهل السنّة والجماعة من أنّها كانت أحبّ نسائه إليه وأعزّهم لديه حتّى أنّهم يروون أنّ بع نسائه وهبْنَ نوبتهنّ لعائشة لمّا علمن بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يحبّها ولا يصبر عليها، فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبرّراً وتفسيراً لغيرة عائشة المفرطة؟ والمفروض أن العكس هو الصحيح. أي أن تغار بقية أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من عائشة لشدّة حبه إياها وميله معها كما يروون ويزعمون، وإذا كانت هي المدلّلة عند الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فما هو مبرّر الغيرة؟
وللحديث بقيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النور
بسم الله الرحمن الرحيم
فيما يتعلّق بأهل البيت عليهم السلام
السؤال: من هم أهل البيت؟ يقول الله سبحانه وتعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» [الأحزاب: 33].
يقول أهل السنة والجماعة بأن هذه الآية نزت في نساء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ويستدلّون على ذلك بسياق ما قبلها وما بعدها من الآيات، وعلى حسب زعمهم فإنّ الله أذهب الرجس عن نساء النبي وطهّرهن تظهيراً.
ومنهم من يضيف إلى نساء النّبي علي وفاطمة والحسن والحسين، ولكنّ الواقع النقلي والعقلي والتاريخي يأبى هذا التفسير، لأن أهل السنة يروون في صحاحهم بأنّ الآية نزلت في خمسة وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين،وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي خصّهم ونفسه الشريفة بهذه الآية الكريمة عندما أدخل عليّاً وفاطمة والحسنين معه تحت الكساء. وقال: اللهم هؤلاء أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وقد أخرج ذلك من علماء أهل السنة جمع غفير أذكر منهم:
1 ـ مسلم في صحيحه في باب فضائل أهل بيت النبي: 2/368.
2 ـ الترمذي في صحيحه: 5/30.
3 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل: 1/330:
4 ـ مستدرك الحاكم: 2/123.
5 ـ خصائص الإمام النسائي: 49.
6 ـ تلخيص الذهبي: 2/150.
7 ـ معجم الطبراني: 1/65.
8 ـ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 2/11.
9 ـ البخاري في التاريخ الكبير: 1/69.
10 ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني: 2/502.
11 ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي: 233.
12 ـ تفسير الفخر الرازي: 2/700.
13 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 107.
14 مناقب الخوارزمي: 23.
15 ـ السيرة الحلبية: 3/212.
16 ـ السيرة الدحلانية: 3/329.
17 ـ أسد الغابة لابن الأثير: 2/12.
18 ـ تفسير الطبري: 22/6.
19 ـ الدر المنثور للسيوطي: 5/198.
20 ـ تاريخ ابن عساكر: 1/185.
21 ـ تفسير الكشاف للزمخشري: 1/193.
22 ـ أحكام القرآن لابن عربي: 2/166.
23 ـ تفسير القرطبي: 14/182.
24 ـ الصواعق المحرقة لابن حجر: 85.
25 ـ الاستيعاب لابن عبد البر: 3/37.
26 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه: 4/311.
27 ـ منتخب كنز العمال: 5/96.
28 ـ مصابيح السنة للبغوي: 2/278.
29 ـ أسباب النزول للواحدي: 203.
تفسير ابن كثير: 3/483.
وغير هؤلاء من علماء أهل السنة والجماعة كثيرون لم نذكرهم واكتفينا في هذه العجالة بهذا القدر.
وما عليك يا أحمق إلا لتجد لك مخرجا من كل تلك المصادر وانتبه بأنني لم آتيك بحديث واحد من كتب السنه الشيعيه ( النجاشي والفهرست والرجال والكشي والغضائري والبرقي والخلاصه وأبن داود )
وإذا كان كل هؤلاء يعترفون بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي بيّن المقصود من هذه الآية فما قيمة أقوال غيره من الصحابة أو التابعين أو المفسّرين الذين يريدون حمل معناها على غير ما يريده الله ورسوله، ابتغاء مرضاة معاوية وطمعاً في ما عنده.
كما أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أشار إليهم مرّة أخرى وخصّهم بأنهم هم أهل البيت لا غيرهم، وذلك عندما نزل قوله سبحانه وتعالى: «فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» [آل عمران: 61]. فدعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم. وفي رواية مسلم «اللهم هؤلاء أهلي» (1).
