بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.عندما ظهر الإسلام ، لم يظهر بقوة السلاح ، ولكنه ظهر بقوة العقل.
ويجب على الكل أن يعرفوا أن الحق دائماً وأبداً مع العقل. فهو من دلك على خالقك في حين لم تره.
ويجب التفريق بين العقلاء والأذكياء ، فإن العاقل هو من حكم عقله وأقصى هواه مهماً كانت درجة ذكائه.
أما الذكي فقد يتبع جزءاً من هواه مع ذكائه ، وقد تبدو حجته مقنعة ولكنها في الأخير لمن تعمق فيها خاطئة.
وكمثال فإن إبليس لعنه الله من أذكى أذكياء المخلوقات. ولكنه حكم هواه ولم يحكم عقله فلهذا خسر وخاب.
قوة العقل في محاورة الإسلام للأديان الأخرى ، فقد ذكر سبحانه من الآيات الكثير في كتابه ، فقد كان كافياً أن يقول سبحانه وتعالى (إن الدين عند الله الإسلام ) ولكنه رد على الأديان الأخرى بحجج دامغة فقال سبحانه وتعالى متحدياً لليهود (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)
إن المبدأ ذاته يجب تطبيقه في الحوارات بين الشيعة والسنة ، فلا يجب أن نقول : أنتم على ضلال ، ونسكت. بل لا يجب إن كنا على مذهب ما أن نتعصب للخطأ والصواب فيه ، بل إذا اتضح لنا الحق وإن كان من فم كلب لاتبعناه. لماذا؟
1. قولة الإمام علي كرم الله وجهه (اعرف الحق تعرف رجاله).
2. كلٌ يؤخذ ويرد قوله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
3. أن أبا هريرة قد قال له صلى الله عليه وسلم عن الشيطان الذي نصحه بالأ ذكار (صدقك وهو كذوب).
وليس الحل مثلاً بأخذ نماذج من عقائد الشيعة أو السنة ومعايرة كل طرف للآخر . فمن السهل أن يحاورك ملحد وأنت مسلم فيقول لك: أنت لست عاقلاً ، فأنت تعبد من لا ترى! فهل هذا يكفي لإقصائك عن دينك؟ طبق المثال على معتقدات كل من الشيعة والسنة. ورغبتك في الدعوة إلى مذهبك.
ففي هذه الحالة لا نعيب على المعتقدات ، بل نعيب المصادر.
فالقاعدة الأولى في الحوار: عدم تعييب أحد الطرفين بما يصدق به ، بل الرجوع إلى صحة المصادر.
إن المعضلة الرئيسة في الحوارات هي: اتباع الهوى .
أما الحوار الذي هو بقصد الإفحام فلا فائدة منه أصلاً لقوله صلى الله عليه وسلم ( أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ) . أوكما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام -. فهذا هو المقصود به الإفحام .وإلا فالحوار المفيد فقد قال تعالى عنه ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) وإلا لاصطدم الدليلان ببعض.
فالقاعدة الثانية: وجوب إقصاء الهوى ، وتحكيم العقل.فإن الحوار لا عيب فيه بين الأديان ، وإنما العيب أن يقال تقريب الأديان ، لأن الله تعالى هو ربنا وهم ربهم المسيح ، أو الوثن أو النار أو نبيهم ليس بمحمد عليه الصلاة والسلام.
والفرق بين الحوار بين الأديان وبين التقريب بين المذاهب الإسلامية هي أن ديننا جاء به مصدَّق نأخذ بقوله ولا نرده أبداً ما قامت السماوات والأرض . ويكون القصد هنا هو الدعوة من الحوار بدون التسليم بأي معتقدات من الطرف الآخر.
أما المذاهب فإن نبيها واحد ، فإن قال أحد آخر بأن الحوار مرفوض ، فهذا مردود ، لأن القصد التذكرة والنصح والتصحيح من الحوار مع التسليم من كلا الطرفين بما لديهم من أخطاء.
فنحن مأمورون بالرد على المبتدعين ، مهما كانوا لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.فلو اعترف السنيّ مثلاً بخطئه وقال: معك حق في ذلك.
وبادله الشيعي في أخرى لكان للحوار نتيجة.القاعدة الثالثة: الإيمان بوجوب الحوار وإنهاء الخلاف مهما طال الزمن وعدم اليأس مع كون الطرفين متفاهمين دون تعصب أو تساهل.
والصفات في المشرف يجب أن تكون:
1. تحكيمه لعقله دون هواه.
وهنا يجب إقصاء : المتعصبين والقاصرين والمدللين والفساق والنوكى والنساء ومن زاد على الأربعين. فكلٌ منهم لا يستطيع تحكيم عقله دون هواه .
