الإمامة في اللغة
جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي أن الإمامة مصدرها فعل ( أمّ ) إذ يقال : ( أمّهم وأمّ بهم : تقدّمهم ) ، وهي الإمامة ، والإمام : كلما أئتم به من رئيس أو غيره (1) .
أمّا في لسان العرب ، فيقول ابن منظور : (( الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالّين ، .. والجميع أئمة ، .. والقرآن إمام المسلمين ، وسيّدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم إمام الأئمة ، والخليفة إمام الرعية ، وإمام الجند قائدهم ، .. وائتم به : اقتدى به .
والإمام هو المثال ... والإمام الطريق ... )) (2) .
ويقول الزبيدي في تاج العروس : (( والدليل إمام السفر ، والحادي : إمام الإبل ، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها ... )) (3) .
وخلاصة هذه التعريفات المتقاربة أن الإمام هو الذي يتقدم القوم ، فيأتمون به ، ويتخذونه مثالاً يقتدون به ، فيكون هادياً لهم إلى الطريق ، فهو إذاً رئيس القوم وقائدهم .
الإمامة في الكتاب والسّنة
ورد لفظ ( الإمام ) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد وبصيغة الجمع في عدة مواضع منها :
{ وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً ... } ] البقرة /124 [ . { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ... } ] السجدة /24[ . { يوم ندعو كل أناس بإمامهم ... } ] الإسراء /71[ . { ... ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } ] القصص/5[ . { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون }]القصص/41[ .
أما في الحديث النبوي فقد ورد لفظ الإمام في مواطن كثيرة أبرزها : (( من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية )) (4) .
الإمامة في الاصطلاح
ثمة تعريفات كثيرة للإمامة تختلف في اللفظ أو في الدلالة والمعنى ، ولئن تعددت تعريفات علماء أهل السّنة (( واختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعنى )) (5) ، لكن الاختلاف الجوهري في تعريف مفهوم الإمامة هو بين علماء أهل السنة من جهة وأئمة علماء الشيعة من جهة أخرى .
وفيما يلي بعض أبرز تعريفات علماء السّنة لمفهوم الإمامة :
يعتبر الماوردي ( 364 – 450 هـ ) – وهو أول من صاغ النظرية السياسية الإسلامية عند أهل السّنة – أنّ (( الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ... )) (6) . ويذهب إمام الحرمين الجويني إلى أن الإمامة (( رئاسة تامة ، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمّات الدين والدّنيا )) (7) . ويعرفها الأيجي بأنها (( خلافة الرسول (ص) في إقامة الدين ... )) (8) . أمّا ابن خلدون فيقول : (( وإذ قد بيّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين ، وسياسة الدنيا به تسمّى خلافة وإمامة ، والقائم به خليفة وإماماً )) (9) . ويذهب محمد رشيد رضا إلى الرأي نفسه ، فيعتبر أن (( الخلافة والإمامة العظمى وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد )) (10) .
ونرى أن ثمة ترادفاً بين ألفاظ الإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين عند أهل السّنة (11) ، فالنووي يجوّز (( أن يقال للإمام : الخليفة والإمام أمير المؤمنين )) (12) . ويوافقه ابن خلدون (13) ومحمد رشيد رضا (14) . ويفسر الشيخ أبو زهرة ذلك الترادف بقوله : (( المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى ، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (ص) في إدارة شؤونهم ، وتسمى إمامة لأن الخليفة كان يسمّى إماماً ولأن طاعته واجبة ... )) (15) .
وهكذا أخذت الإمامة عند أهل السنـة معنىً اصطلاحياً ، فقصــد بالإمام : (( خليفــة المسلمين وحاكمهم )) ، فلم يفرقوا بين لقبي الخليفة والإمام (16) .