وعلماء أهل السنّة والجماعة الذين ذكرتهم في المصادر السّابقة كلّهم يعترفون أيضاً بنزول هذه الآية في هؤلاء الخمسة المذكورين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
على أنّ أزواج النبي رضي الله تعالى عنهن عرفْن مقصود الآية
____________
(1) صحيح مسلم: 7/121. باب فضائل علي بن أبي طالب.
الكريمة ولذلك لم تدّعي واحدة منهن أنّها من أهل البيت وعلى رأسهن أمّ سلمة وعائشة وقد روت كل واحدة منهنّ أن الآية خاصة برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين وقد أخرج اعترافهن كل من مسلم والترمذي والحاكم والطبري والسيوطي والذهبي وابن الأثير وغيرهم.
أضف إلى كل ذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، قد رفع هذا للّبس وهذا الإشكال لأنّه علم بأنّ المسلمين قد يرؤون القرآن ويحملون أهل البيت على سياق الآيات السابقة واللاّحقة والتي تحذّر نساء النبي، فبادر إلى تعليم الأمّة بمقصود آية إذهاب الرجل والتطهير عندما داوم طيلة ستة أشهر (بعد نزول الآية) على المرور بباب علي وفاطمة والحسنين قبل الشروع في إقامة الصلاة فيقول: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، قوموا إلى الصلاة يرحمكم الله» .
وقد أخرج هذه المبادرة التي فعلها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الترمذي في صحيحه: 5/31 والحاكم في المستدرك: 3/158 والذهبي في تلخيصه ـ وأحمد بن حنبل في مسنده: 3/259 وابن الأثير في أسد الغابة: 5/521 والحسكاني في شواهد التنزيل: 2/11 والسيوطي في الدر المنثور: 5/199 والطبري في تفسيره: 22/6 والبلاذري في أنساب الأشراف: 2/104 وابن كثير في تفسيره: 3/483 والهيثمي في مجمع الزوائد: 9/168 وغيرهم.
وإذا أضفنا إلى كل هؤلاء أئمة أهل البيت وعلماء الشيعة الذين لا يشكّون في اختصاص محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين بهذه الآية الكريمة فلا تبقى بعد ذل أية قيمة لمن خالفهم من أعداء أهل البيت والمتشيعين لمعاوية وبني أميّة الذين يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
وقد كشف أولئك الذين يفسّرون الآية على غير تفسير النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
لها، بأنهم من المتزلّفين إلى الحكّام من الأمويين والعبّاسيين قديماً، وحديثاً بأنهم من النواصب الذين يبغضون عليّاً وإن تستروا بزي العلماء والفقهاء.
على أنّ العقل وحده يحكم بعدم شمول هذه الآية، أعني (إذهاب الرجس ـ والتطهير) لزوجات النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
1 ـ فإذا ما أخذنا على سبيل المثال أمّ المؤمنين عائشة التي تدّعي أنها أحبّ أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إليه وأقربهم لديه حتّى أن باقي أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم غرن منها وبعثن للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة كما قدّمنا، لم تتجرّأ، ولم يتجرّأ أحد من أنصارها ومحبّيها ولا من السّابقين أو من اللاّحقين أن يقول بأنّ عائشة كانت تحت الكساء يوم نزول الآية، فما أعظم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم في أقواله وأفعاله وما أعظم حكمته عندما حصر أهل بيته معه تحت الكساء حتى أن أمّ المؤمنين أمّ سلمة زوجة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أرادت الدخول معهم تحت الكساء وطلبت ذلك من زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولكنّه منعها من ذلك وقال لها: «أنت إلى خير».
2 ـ ثم إنّ الآية بمفهومها الخاص والعام دالّ على العصمة. فإن إذهاب الرّجس يشمل كل الذّنوب والمعاصي والرّذائل صغيرها وكبيرها وخصوصاً إذا أضيف إليها تطهير من ربّ العزّة والجلالة، وإذا كان المسلمون يتطهرون بالماء والتراب طهارة جسدية لا تتعدّى ظاهر الجسم، فأهل البيت طهرهم الله طهارة روحية غسلت العقل والقلب والفؤاد فلم تترك لوساوس الشيطان ولا لارتكاب المعاصي مكانا.ً فأصبحت قلوبهم صافية نقية خالصة مخلصة لخالقها وبارئها في كل حركاتها وسكناتها.
