القول بتحريف القرآن
هذا القول في حدّ ذاته شنيع لا يتحمّله مسلم آمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كان شيعياً أم سنياً.
لأّن القرآن الكريم تكفّل ربّ العزّة والجلالة بحفظه فقال عزّ من قائل إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون فلا يمكن لأحد أن يُنقّص منه أو يزيد فيه حرفاً واحداً وهو معجزة نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم الخالدة، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد.
والواقع العملي للمسلمين يرفض تحريف القرآن لأن كثيراً من الصحابة كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، وكانوا يتسابقون في حفظه وتحفيظه إلى أولادهم على مرّ الأزمنة حتّى يومنا الحاضر، فلا يمكن لإنسان ولا لجماعة ولا لدولة أن يُحرّفوه أو يبدّلوه ـ
ولو جُبناً بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً وفي كل بقاع الدنيا فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان. وإن إختلف المسلمون إلى مذاهب وفرق، وملل ونحل فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم ولا يختلف فيه من الأمّة إثنان، إلا ماكان من التفسير أو التأويل فكل حزب بما لديهم </span>الصفحة 200 فرحُون.
وما يُنْسبُ الى الشيعة إلى القول بالتحريف هو مجرّد تشنيع وتهويل وليس له في معتقدات الشيعة وجود.
وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كل تحريف.
يقول صاحب كتاب عقائد الإمامية الشيخ المظفّر: «نعتقد إنّ القرآن هو الوحي الإلهي المنزّل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم في تبيان كل شي، وهو معجزته الخالدة التي أعجزتْ البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما إحتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزّل على النبي ومن إدعي فيه غير ذلك فهو مخترف أو مغالط أو مشتبه، وكلهم على غير هدى فإنه كلام الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ (إنتهى كلامه).
وبعد هذا فكلّ بلاد الشيعة معروفة وأحكامهم في الفقه معلومة لدى الجميع، فلو كان عندهم قرآن غير الذي عندنا لعلمه الناس، وأتذكر أني عندما زرتُ بلاد الشيعة للمرة الأولى كان في ذهني بعض هذه الإشاعات، فكنت كلما رأيت مجلّداً ضخما تناولته علّني أعثر على هذا القرآن المزعوم، ولكن سرعان تبخر هذا الوهم، وعرفتُ فيما بعد إنها إحدى التشنيعات المكذوبة لينفروا الناس من الشيعة ولكن يبقى هناك دائماً من يُشنّع ويحتج على الشيعة بكتاب إسمه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربُ الأرباب» ومؤلفه محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي سنة 1329 هجري وهو شيعي ويريد هؤلاء المتحاملون أن يحمّلُوا الشيعة مسؤلية هذا الكتاب !وهذا مخالف للإنصاف.
فكم من كُتبٍ كتبت وهي لاتُعبّر في الحقيقة إلا عن رأي كاتبها ومؤلفها، ويكون فيها الغث والسمين وفيها الحق والباطل وتحمل في طياتها الخطأ والصواب ونجد ذلك عند كل الفرق الإسلامية ولا يختصّ بالشيعة دون سواها أفيجوز لنا </span>الصفحة 201 أن نُحمّل أهل السنّة والجماعة مسؤولية ماكتبه وزير الثقافة المصري وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بخصوص القرآن والشعر الجاهلي ؟
أو مارواه البخاري وهو صحيح عندهم، من نقص في القرآن وزيادة، وكذلك صحيح مسلم وغيره(1) .
ولكن لنضرب عن ذلك صفحاً ونقابل السيئة بالحسنة ولتعم ماقاله في هذا الموضوع الأستاذ محمد المديني عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية إذ كتب يقول:
«وأمّا إن الإمامية يعتقدون نقص القرآن فمعاذ الله وإنما هي روايات رُويْة في كتبهم، كما رُوي مثلها في كتُبنا، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيفوها، وبيّنوا بطلانها وليست في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك، كما إنه ليس في السنّة من يعتقده.
ويستطيع من شاء أن يرجع الى مثل كتاب الإتقان للسيوطي ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحا.