فالمتعصب يتبع الحق بالرجال لا الحق للحق. والقاصر إلا بعد انقضاء المراهقة (عن تجربة شخصية منعتني من المشاركة في أنشطة أخرى).والمدللون لا يمكن التعامل معهم على مستوى الفرد ، فما بالك في حوار يتطلب تنازلاً واعترافاً بالخطأ حين وقوعه واتباعه رأي غيره ، ويمكن سؤال أطبّة النفس عنهم . والفساق محرومون من نور الله . والحمقى بغنى عن التعريف . والنساء خلقن من ضلع أعوج والاعوجاج يعني العطف ، فالعاطفة زائدة عندهم فتمنعهم من تحكيم عقلهم. ومن زاد على الأربعين فقد فات الأوان على تغيير رأيه. فهؤلاء حتى إن استطاعوا تقديم شيءٍ فإن ضرّه سيكون أكثر من نفعه وإن بدا أمام الناظر جميلاً ، وإنما يتذكر أولوا الألباب.
وإذا أراد من لا تجد لديه الشروط السابقة الإدلاء وكان لديه شيء يعتقد أنه مفيد على عدم استوفائه للشروط فعليه أن يرسل بها في رسالة خاصة إلى أحد المحاورين من مذهبه ، وهو يحدد إن كان هو سيستخدم هذه الحجة أم لا. فلربما ضر مذهبه هو ، فعدو عاقل خير من صديق جاهل.
2. الإلمام بالعلوم المطلوبة في هذا المجال وهي:أ. العلوم الشرعية: برواية عقلٍ وحفظ لا برواية نسخ وهبل. وهي في التوحيد والتفسير وعلم مصطلح الحديث. أما الفقه فهو يعتمد على صحة المصادر أولاً في النقاش ، فلا يمكن نقاش أي طرف للآخر في الفقه إن لم يكن مصدرهما واحداً.
فالمطلوب هي المناقشة في الأصول العقدية لا الفرعية.
ب. علوم اللغة العربية: في النحو والصرف والبلاغة والأدب والأصول.
3. القدرة على المناظرة. وهذه قدرة خاصة ليست موجودة في كل فرد. فقد يوجد عالمٌ كبير له رأي محكم ولكنه قد لا يستطيع الدفاع عنه في بعض الأحيان، فيهبّ للدفاع عنه تلاميذه ، وقد يستطيع أحد التلاميذ إثبات مالم يسطع عليه أستاذهم ، فقد كان لدى الشافعي تلميذ اسمه اسماعيل بن يحيى بن إسماعيل ، أبو إبراهيم المزني كان قوي الحجة حتى قال عنه الإمام الشافعي: المزني ناصر مذهبي ، وقال في قوة حجته: لو ناظر الشيطان لغلبه. فهم أناس مثل : علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وابن عباس رضي الله عنه ، وإياس بن معاوية ، وشريح القاضي. كانت لهم هذه القدرة.
أما في المحاورين فيكفيهم الشرط الأول والأخير مع شيء ولو بسيط من الشروط التي بعدها. والمشرف يدلي بحجته ، ولكن لا يجانب القسط.
أما في المحاورة فيجب على كل طرف تحديد المصادر المشروعة لديه والمأخوذة بعين الاعتبار حالياً وليس سابقاً.
ويجب تحديد كل طرف المكفّرات الشرعية في مذهبه ، فإن اتفقنا فيها فإن الباقي هين. فإنها هي الأساس ، فالاختلافات الفقهية لا تفرق بين المذاهب.
والسنة يؤمنون مثلاً بأن لديهم الست الصحاح ، إلا أن لديهم علماً للتنقيح وإخراج الأحاديث الضعيفة ، فأن تأتي بحديث ضعيف لديهم وتأخذه عليهم خطأٌ فادح.
أما الشيعة فليس يعرف عنهم علم معيّن ومع ذلك يقولون بأنهم لا يؤمنون مثلاً بكل ما ورد في الكافي.
فالمطلوب منهم في هذه الحالة إثبات ما يأخذونه عما لا يفعلون. أفكلما جاء أحد بدليل أنكرتموه؟ فيجب عليكم تحديد مصادركم التي تعتبرونها صحيحة تماماً. أو إيجاد مراجع جديدة منقحة تأخذ الصحيح فقط من مذهبكم.
إن لم يتبع المنتدى ما سبق فأنا أنصح بطرد الشيعة كاملاً من المنتدى ، أو أن يسحب الشيعة أنفسهم من المنتدى دون قلاقل.
فيجب أن يكون هنالك شيعة ليردوا ويستفيد كل طرف وإلا فالأسلم إن لم يكن هنالك حوار مفيد أن يلغى هذا القسم ويجعل فيه مواضيع ثابتة ، وإلا فما هو إلا تحريض للفتنة بين المسلمين النائمة الملعون من أيقظها.