3 ـ ولكلّ ذلك كان هؤلاء المطهّرون مثالاً للإنسانية جمعاء في الزهد والتقوى والإخلاص والعلم والحلم والشجاعة والمروءة والعفّة والنّزاهة والعُزوف عن الدنيا والقُرب منه جلّ وعلا ولم يسجّل التاريخ لواحد منهم معصية أو ذنباً طيلة حياته.
وإذا كان الأمر كذلك، فلنعد إلى المثال الأول لزوجات النبي صلّى اله عليه وآله وسلّم وهي عائشة التي بلغت من المرتبة السّامية والمكانة العالية والشهرة الكبيرة ما لم تبلغه أيّة زوجة أخرى للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، لا ولا حتّى لو جمعنا فضائلهنّ بأجمعهنّ ما بلغنَ عشر معشار عائشة بنت أبي بكر، هذا ما يقوله أهل السنة فيها والذين يعتبرون أنّ نصف الدّين يؤخذ عنها وحدها.
وإذا ما تجرّدنا للحقيقة بدون تعصّب ولا انحياز، فهل من المعقول أن يحكم العقل بأنها مطهّرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أنّ الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؟ فلننظر معاً إلى الواقع.
عائشة في حياة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
وإذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وجدنا الكثير من الذنوب والمعاصي فكانت كثيراً ما تتآمر مع حفصة على النبي حتّى اضطرّته إلى تحريم ما أحل الله له كما جاء ذلك في البخاري ومسلم وتظاهرتا عليه أيضاً كما أثبت ذلك كل الصحاح وكتب التفسير وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز.
كما كانت الغيرة تسيطر على قلبها وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرّفاً بغير احترام ولا أدب، فمرّة قالت للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما ذكر عندها خديجة: مالي ولخديجة إنها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها، فغضب لذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اهتزّ شعره (1) ومرّة اُخرى بعث إحدى أمهات المؤمنين للنبي (وكان في بيتها) بصحفة فيها طعام كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يشتهيه، فكسّرت الصحفة أمامه بطعامها (2) وقالت للنبي مرة أخرى: أنت
____________
(1) صحيح البخاري: 4/231 باب تزويج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خديجة وكذلك صحيح مسلم.
(2) صحيح البخاري: 6/157 في باب الغيرة.
الذي تزعم أنك نبي الله (1) ومرّة غضبت عنده فقالت له: اعدل وكان أبوها حاضراً فضربها حتى سال دمها (2) وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّت عرساً للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، فقالت لها: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليعجبُه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق المرأة البريئة الساذجة والتي طلقها النبي بسبب هذه المقالة (3). وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، أنّه كان يصلّي وهي باسطة رجليها في قبلته فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها وإذا قام أعادت بسطتها في قبلته (4).
وتآمرت هي وحفصة مرّة أخرى على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اعتزل نساءه بسببها لمدّة شهر كامل ينام على حصير (5). ولمّا نزل قول الله تعالى: «ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء…» قالت للنبي في غير حياء: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك (6) وكانت عائشة إذا غضبت (وكثيراً ما كانت تغضب) تهجر اسم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا تذكر اسم محمد وإنما تقول وربّ إبراهيم (7).
وقد أساءت عائشة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيراً وجرّعته الغصص ولكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم رؤوف رحيم، وأخلاقه عالية وصبره عميق، فكان كثيراً ما يقول لها: «ألبسك شيطانك يا عائشة» وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر، وكم من مرّة ينزل القرآن بسببها
____________
(1) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: 2/29 كتاب أدب النكاح.
(2) كنز العمّال: 7/116 وكذلك إحياء العلوم للغزالي.
(3) الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/145. الإصابة لابن حجر: 4/233. تاريخ اليعقوبي: 2/69.
(4) صحيح البخاري: 1/101 باب الصلاة على الفراش.
(5) صحيح البخاري: 3/105 في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم.
(6) صحيح البخاري: 6/24 و128 باب هل للمرأة ان تهب نفسها لأحدٍ. صحيح مسلم باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرّتها.
(7) صحيح البخاري: 6/158 باب غيرة النساء ووجدهنّ.