وقد ألّف أحد المصريين في سنة 1948مكتاباً أسمه «الفرقان» حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السّقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلا لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنّة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بينّ بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه. فإستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرتْ الكتاب، ورفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاّ، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.
أفيقال إنّ أهل السنّة ينكرون قداسة القرآن ؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان ؟ أو لكتاب ألفه فلان ؟
____________
(1) إذ إن كتاب (فصل الخطاب) لا يعدّ شيئاً عند الشيعة، بينما روايات نقص القرآن والزيادة فيه أخرجها صحاح أهل السنّة والجماعة أمثال البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد.
الصفحة 202 فكذلك الشيعة الإمامية إنما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات في بعض كتبنا، وفي ذلك يقول الإمام العلاّمة السعيد أبو الفضل بن الحسن الطبرسي من كبارعلماء الإمامية في القرن السادس الهجري في كتاب «مجمع البيانلعلوم القرآن».
«فأمّا الزياده فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية أهل السنة أنّ في القرآن تغييرا ونقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدّس الله روحه، وإستوفى الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب «مسائل الطرابلسيات» وذكر في مواضع: أنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب فإنّ العناية إشتدّت والدّواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغتْ إلى حدّ لم تبلغهُ فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية التي عرفوا كل شيء أختلفَ فيه من إعرابه. وقراءاته، وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد»(1) .
وحتّى يتبينّ لك أيها القاريء إنّ هذه التّهمة، «نقص القرآن والزياده فيه» هي أقرب لأهل السنّة منها لأهل الشيعة، وذلك من الدّواعي التي دعتني الى أن أراجعُ كل معتقداتي لأنّي كلما حاولتُ أنتقاد الشيعة في شيء والإستنكار عليهم إلا وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، عرفتُ أنهم يقولون صدْقاً وعلى مرّ الأيام ومن خلال البحث إقتنعتُ والحمد لله، وها أنا مقدم لك مايثبت ذلك في هذا الموضوع:
____________
(1) مقال الأستاذ محمد المديني عميد كلية الشريعة في الجامع الأزهر مجلة رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة الحادية عشر ص 382 و383.
الصفحة 203 أخرج الطبراني والبيهقي
أن من القرآن سورتين ـ إحداهما هي:
بسم الله الرحمن الرحيم إنّا نستعينك ونستغفرك ونُثني عليك الخير كلّه ولا نكفُركَ ونَخلعُ ونتركُ من يفجرك.
والسورة الثانية هي:
بسم الله الرحمن الرحيم ـ اللّهم إياك نعبدُ ولك نُصلّي ونسجد إليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدّ إن عذابك بالكافرين ملحقُ.
وهاتان السّورتان سماهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت وهما مّما كان يقنتُ بهما سيدنا عمر بن الخطّاب وهما موجودتان في مصحف إبن عبّاس ومصحف زيد بن ثابت(1) .
أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.
عن أبي بن كعب قال: كم تقرأون سورة الأحزاب ؟ قال: بضعاً وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مثل البقرة أو أكثر منها وإن فيها آية الرّجم(2) .
وأنت ترى أيها القاريء اللّبيب، أن السّورتينّ المذكورتين في كتابي الإتقان والدر المنثور للسيوطي واللتين أخرجهما الطبراني والبيهقي واللتين تسميان بسورتي القُنوت لا وجود لهما في كتاب الله تعالى.
وهذا يعني أن القرآن الذي بين أيدينا ينقص هاتين السّورتين الثابتتين في مصحف إبن عباس ومصحف زيد بن ثابت كما يدّل أيضاً بأنّ هناك مصاحف أخرى غير التي عندنا، وهو يذكّرني أيضاً بالتشنيع على أنّ للشيعة مصحف فاطمة، فأفهم !
____________
(1) جلال الدين السيوطي في الإتقان وكذلك في الدر المنثور.
(2) مسند الإمام أحمد إبن حنبل 5 / 132.
الصفحة 204 وأنّ أهل السنّة والجماعة يقرؤون هاتين السورتين في دعاء القنوت كل صباح وكنتُ شخصياً أحفضهما وأقرأ بهما في قنوت الفجر.