أمّا بالنسبة إلى الشيعة ( الإثنى عشرية ) ، فإن الإمامة عندهم أصل من أصول الدين ، و (( حجر الزاوية في المذهب الشيعي )) (17) . ولعلّ أفضل تعريف نجده في ما ينسب من القول إلى الإمام الثامن علي الرضا – عليه السلام - : (( إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ، إن الإمامة هي خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ... ، إن الإمامة هي زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين ، الإمامة رأس الإسلام النامي وفرعه السامي ، وبالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحل حلال الله ويحرم حرامه ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ، الإمام (هو) المطهّر من الذنوب والمبرأ من العيوب المخصوص بالعلم المرسوم بالحلم ، الإمام واحد دهره لايدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كله من غير طلب ولا اكتساب ، بل اختصاص من المتفضّل الوهاب ... )) (18) .
اختلاف مفهوم الإمامة بين السّنة والشيعة
يختلف مفهوم الإمامة عند الشيعة عن مفهوم الإمامة والخلافة عند أهل السّنة كما اتّضح ، لأنّ الإمامة عند السّنة (( خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به )) ، أي نيابة عن النبي في سلطته الزمنية دون الدينية ، وبالتالي ليس للخليفة صلاحيات الرسول في التشريع ، والأحكام التي تصدر عنه اجتهادية لا إلهية . (19) .
بينما الإمامة عند الشيعة (( خلافة الله وخلافة رسوله )) ومنزلتها (( منزلة الأنبياء )) وهي (( إرث الأوصياء )) . وعليه فإن الإمام يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سلطته الدينية والسياسية ، أي له صلاحيات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في التشريع ، والأحكام التي تصدر عنه أحكام إلهية وليست اجتهادية ، فهو يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه (20) .
وعليه يجب أن يكون الإمام كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً عن الذنوب والأخطاء ومخصوصاً بالعلم الإلهي لكي يكون حجة على العباد ، وهادياً لهم ، مؤيداً من الله ، وعالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم .
ويلزم من ذلك أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه من الله ورسوله . ويستدل الشيعة على النّص على الإمام بآيات من القرآن الكريم : { وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ... } ] القصص/68[ ، { ... قال إني جاعلك للناس إماماً ... } ]البقرة/124[ ، { ... واجعلنا للمتقين إماما }]الفرقان/74[ ، { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ... } ]الأنبياء/73[ ، { ... ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } ] القصص/5[ ، { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ]السجدة/24[ .
فهذه الآيات تشير إلى أن الله هو الذي يجعل أو يختار الإمام أو الأئمة للناس .
أما عصمة الإمام فيستدل الشيعة عليها بالآية القرآنية التي يخاطب الله بها النبي إبراهيم – عليه السلام – وهي : { وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهّن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } ]البقرة /124[ . إذ قيّد الإمامة ( عهد الله ) بعدم الظلم ، والمعصية ظلم ، وبالتالي يجب أن يكون الإمام معصوماً من جميع المعاصي حتى ينال عهد الله ، أي الإمامة .
ويذهب العلامة الطباطبائي إلى أن معنى الإمامة هو غير معاني الخلافة والرئاسة والوصاية . ففي رأيه أن الإمامة التي جعلها الله لنبيّه إبراهيم – عليه السلام – (( هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره )) في تقليد أفعاله واقواله . ويلاحظ السيد الطباطبائي أن الله تعالى كلما تعرّض في محكم كتابه إلى (( معنى الإمامة تعرّض معها للهداية تعرّض التفسير )) ويستشهد بعدة آيات على ذلك منها : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ...} ]الأنبياء /72-73[ ، { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ] السجدة /24[ . فهو سبحانه قد وصف الإمامة بالهداية وصف تعريف ، ثم قيّدها بالأمر ، فبيّن أن الإمامة ليست مطلق الهداية ، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله ... .
إذا فالإمام هو (( هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه )) لأنه (( هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر ، كما يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة وباطنها ... )) ويستدل بقوله تعالى : { يوم ندعو كل أناس بإمامهم ... } ]الإسراء /71[ ، لذلك يشترط في الإمام أن يكون مهتدياً بنفسه لا بغيره ، إذ يقول تعالى : { ... أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبّع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ... }] يونس /35[ .