فقد قال تعالى لها ولحفصة: «وإن تنوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ، أي أنها زاغت وانحرفت عن الحق (1) وقوله: «إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً» هو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي كانت كثيراً ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها. وقال الله لهما: «عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات» وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري (2). فدلّت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.
ومرّة بعثها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما رأيت يا عائشة؟ فقالت: ما رأيت طائلاً! فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد رأيت طائلاً، لقد رأيت خالاً تجدها اقشعرت منه ذوائبك. فقالت: يا رسول الله ما دونك سرّ، ومن يستطيع أن يكتمك (3).
وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجرّ معها حفصة بنت عمر والغريب أننا نجد تفاهماً وانسجاماً تامّاً بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر غير أنّه في النّساء كانت عائشة دائماً هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي كانت تجرّ حفصة بنت عمر وراءها في كل شيء. بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفاً أمام عمر الذي كان هو الجريء والقوي وصاحب المبادرة في كل شيء ولقد رأينا في ما مرّ من الأبحاث أنّه حتّى في خلافته كان ابن الخطاب هو الحاكم الفعلي ـ وقد حدث بعض
____________
(1) صحيح البخاري: 3/106 باب الغرفة والعلية من كتاب المظالم.
(2) صحيح البخاري: 6/69 و71 باب وإذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه.
(3) طبقات ابن سعد: 8/115. كنز العمال: 6/294.
المؤرخين أنّ عائشة لما همّت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي فيما سُمّي بحرب الجمل أرسلت إلى أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلاّ حفصة بنت عمر التي تجهّزت وهمّت بالخروج معها لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطّت رحلها (1) ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معاً في قوله: «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا» وكذلك قوله: «إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ولقد ضرب الله لهما مثلاً خطيراً في سورة التحريم ليعلمهما وبقية المسلمين الذين يعتقدون بأنّ أم المؤمنين تدخل الجنّة بلا حساب ولا عقاب لأنها زوجة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كلاّ، فقد أعلم الله عباده ذكوراً وإناثاً بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتّى ولو كان الزوج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنما الذي ينفع ويضرُّ عند الله هو فقط أعمال الإنسان. قال تعالى: «ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل أدخلا النار مع الدّاخلين» [التحريم: 10].
وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت: «رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجنّي من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربّها وكتبه وكانت من القانتين» [التحريم: 11 ـ 12].
وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصّحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلاّ إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة، وإلاّ فإن العذاب يكون مضاعفاً. لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذّب البعيد الذي لم يسمع الوحي كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحق.
____________
(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة: 2/80.
وإليك الآن أيها القارئ الكريم بعض رواياتها بشيء من التفصيل لكي تتعرف على شخصية هذه المرأة التي لعبت أكبر الأدوار في إبعاد علي عن الخلافة وحاربته بكل ما أوتيت من قوة ودهاء.
ولكي تعرف أيضاً بأنّ آية إذهاب الرجس والتطهير بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأنّ هذا الوهابي واتباعه أكثرهم ضحايا الدسّ والتزوير فهم أتباع بني أمية من حيث لا يشعرون.
أم المؤمنين عائشة تشهد على نفسها
ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقدها الغيرة صوابها، فتتصرّف بحضرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تصرفاً لا أخلاقياً، قالت: «بعثت صفية زوج النبي إلى رسول الله بطعام قد صنعته له، وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتّى أستقلّني أفكل، فضربت القصعة ورميت بها، قالت: فنظر إليّ رسول اله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعرفت الغضب في وجهه، فقتل: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت، قال: أوِّلي، قلت وما كفّارته يا رسول الله؟ قال: طعام كطعامها وإناء كإنائها (1).
ومرة أخرى تروي عن نفسها، قالت: قلت للنبي حسبُك من صفيّة كذا وكذا، فقال لي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد قلتِ كلمة لو مُزجتْ بماء البحر لمزجته (2).
سبحان الله! أين أم المؤمنين من الأخلاق وأبسط الحقوق التي فرضها الإسلام في تحريم الغيبة والنّميمة؟ ولا شكّ بأن قولها: «حسبك من صفية كذا وكذا»، وقول الرسول بأنها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته بأنّ ما قالته عائشة في ضرّتها أمّ المؤمنين صفية أمرٌ عظيم. وخطبٌ جسيم.