أمّا الرواية الثانية التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده والتي تقول بأن سورة الأحزاب ناقصة ثلاثة أرباع، لأن سورة البقرة فيها 286 آية بينما لا تتعدّى سورة الأحزاب 73 آية. وإذا إعتبرنا عدّ القرآن بالحزب فإن سورة البقرة فيها أكثر من خمسة أحزاب بينما لا تعد سورة الأحزاب إلا حزباً واحداً.
وقول أبي بن كعب: «كنتُ أقرأها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مثل البقرة أو أكثر» وهو من أشهر القرّاء الذين كانوا يحفظون القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي إختاره عُمر(1) ليُصلّي بالنّاس صلاة التراويح. فقوله هذا يبعث الشكّ والحيرة كما لا يخفى.
ـ وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(2) عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:
«إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقال فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، فقرأ فيها: «ولو أن إبن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً فلو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تابَ، وأن ذلك الدّين القيّمُ عند الله الحنفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره».
ـ وأخرج الحافظ بن عساكر في ترجمة أبي بن كعب إن أبا الدّرداء ركب الى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرأ فيها على عمر بن الخطاب هذه الآية:
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حَمُو لفسدَ المسجد الحرام فقال عمر بن الخطاب من أقرأكم هذه القراءة ؟ فقالوا:
____________
(1) البخاري 2 /252.
(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 /131
الصفحة 205 أبي بن كعب، فدعاه فقال لهم عمر إقرأوا، فرأوا: ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فقال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب، نعم أنا قرأتهم فقال عمر لزيد بن ثابت أقرأ يازيد، فقرأ زيد قراءة العامة فقال عمر: اللّهم لا أعرف إلا هذا ! فقال أبي بن كعب:
والله ياعمر إنّك لتعلمُ إنّي كنتُ أحْضر ويغيبون وأدنوا ويحجبون، وولله لئنْ أحْبْبتَ لألزمنّ بيتي فلا أحدث أحداً ولا أُقرأ أحداً حتّى أموت، فقال عمر اللّهم غفراً، إنّك لتعلم إن الله قد جعل عندك علماً فعلّم الناس مَاعلمتَ.
قال ومرّ عمر بغلام وهو يقرأ في المصحب:
النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم فقال: ياغلام حكها، فقال هذا مصحف أبي بن كعب فذهب إليه فسأله فقال له: إنّه كان يُلهيني القرآنُ ويُلهيكَ الصّفقُ بالأسواق(1) .
وروى مثل هذا إبن الأثير في جامع الأصول وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه.
وأترك لك أخي القاريء أنْ تُعلّقَ في هذه المرّة بنفسك على أمثال هذه الروايا التي ملأتْ كتب أهل السنّة والجماعة، وهم غافلون عنها ويشنّعون على الشيعة الذين لايجوجد عندهم عشر هذا.
ولكن لعلّ بعض المعاندين من أهل السنّة والجماعة ينفرُ من هذه الروايات فيرفضها كعادته وينكر على الإمام أحمد تخريجه مثل هذه الخرافات فيضعّف أسانيدها ويعتبر إن مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ليسا عند أهل السنة بمستوى صحيحي البخاري ومسلم، ولكن مثل هذه الروايات موجودة في صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضا.
____________
(1) تاريخ دمشق للحافظ بن عساكر 2 /228.
الصفحة 206 فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه(1) في باب مناقب عمّار وحذيفة رضي الله عنهما عن علقمة قال: قدمتُ الشام فصلّيتُ ركعتين ثم قلتُ: اللّهم يسّر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً فجلستُ اليهم فإذا شيخٌ قد جاء حتّى جلس الى جنبي قلتُ من هذا ؟ قالوا: أبو الدرداء، قلتُ إنّي دعوتُ الله أن ييسرّ لي جليساً صالحاً فيسّرك لي، قال مّمنْ أنت، فقلتُ من أهل الكوفة، قال: أو ليس عندكم إبن أمّ عبدٍ صاحبُ النّعلين والوساد والمطهرة، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم، أوليس فيكم صاحبُ سرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لايعلمُ أحد غيرهُ، ثم قال كيف يقرأ عبدالله والليل إذا يغشى فرأت عليه والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى قال والله لقد أقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فيه الى فيَّ.