ويستنتج الطباطبائي (( أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية ، وإلاّ كان غير مهتدٍ بنفسه .. ولا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة )) . ويستدل على ذلك بالآية التالية : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } ]الأنبياء /73[ فيفسرها بأن (( أفعال الخيرات التي يقوم بها الإمام لا يهتدي إليها من غيره بل من نفسه )) وذلك (( بتأييد إلهي وتسديد رباني )) (21) { وأوحينا إليهم } .
ويمكننا تلخيص عقيدة الشيعة في الإمامة بما يلي :
1- وجوب الإمامة على الله .
2- وجوب النص على الإمام .
3- وجوب عصمة الإمام .
4- علم الإمام إلهام من الله .
5- منزلة الإمام كمنزلة النبي باستثناء الوحي والكتاب .
لهذا السبب نجد أن علماء الشيعة يميّزون بين لفظ الإمام ولفظ الخليفة ، ولا يستخدمون اللفظ الأخير في أبحاثهم إلاّ للإشارة إلى (( من اغتصبوا آل البيت حقوقهم ... واقتصر لفظ الخلافة على التاريخ السياسي )) (22) .
ونذكر هنا أنه قد اختلف موقف الشيعة من السلطة القائمة عن موقف أهل السنة ، فشكّل الشيعة المعارضة السياسية والدينية لها ، بينما كان الموقف السني تسليماً للأمر الواقع (23) . وهذا ما دفع الشيعة إلى البحث في الإمامة ، فقاموا بتحديد مصطلحات هذا العلم وموضوعاته ، بل بابتداعها (24) فيما كانت الأبحاث السنّية في الإمامة في موضع الردّ على أسئلة الشيعة . (( وبهذا شابهة صيغة الجواب صيغة السؤال )) وغلب استعمال لفظ الإمامة على استعمال لفظ الخلافة في أبحاثهم (25) .
وينقل ابن النديم أن أول من تكلّم في مسألة الإمامة هو علي بن إسماعيل بن ميثم التمار ، وقد ألّف (( كتاب الإمامة )) وأنّ هشام بن الحكم أحد تلامذة الإمام الصادق – عليه السلام – وأبرز متكلمي الشيعة ، هو (( الذي فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب )) (26) .
غير أن تأثّر أهل السّنة بمصطلحات الشيعة في الإمامة ، لا يعني – كما أسلفنا – تماثل مفهومهما لدى الفريقين (27) . فالإمامة عند السنة نظرياً هي منصب سياسي لحفظ الدين وتنفيذ أحكامه ، لكنها – برأينا – كانت عملياً – كما عرفها التاريخ الإسلامي – حكومة الأمر الواقع ، وإن حاول بعض علماء أهل السنة أن يضفي عليها الشرعية بالبحث عن تبرير ديني لمن وصل واستلم زمام السلطة ، وحاول فرض وصياغة النظريات السياسية الإسلامية على مقاسات الحكومات ، فحاءت النظرية تجسيداً للأمر الواقع وليس العكس (28) .
ومع أن المسلمين انقسموا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فريقين رئيسيين : فريق أهل السّنة القائلين (( بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار )) ، وفريق الشيعة القائلين (( بأن الإمامة تثبت بالنّص والتعيين )) (29) ، لكن الفريق الأول لم يخلص لرأيه سواء من الناحية العملية أو من الناحية النظرية ، ففي التطبيق العملي والتاريخي لنظرية العقد والاختيار (( تباينت طرق اعتلاء الخلفاء الثلاثة : من بيعة تمت فلتة ، ثم استخلاف ، ثم أن تكون في ستة هم المرشحون والناخبون على السواء )) (30) . وهنا يعتبر الدكتور أحمد محمود صبحي أن ذلك التباين قد أدّى إلى تعذر استنباط قاعدة شرعية تحدّد كيفية اختيار الخليفة ، مما شكل ثغرة في النظام السياسي الإسلامي نفذ منها مبدأ الغلبة ليملأ هذا الفراغ بسهولة (( حيث لا تشريع يحول دونه ، وذلك منذ أن قام الملك الغضوض بقيام الدولة ألأموية )) (31) .
جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي أن الإمامة مصدرها فعل ( أمّ ) إذ يقال : ( أمّهم وأمّ بهم : تقدّمهم ) ، وهي الإمامة ، والإمام : كلما أئتم به من رئيس أو غيره (1) .
أمّا في لسان العرب ، فيقول ابن منظور : (( الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالّين ، .. والجميع أئمة ، .. والقرآن إمام المسلمين ، وسيّدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم إمام الأئمة ، والخليفة إمام الرعية ، وإمام الجند قائدهم ، .. وائتم به : اقتدى به .
والإمام هو المثال ... والإمام الطريق ... )) (2) .
ويقول الزبيدي في تاج العروس : (( والدليل إمام السفر ، والحادي : إمام الإبل ، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها ... )) (3) .
وخلاصة هذه التعريفات المتقاربة أن الإمام هو الذي يتقدم القوم ، فيأتمون به ، ويتخذونه مثالاً يقتدون به ، فيكون هادياً لهم إلى الطريق ، فهو إذاً رئيس القوم وقائدهم .
الإمامة في الكتاب والسّنة
ورد لفظ ( الإمام ) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد وبصيغة الجمع في عدة مواضع منها :
{ وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً ... } ] البقرة /124 [ . { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ... } ] السجدة /24[ . { يوم ندعو كل أناس بإمامهم ... } ] الإسراء /71[ . { ... ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } ] القصص/5[ . { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون }]القصص/41[ .
أما في الحديث النبوي فقد ورد لفظ الإمام في مواطن كثيرة أبرزها : (( من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية )) (4) .
الإمامة في الاصطلاح
ثمة تعريفات كثيرة للإمامة تختلف في اللفظ أو في الدلالة والمعنى ، ولئن تعددت تعريفات علماء أهل السّنة (( واختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعنى )) (5) ، لكن الاختلاف الجوهري في تعريف مفهوم الإمامة هو بين علماء أهل السنة من جهة وأئمة علماء الشيعة من جهة أخرى .
وفيما يلي بعض أبرز تعريفات علماء السّنة لمفهوم الإمامة :
يعتبر الماوردي ( 364 – 450 هـ ) – وهو أول من صاغ النظرية السياسية الإسلامية عند أهل السّنة – أنّ (( الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ... )) (6) . ويذهب إمام الحرمين الجويني إلى أن الإمامة (( رئاسة تامة ، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمّات الدين والدّنيا )) (7) . ويعرفها الأيجي بأنها (( خلافة الرسول (ص) في إقامة الدين ... )) (8) . أمّا ابن خلدون فيقول : (( وإذ قد بيّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين ، وسياسة الدنيا به تسمّى خلافة وإمامة ، والقائم به خليفة وإماماً )) (9) . ويذهب محمد رشيد رضا إلى الرأي نفسه ، فيعتبر أن (( الخلافة والإمامة العظمى وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد )) (10) .
ونرى أن ثمة ترادفاً بين ألفاظ الإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين عند أهل السّنة (11) ، فالنووي يجوّز (( أن يقال للإمام : الخليفة والإمام أمير المؤمنين )) (12) . ويوافقه ابن خلدون (13) ومحمد رشيد رضا (14) . ويفسر الشيخ أبو زهرة ذلك الترادف بقوله : (( المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى ، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (ص) في إدارة شؤونهم ، وتسمى إمامة لأن الخليفة كان يسمّى إماماً ولأن طاعته واجبة ... )) (15) .
وهكذا أخذت الإمامة عند أهل السنـة معنىً اصطلاحياً ، فقصــد بالإمام : (( خليفــة المسلمين وحاكمهم )) ، فلم يفرقوا بين لقبي الخليفة والإمام (16) .