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل: 6/277. وسنن النسائي: 2/148.
(2) صحيح الترمذي وقد رواه عنه الزركشي في صفحة 73.
وأعتقد بأنّ روّاة الحديث استفضعوها واستعظموها فأبدلوها بعبارة (كذا وكذا) كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا.
وها هي عائشة أم المؤمنين تحكي مرة أخرى عن غيرتها من أمهات المؤمنين قالت: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة وأعجب بها رسول الله، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت حارثة بين النعمان، وفزعنا لها فجزعت، فحوّلها رسول الله إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا ثم رزقه الله الولد منها وحرمناه (1).
كما أنّ عائشة تعدت غيرتها دائرة مارية ضرّتها إلى إبراهيم المولود الرضيع البريء! قالت لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إليّ، فقال: أنظري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شبهاً. فقال رسول الله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ قالت فقلت: من سقي ألبان الضّان إبيضّ وسمن (2).
وقد تعدّت غيرتها كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظّنون والوساوس إلى الشك في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكانت كثيراً ما تتظاهر بالنّوم عندما يبات عندها رسول الله ولكنّها ترقب زوجها وتتحسّس مكانه في الظلام وتتعقّبه أين ما ذهب وإليك الرواية عن لسانها والتي: أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي
____________
(1) الطبقات الكبرى لأبن سعد: 8/212، أنساب الأشراف: 1/449، الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني أخرجها في ترجمة مارية القبطية.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/37 ترجمة إبرايم بن النبي ـ وكذلك في أنساب الأشراف.
واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرّات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فاسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشياً رابيهً؟ قالت فقلت: لا شيء قال: لتخبريني أو ليخبرني اللّطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي فأخبرته قال: فأنت السّواد الذي رأيت أمامي قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله… (1).
ومرة أخرى قالت فقدت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فظننت أنّه أتى بعض جواريه، فطلبته فإذا هو ساجد يقول: رب اغفر لي (2) وأخرى قالت: إن رسول الله خرج من عندي ليلاً، قالت: فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة، أغرتِ؟ فقلت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال رسول الله: أفأخذك شيطانك… (3).
وهذه الرواية الأخيرة تدلّ دلالة واضحة على أنها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة كأن تكسّر الأواني أو تمزّق الملابس مثلاً. ولذلك تقول في هذه الرواية فلمّا جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذكِ شيطانكِ؟
ولا شك أنّ شيطان عائشة كان كثيراً ما يأخذها أو يلبسها وقد وجد لقلبها سبيلاً من طريق الغيرة وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: «الغيرة للرّجل إيمان وللمرأة كفرٌ». باعتبار أن الرّجل يغار على زوجته لأنّه لا يجوز شرعاً أن يشاركه فيها أحد ـ أما المرأة فليس من
____________
(1) صحيح مسلم: 3/64 باب ما يقال عند دخول القبور. مسند أحمد بن حنبل: 6/221.
(2) مسند الإمام أحمد: 6/147.
(3) مسند أحمد بن حنبل: 6/115.
حقّها أن تغارٍ على زوجها لأنّ الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة، فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنت لأحكام الله سبحانه تتقبّل ضرّتها بنفس رياضية كما يقال اليوم وخصوصاً إذا كان زوجها عادلاً مستقيماً يخاف الله، فما بالك بسيّد الإنسانية ورمز الكمال والعدل والخلق العظيم؟ على أنّنا نجد تناقضاً واضحاً في خصوص حبّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعائشة وما يقوله أهل السنّة والجماعة من أنّها كانت أحبّ نسائه إليه وأعزّهم لديه حتّى أنّهم يروون أنّ بع نسائه وهبْنَ نوبتهنّ لعائشة لمّا علمن بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يحبّها ولا يصبر عليها، فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبرّراً وتفسيراً لغيرة عائشة المفرطة؟ والمفروض أن العكس هو الصحيح. أي أن تغار بقية أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من عائشة لشدّة حبه إياها وميله معها كما يروون ويزعمون، وإذا كانت هي المدلّلة عند الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فما هو مبرّر الغيرة؟
وللحديث بقيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النور







تعليق