ثم زاد في روايى أخرى قال مازال بي هؤلاء حتّى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2) .
وفي رواية قال: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى قال: أقرئنيها النُّبي صلى الله عليه وآله وسلم من فاهُ الى فيَّ فما زال هؤلاء حتّى كادوا يردّوني(3)
فهذه الروايات كلّها تفيد بأن القرآن الذي عندنا زيد فيه كلمة «وما خلق».
ـ وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبن عباس إن عمر بن الخطاب قال: أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله
____________
(1) صحيح البخاري 4 /215.
(2) صحيح البخاري 4 /216.
(3)صحيح البخاري 4 /218 (باب مناقب عبدالله بن مسعود).
الصفحة 207 صلّى الله علية وآله وسلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمانٌ أين يقول قائلٌ: والله مانجدُ آية الرّجم في كتاب الله فيضلّ بترك فضيلة أنزلها الله، والرّجمُ في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا أُحْصِنَ من الرّجال والنّساء إذا قامتْ البيّنة أو كان الحبل والإعتراف، ثم إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله إلا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفْراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم(1) .
ـ وأخرج الإمام مسلم في صحيحه(2) (في باب لو أن لإبن آدم واديين لأبتغى ثالثاً).
قال: بعث أبو موسى الأشعري الى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراءهم فأتلوه ولا يطولنّ عليكم الأمل فتقسوا قلوبكم كما قستْ قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنا نشبّهُها في الطّول والشدّة ببراءة فأنسيتها غير إني قد حفظت منها لو كان لأبن آدم واديان من مال لإبتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف إبن آدم إلاّ التّراب .
وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بحإدى المسبحات فأنسيتها غير إني حفظت منها </span>يا أيها الذين آمنوا لما تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة </span>(3) .
وهاتان السورتان المزعومتان اللتان نسيهما أبو موسى الأشعري إحداهما تشبه براءة يعني 129 آية والثانية تشبه إحدى المسبحات يعني عشرون آية. لاوجود لهما إلا في خيال أبي موسى، فإقرأ وأعجب فإني أترك لك الخيار ـ أيها الباحث المنصف.
فإذا كانت أهل السنةوالجماعة مسانيدهم وصحاحهم مشحونة بمثل
____________
(1) صحيح البخاري 8 /26 (باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت).
(2 و 3) صحيح مسلم 3 /100 (باب لو إن لإبن آدم واديان لإبتغى ثالثاً.
الصفحة 208 هذه الروايات التي تدعي بأن القرآن ناقص مرّة،وزائد أخرى فلماذا هذا التشنيع على الشيعة الذين أجمعوا على بطلان هذا الإدعاء.
وإذا كان الشيعي صاحب كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» وهو المتوفي سنة 1320 هجرية كتب كتابه منذ مايقرب مائة عام، فقد سبقه السني في مصر صاحب كتاب «الفرقان» بما يقارب أربعة قرون كما أشار الى ذلك الشيخ محمد المدني عميد كلية الشريعة بالأزهر(1) .
والمهم في كل هذا إن علماء السنّة وعلماء الشيعة من المحققينقد أبطلوا مثل هذه الروايات وأعتبروها شاذة وأثبتوا بالأدلة المقنعة بأن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي أنزل على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه ؤاله وسلّم وليس فيه زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.
فكيف شنع أهل السنة والجماعة على الشيعة من أجل روايات ساقطة عندهم، ويبرؤون أنفسهم، بينما صحاحهم تثبت صحة تلك الروايات ؟
وإني إذ أذكر مثل هذه الروايات بمرارة كبيرة وأسف شديد، فما أغنانا اليوم عن السكوت عنها وطيها في سلّة المهملات، لولا الحملة الشعواء التي شنها بعض الكتاب والمؤلفين ممن يدّعون التمسك بالسنة النبوية ومن ورائهم دوائر معروفة تمولهم وتشجعهم على الطعن وتكفير الشيعة خصوصا بعهد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران، فإلى هؤلاء أقول: إتقوا الله بإخوانكم، وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وإذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.
____________
(1) رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة الحادية عشر ص 382 و382.