أمّا بالنسبة إلى الشيعة ( الإثنى عشرية ) ، فإن الإمامة عندهم أصل من أصول الدين ، و (( حجر الزاوية في المذهب الشيعي )) (17) . ولعلّ أفضل تعريف نجده في ما ينسب من القول إلى الإمام الثامن علي الرضا – عليه السلام - : (( إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ، إن الإمامة هي خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ... ، إن الإمامة هي زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين ، الإمامة رأس الإسلام النامي وفرعه السامي ، وبالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحل حلال الله ويحرم حرامه ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ، الإمام (هو) المطهّر من الذنوب والمبرأ من العيوب المخصوص بالعلم المرسوم بالحلم ، الإمام واحد دهره لايدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كله من غير طلب ولا اكتساب ، بل اختصاص من المتفضّل الوهاب ... )) (18) .
اختلاف مفهوم الإمامة بين السّنة والشيعة
يختلف مفهوم الإمامة عند الشيعة عن مفهوم الإمامة والخلافة عند أهل السّنة كما اتّضح ، لأنّ الإمامة عند السّنة (( خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به )) ، أي نيابة عن النبي في سلطته الزمنية دون الدينية ، وبالتالي ليس للخليفة صلاحيات الرسول في التشريع ، والأحكام التي تصدر عنه اجتهادية لا إلهية . (19) .
بينما الإمامة عند الشيعة (( خلافة الله وخلافة رسوله )) ومنزلتها (( منزلة الأنبياء )) وهي (( إرث الأوصياء )) . وعليه فإن الإمام يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سلطته الدينية والسياسية ، أي له صلاحيات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في التشريع ، والأحكام التي تصدر عنه أحكام إلهية وليست اجتهادية ، فهو يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه (20) .
وعليه يجب أن يكون الإمام كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً عن الذنوب والأخطاء ومخصوصاً بالعلم الإلهي لكي يكون حجة على العباد ، وهادياً لهم ، مؤيداً من الله ، وعالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم .
ويلزم من ذلك أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه من الله ورسوله . ويستدل الشيعة على النّص على الإمام بآيات من القرآن الكريم : { وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ... } ] القصص/68[ ، { ... قال إني جاعلك للناس إماماً ... } ]البقرة/124[ ، { ... واجعلنا للمتقين إماما }]الفرقان/74[ ، { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ... } ]الأنبياء/73[ ، { ... ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } ] القصص/5[ ، { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ]السجدة/24[ .
فهذه الآيات تشير إلى أن الله هو الذي يجعل أو يختار الإمام أو الأئمة للناس .
أما عصمة الإمام فيستدل الشيعة عليها بالآية القرآنية التي يخاطب الله بها النبي إبراهيم – عليه السلام – وهي : { وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهّن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } ]البقرة /124[ . إذ قيّد الإمامة ( عهد الله ) بعدم الظلم ، والمعصية ظلم ، وبالتالي يجب أن يكون الإمام معصوماً من جميع المعاصي حتى ينال عهد الله ، أي الإمامة .
ويذهب العلامة الطباطبائي إلى أن معنى الإمامة هو غير معاني الخلافة والرئاسة والوصاية . ففي رأيه أن الإمامة التي جعلها الله لنبيّه إبراهيم – عليه السلام – (( هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره )) في تقليد أفعاله واقواله . ويلاحظ السيد الطباطبائي أن الله تعالى كلما تعرّض في محكم كتابه إلى (( معنى الإمامة تعرّض معها للهداية تعرّض التفسير )) ويستشهد بعدة آيات على ذلك منها : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ...} ]الأنبياء /72-73[ ، { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ] السجدة /24[ . فهو سبحانه قد وصف الإمامة بالهداية وصف تعريف ، ثم قيّدها بالأمر ، فبيّن أن الإمامة ليست مطلق الهداية ، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله ... .
إذا فالإمام هو (( هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه )) لأنه (( هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر ، كما يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة وباطنها ... )) ويستدل بقوله تعالى : { يوم ندعو كل أناس بإمامهم ... } ]الإسراء /71[ ، لذلك يشترط في الإمام أن يكون مهتدياً بنفسه لا بغيره ، إذ يقول تعالى : { ... أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبّع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ... }] يونس /35[ .