هذا القول في حدّ ذاته شنيع لا يتحمّله مسلم آمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كان شيعياً أم سنياً.
لأّن القرآن الكريم تكفّل ربّ العزّة والجلالة بحفظه فقال عزّ من قائل إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون فلا يمكن لأحد أن يُنقّص منه أو يزيد فيه حرفاً واحداً وهو معجزة نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم الخالدة، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد.
والواقع العملي للمسلمين يرفض تحريف القرآن لأن كثيراً من الصحابة كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، وكانوا يتسابقون في حفظه وتحفيظه إلى أولادهم على مرّ الأزمنة حتّى يومنا الحاضر، فلا يمكن لإنسان ولا لجماعة ولا لدولة أن يُحرّفوه أو يبدّلوه ـ
ولو جُبناً بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً وفي كل بقاع الدنيا فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان. وإن إختلف المسلمون إلى مذاهب وفرق، وملل ونحل فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم ولا يختلف فيه من الأمّة إثنان، إلا ماكان من التفسير أو التأويل فكل حزب بما لديهم </span>الصفحة 200 فرحُون.
وما يُنْسبُ الى الشيعة إلى القول بالتحريف هو مجرّد تشنيع وتهويل وليس له في معتقدات الشيعة وجود.
وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كل تحريف.
يقول صاحب كتاب عقائد الإمامية الشيخ المظفّر: «نعتقد إنّ القرآن هو الوحي الإلهي المنزّل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم في تبيان كل شي، وهو معجزته الخالدة التي أعجزتْ البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما إحتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزّل على النبي ومن إدعي فيه غير ذلك فهو مخترف أو مغالط أو مشتبه، وكلهم على غير هدى فإنه كلام الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ (إنتهى كلامه).
وبعد هذا فكلّ بلاد الشيعة معروفة وأحكامهم في الفقه معلومة لدى الجميع، فلو كان عندهم قرآن غير الذي عندنا لعلمه الناس، وأتذكر أني عندما زرتُ بلاد الشيعة للمرة الأولى كان في ذهني بعض هذه الإشاعات، فكنت كلما رأيت مجلّداً ضخما تناولته علّني أعثر على هذا القرآن المزعوم، ولكن سرعان تبخر هذا الوهم، وعرفتُ فيما بعد إنها إحدى التشنيعات المكذوبة لينفروا الناس من الشيعة ولكن يبقى هناك دائماً من يُشنّع ويحتج على الشيعة بكتاب إسمه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربُ الأرباب» ومؤلفه محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي سنة 1329 هجري وهو شيعي ويريد هؤلاء المتحاملون أن يحمّلُوا الشيعة مسؤلية هذا الكتاب !وهذا مخالف للإنصاف.
فكم من كُتبٍ كتبت وهي لاتُعبّر في الحقيقة إلا عن رأي كاتبها ومؤلفها، ويكون فيها الغث والسمين وفيها الحق والباطل وتحمل في طياتها الخطأ والصواب ونجد ذلك عند كل الفرق الإسلامية ولا يختصّ بالشيعة دون سواها أفيجوز لنا </span>الصفحة 201 أن نُحمّل أهل السنّة والجماعة مسؤولية ماكتبه وزير الثقافة المصري وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بخصوص القرآن والشعر الجاهلي ؟
أو مارواه البخاري وهو صحيح عندهم، من نقص في القرآن وزيادة، وكذلك صحيح مسلم وغيره(1) .
ولكن لنضرب عن ذلك صفحاً ونقابل السيئة بالحسنة ولتعم ماقاله في هذا الموضوع الأستاذ محمد المديني عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية إذ كتب يقول:
«وأمّا إن الإمامية يعتقدون نقص القرآن فمعاذ الله وإنما هي روايات رُويْة في كتبهم، كما رُوي مثلها في كتُبنا، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيفوها، وبيّنوا بطلانها وليست في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك، كما إنه ليس في السنّة من يعتقده.
ويستطيع من شاء أن يرجع الى مثل كتاب الإتقان للسيوطي ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحا.