ويستنتج الطباطبائي (( أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية ، وإلاّ كان غير مهتدٍ بنفسه .. ولا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة )) . ويستدل على ذلك بالآية التالية : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } ]الأنبياء /73[ فيفسرها بأن (( أفعال الخيرات التي يقوم بها الإمام لا يهتدي إليها من غيره بل من نفسه )) وذلك (( بتأييد إلهي وتسديد رباني )) (21) { وأوحينا إليهم } .
ويمكننا تلخيص عقيدة الشيعة في الإمامة بما يلي :
1- وجوب الإمامة على الله .
2- وجوب النص على الإمام .
3- وجوب عصمة الإمام .
4- علم الإمام إلهام من الله .
5- منزلة الإمام كمنزلة النبي باستثناء الوحي والكتاب .
لهذا السبب نجد أن علماء الشيعة يميّزون بين لفظ الإمام ولفظ الخليفة ، ولا يستخدمون اللفظ الأخير في أبحاثهم إلاّ للإشارة إلى (( من اغتصبوا آل البيت حقوقهم ... واقتصر لفظ الخلافة على التاريخ السياسي )) (22) .
ونذكر هنا أنه قد اختلف موقف الشيعة من السلطة القائمة عن موقف أهل السنة ، فشكّل الشيعة المعارضة السياسية والدينية لها ، بينما كان الموقف السني تسليماً للأمر الواقع (23) . وهذا ما دفع الشيعة إلى البحث في الإمامة ، فقاموا بتحديد مصطلحات هذا العلم وموضوعاته ، بل بابتداعها (24) فيما كانت الأبحاث السنّية في الإمامة في موضع الردّ على أسئلة الشيعة . (( وبهذا شابهة صيغة الجواب صيغة السؤال )) وغلب استعمال لفظ الإمامة على استعمال لفظ الخلافة في أبحاثهم (25) .
وينقل ابن النديم أن أول من تكلّم في مسألة الإمامة هو علي بن إسماعيل بن ميثم التمار ، وقد ألّف (( كتاب الإمامة )) وأنّ هشام بن الحكم أحد تلامذة الإمام الصادق – عليه السلام – وأبرز متكلمي الشيعة ، هو (( الذي فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب )) (26) .
غير أن تأثّر أهل السّنة بمصطلحات الشيعة في الإمامة ، لا يعني – كما أسلفنا – تماثل مفهومهما لدى الفريقين (27) . فالإمامة عند السنة نظرياً هي منصب سياسي لحفظ الدين وتنفيذ أحكامه ، لكنها – برأينا – كانت عملياً – كما عرفها التاريخ الإسلامي – حكومة الأمر الواقع ، وإن حاول بعض علماء أهل السنة أن يضفي عليها الشرعية بالبحث عن تبرير ديني لمن وصل واستلم زمام السلطة ، وحاول فرض وصياغة النظريات السياسية الإسلامية على مقاسات الحكومات ، فحاءت النظرية تجسيداً للأمر الواقع وليس العكس (28) .
ومع أن المسلمين انقسموا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فريقين رئيسيين : فريق أهل السّنة القائلين (( بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار )) ، وفريق الشيعة القائلين (( بأن الإمامة تثبت بالنّص والتعيين )) (29) ، لكن الفريق الأول لم يخلص لرأيه سواء من الناحية العملية أو من الناحية النظرية ، ففي التطبيق العملي والتاريخي لنظرية العقد والاختيار (( تباينت طرق اعتلاء الخلفاء الثلاثة : من بيعة تمت فلتة ، ثم استخلاف ، ثم أن تكون في ستة هم المرشحون والناخبون على السواء )) (30) . وهنا يعتبر الدكتور أحمد محمود صبحي أن ذلك التباين قد أدّى إلى تعذر استنباط قاعدة شرعية تحدّد كيفية اختيار الخليفة ، مما شكل ثغرة في النظام السياسي الإسلامي نفذ منها مبدأ الغلبة ليملأ هذا الفراغ بسهولة (( حيث لا تشريع يحول دونه ، وذلك منذ أن قام الملك الغضوض بقيام الدولة ألأموية )) (31) .



تعليق