وقد ألّف أحد المصريين في سنة 1948مكتاباً أسمه «الفرقان» حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السّقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلا لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنّة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بينّ بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه. فإستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرتْ الكتاب، ورفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاّ، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.
أفيقال إنّ أهل السنّة ينكرون قداسة القرآن ؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان ؟ أو لكتاب ألفه فلان ؟
____________
(1) إذ إن كتاب (فصل الخطاب) لا يعدّ شيئاً عند الشيعة، بينما روايات نقص القرآن والزيادة فيه أخرجها صحاح أهل السنّة والجماعة أمثال البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد.
الصفحة 202 فكذلك الشيعة الإمامية إنما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات في بعض كتبنا، وفي ذلك يقول الإمام العلاّمة السعيد أبو الفضل بن الحسن الطبرسي من كبارعلماء الإمامية في القرن السادس الهجري في كتاب «مجمع البيانلعلوم القرآن».
«فأمّا الزياده فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية أهل السنة أنّ في القرآن تغييرا ونقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدّس الله روحه، وإستوفى الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب «مسائل الطرابلسيات» وذكر في مواضع: أنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب فإنّ العناية إشتدّت والدّواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغتْ إلى حدّ لم تبلغهُ فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية التي عرفوا كل شيء أختلفَ فيه من إعرابه. وقراءاته، وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد»(1) .
وحتّى يتبينّ لك أيها القاريء إنّ هذه التّهمة، «نقص القرآن والزياده فيه» هي أقرب لأهل السنّة منها لأهل الشيعة، وذلك من الدّواعي التي دعتني الى أن أراجعُ كل معتقداتي لأنّي كلما حاولتُ أنتقاد الشيعة في شيء والإستنكار عليهم إلا وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، عرفتُ أنهم يقولون صدْقاً وعلى مرّ الأيام ومن خلال البحث إقتنعتُ والحمد لله، وها أنا مقدم لك مايثبت ذلك في هذا الموضوع:
____________
(1) مقال الأستاذ محمد المديني عميد كلية الشريعة في الجامع الأزهر مجلة رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة الحادية عشر ص 382 و383.
الصفحة 203 أخرج الطبراني والبيهقي
أن من القرآن سورتين ـ إحداهما هي:
بسم الله الرحمن الرحيم إنّا نستعينك ونستغفرك ونُثني عليك الخير كلّه ولا نكفُركَ ونَخلعُ ونتركُ من يفجرك.
والسورة الثانية هي:
بسم الله الرحمن الرحيم ـ اللّهم إياك نعبدُ ولك نُصلّي ونسجد إليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدّ إن عذابك بالكافرين ملحقُ.
وهاتان السّورتان سماهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت وهما مّما كان يقنتُ بهما سيدنا عمر بن الخطّاب وهما موجودتان في مصحف إبن عبّاس ومصحف زيد بن ثابت(1) .
أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.
عن أبي بن كعب قال: كم تقرأون سورة الأحزاب ؟ قال: بضعاً وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مثل البقرة أو أكثر منها وإن فيها آية الرّجم(2) .
وأنت ترى أيها القاريء اللّبيب، أن السّورتينّ المذكورتين في كتابي الإتقان والدر المنثور للسيوطي واللتين أخرجهما الطبراني والبيهقي واللتين تسميان بسورتي القُنوت لا وجود لهما في كتاب الله تعالى.
وهذا يعني أن القرآن الذي بين أيدينا ينقص هاتين السّورتين الثابتتين في مصحف إبن عباس ومصحف زيد بن ثابت كما يدّل أيضاً بأنّ هناك مصاحف أخرى غير التي عندنا، وهو يذكّرني أيضاً بالتشنيع على أنّ للشيعة مصحف فاطمة، فأفهم !
____________
(1) جلال الدين السيوطي في الإتقان وكذلك في الدر المنثور.
(2) مسند الإمام أحمد إبن حنبل 5 / 132.
الصفحة 204 وأنّ أهل السنّة والجماعة يقرؤون هاتين السورتين في دعاء القنوت كل صباح وكنتُ شخصياً أحفضهما وأقرأ بهما في قنوت الفجر.
أمّا الرواية الثانية التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده والتي تقول بأن سورة الأحزاب ناقصة ثلاثة أرباع، لأن سورة البقرة فيها 286 آية بينما لا تتعدّى سورة الأحزاب 73 آية. وإذا إعتبرنا عدّ القرآن بالحزب فإن سورة البقرة فيها أكثر من خمسة أحزاب بينما لا تعد سورة الأحزاب إلا حزباً واحداً.
وقول أبي بن كعب: «كنتُ أقرأها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مثل البقرة أو أكثر» وهو من أشهر القرّاء الذين كانوا يحفظون القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي إختاره عُمر(1) ليُصلّي بالنّاس صلاة التراويح. فقوله هذا يبعث الشكّ والحيرة كما لا يخفى.
ـ وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(2) عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:
«إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقال فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، فقرأ فيها: «ولو أن إبن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً فلو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تابَ، وأن ذلك الدّين القيّمُ عند الله الحنفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره».
ـ وأخرج الحافظ بن عساكر في ترجمة أبي بن كعب إن أبا الدّرداء ركب الى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرأ فيها على عمر بن الخطاب هذه الآية:
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حَمُو لفسدَ المسجد الحرام فقال عمر بن الخطاب من أقرأكم هذه القراءة ؟ فقالوا:
____________
(1) البخاري 2 /252.
(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 /131
الصفحة 205 أبي بن كعب، فدعاه فقال لهم عمر إقرأوا، فرأوا: ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فقال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب، نعم أنا قرأتهم فقال عمر لزيد بن ثابت أقرأ يازيد، فقرأ زيد قراءة العامة فقال عمر: اللّهم لا أعرف إلا هذا ! فقال أبي بن كعب:
والله ياعمر إنّك لتعلمُ إنّي كنتُ أحْضر ويغيبون وأدنوا ويحجبون، وولله لئنْ أحْبْبتَ لألزمنّ بيتي فلا أحدث أحداً ولا أُقرأ أحداً حتّى أموت، فقال عمر اللّهم غفراً، إنّك لتعلم إن الله قد جعل عندك علماً فعلّم الناس مَاعلمتَ.
قال ومرّ عمر بغلام وهو يقرأ في المصحب:
النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم فقال: ياغلام حكها، فقال هذا مصحف أبي بن كعب فذهب إليه فسأله فقال له: إنّه كان يُلهيني القرآنُ ويُلهيكَ الصّفقُ بالأسواق(1) .
وروى مثل هذا إبن الأثير في جامع الأصول وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه.
وأترك لك أخي القاريء أنْ تُعلّقَ في هذه المرّة بنفسك على أمثال هذه الروايا التي ملأتْ كتب أهل السنّة والجماعة، وهم غافلون عنها ويشنّعون على الشيعة الذين لايجوجد عندهم عشر هذا.
ولكن لعلّ بعض المعاندين من أهل السنّة والجماعة ينفرُ من هذه الروايات فيرفضها كعادته وينكر على الإمام أحمد تخريجه مثل هذه الخرافات فيضعّف أسانيدها ويعتبر إن مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ليسا عند أهل السنة بمستوى صحيحي البخاري ومسلم، ولكن مثل هذه الروايات موجودة في صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضا.
____________
(1) تاريخ دمشق للحافظ بن عساكر 2 /228.
الصفحة 206 فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه(1) في باب مناقب عمّار وحذيفة رضي الله عنهما عن علقمة قال: قدمتُ الشام فصلّيتُ ركعتين ثم قلتُ: اللّهم يسّر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً فجلستُ اليهم فإذا شيخٌ قد جاء حتّى جلس الى جنبي قلتُ من هذا ؟ قالوا: أبو الدرداء، قلتُ إنّي دعوتُ الله أن ييسرّ لي جليساً صالحاً فيسّرك لي، قال مّمنْ أنت، فقلتُ من أهل الكوفة، قال: أو ليس عندكم إبن أمّ عبدٍ صاحبُ النّعلين والوساد والمطهرة، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم، أوليس فيكم صاحبُ سرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لايعلمُ أحد غيرهُ، ثم قال كيف يقرأ عبدالله والليل إذا يغشى فرأت عليه والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى قال والله لقد أقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فيه الى فيَّ.
ثم زاد في روايى أخرى قال مازال بي هؤلاء حتّى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2) .
وفي رواية قال: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى قال: أقرئنيها النُّبي صلى الله عليه وآله وسلم من فاهُ الى فيَّ فما زال هؤلاء حتّى كادوا يردّوني(3)
فهذه الروايات كلّها تفيد بأن القرآن الذي عندنا زيد فيه كلمة «وما خلق».
ـ وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبن عباس إن عمر بن الخطاب قال: أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله
____________
(1) صحيح البخاري 4 /215.
(2) صحيح البخاري 4 /216.
(3)صحيح البخاري 4 /218 (باب مناقب عبدالله بن مسعود).
الصفحة 207 صلّى الله علية وآله وسلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمانٌ أين يقول قائلٌ: والله مانجدُ آية الرّجم في كتاب الله فيضلّ بترك فضيلة أنزلها الله، والرّجمُ في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا أُحْصِنَ من الرّجال والنّساء إذا قامتْ البيّنة أو كان الحبل والإعتراف، ثم إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله إلا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفْراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم(1) .
ـ وأخرج الإمام مسلم في صحيحه(2) (في باب لو أن لإبن آدم واديين لأبتغى ثالثاً).
قال: بعث أبو موسى الأشعري الى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراءهم فأتلوه ولا يطولنّ عليكم الأمل فتقسوا قلوبكم كما قستْ قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنا نشبّهُها في الطّول والشدّة ببراءة فأنسيتها غير إني قد حفظت منها لو كان لأبن آدم واديان من مال لإبتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف إبن آدم إلاّ التّراب .
وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بحإدى المسبحات فأنسيتها غير إني حفظت منها </span>يا أيها الذين آمنوا لما تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة </span>(3) .
وهاتان السورتان المزعومتان اللتان نسيهما أبو موسى الأشعري إحداهما تشبه براءة يعني 129 آية والثانية تشبه إحدى المسبحات يعني عشرون آية. لاوجود لهما إلا في خيال أبي موسى، فإقرأ وأعجب فإني أترك لك الخيار ـ أيها الباحث المنصف.
فإذا كانت أهل السنةوالجماعة مسانيدهم وصحاحهم مشحونة بمثل
____________
(1) صحيح البخاري 8 /26 (باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت).
(2 و 3) صحيح مسلم 3 /100 (باب لو إن لإبن آدم واديان لإبتغى ثالثاً.
الصفحة 208 هذه الروايات التي تدعي بأن القرآن ناقص مرّة،وزائد أخرى فلماذا هذا التشنيع على الشيعة الذين أجمعوا على بطلان هذا الإدعاء.
وإذا كان الشيعي صاحب كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» وهو المتوفي سنة 1320 هجرية كتب كتابه منذ مايقرب مائة عام، فقد سبقه السني في مصر صاحب كتاب «الفرقان» بما يقارب أربعة قرون كما أشار الى ذلك الشيخ محمد المدني عميد كلية الشريعة بالأزهر(1) .
والمهم في كل هذا إن علماء السنّة وعلماء الشيعة من المحققينقد أبطلوا مثل هذه الروايات وأعتبروها شاذة وأثبتوا بالأدلة المقنعة بأن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي أنزل على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه ؤاله وسلّم وليس فيه زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.
فكيف شنع أهل السنة والجماعة على الشيعة من أجل روايات ساقطة عندهم، ويبرؤون أنفسهم، بينما صحاحهم تثبت صحة تلك الروايات ؟
وإني إذ أذكر مثل هذه الروايات بمرارة كبيرة وأسف شديد، فما أغنانا اليوم عن السكوت عنها وطيها في سلّة المهملات، لولا الحملة الشعواء التي شنها بعض الكتاب والمؤلفين ممن يدّعون التمسك بالسنة النبوية ومن ورائهم دوائر معروفة تمولهم وتشجعهم على الطعن وتكفير الشيعة خصوصا بعهد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران، فإلى هؤلاء أقول: إتقوا الله بإخوانكم، وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وإذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.
____________
(1) رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة الحادية عشر ص 382 و382.



تعليق