ولو اتبعتموها لحصل ما يأتي:
1. إيمان كل طرف بأنه غير مغبون. مما يقيم الحجة الكاملة على كل طرف.
2. إنهاء العصبية للفرقة دون الحق.
3. توحد الأمة الإسلامية ، وعدم تمكن أي أحد الدخول بيننا للتفريق.
أليس عيباً أن يرانا من يريد التعرف على الإسلام ونحن على هذه الحالة؟
بل أليس عيباً أن يرانا النصراني ونحن نجادله بالتي هي أحسن وبالاحترام والتقدير مع أنه كافر ، ويرانا نجادل بعضنا كرهاً ، نسب ونشتم ونصخب؟
ولنكون على أقصى درجات الوضوح ، فإن كلا الطرفين يخافان خفوت حجتهما مع اعتقادهما أنهما على حق. وأنهما لو دخلا في مناقشة صحيحة لما استطاعوا لها مضياً . وأنهم حتى وإن كانوا على حق فلربما غلبوا على أمرهم بسبب حجة لم يعرفوا كيفية الرد عليها مع أنها غير صحيحة وهم متأكدون من ذلك إلا أنه لم تسعفهم قريحتهم في تكوين حجة مناسبة. وهذا ما حصل مع نبي الله موسى عليه السلام حين خاف من سحر السحرة وليس عيباً ، ثم عرف السحرة الحق فآمنوا بربهم وجحدوا فرعون لعنة الله عليه مع تهديداته. لا بد للحق يحصحص وإن طال به الزمن. فلا يخافنّ أحد من ذلك. فإن من ينشد الحق ويسألُهُ اللهَ بإخلاص فلن يضل.
فليس العيب في أن تبدل مذهبك ، ولكن العيب هو أن تجحد الحق وهو ناظر عينيك .
وليس على الطرف المغلوب في المناظرة أن يسلّمَ بما قاله الطرف الغالب مباشرة . بل يأخذ وقته حتى يقتنع بكلامه تماماً ، ولا عيب في ذلك.
وأما الضرر المترتب على عدم الحوار على السنة فقد لاحظت أن هنالك نوعين من السنة في تعاملهم مع الشيعة: متعصب ومتعاطف. ولا وسط بينهما.
أما المتعصب فهو مملوء بالأخبار الصادقة والكاذبة عنهم والكره الأعمى. بل وكلما رأى متعاطفاً اتهمه بالتشيع والتقية ، فهو مجنون.
وأما المتعاطف فهو إنسان يرى أن الشيعة مظلومون في هجوم الناس عليهم ، فإذا جاء إلى الشيعة أراد أن يناقشهم بالتي هي أحسن ، فإذا به يجدهم متعاطفين معه ومحاورين له بكل لطف وبخاصة الأقليات، ولربما أقنعوه بالدخول في مذهبهم.
إن المتعاطف يرى أن الشيعة أناس يريدون التحاور مما يعني أنهم على حق ، يقولون له نحن نؤمن بأن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم لا يجوز تكفيره ، يقولون له أن هنالك أخطاءً لدينا في كتبنا لا نأخذ بها مثلكم تماماً .
وعلى الجهة الأخرى يرى من السنة سباً وشتماً للشيعة ، وتهجماً واتهامات عشوائية ، وحججاً ضائعة وإجماعاً على عدم الحوار مع الشيعة ، فماذا تتوقعون منه أن يفعل؟ إنها ليست مسألة خوف من مجتمع ، بل هي مسألة نار أو جنة فقدروا موقفه. لا تنظروا من منظار أنفسكم ، بل انظروا نظرة أوسع.
إن الإهانات قد تشفي الغليل ، ولكني في الأخير فصدقوني أننا الخاسرون . فسوف تجدون أن البعض سيدخل في المذهب الشيعي غير عابئ بشتمكم! إن هذه فرصة في منتدى سني لنقاش عادل متكافئ متوازن حتى إن كانت المواقع الشيعية الأخرى لا توفر ذلك فلا تتوقع تغيير المذهب من قراءة كتاب ، فيجب عليه بدوره أن يتحقق ويسأل بنفسه . وقد كنت فرحاً بأن أجد منتدى كهذا يناقش الشيعة وجهاً لوجه فأتقنوا عملكم.
وقد عشت هذه التجربة بنفسي ، وكنت متعاطفاً مع الشيعة ، ولكنني بحثت وتحققت حتى تبين لي أن مذهب السنة هو المذهب الصحيح.
وعلى اليد الأخرى فلي خالٌ دخل المذهب الشيعي وقد كان سنياً ، تماماً لما سبق.
وهنالك أناس كثيرون من السنة بل ومن الشيعة لا يؤمنون بالحوار والاتفاق ، وواحد منهم هو والدي الذي طالما نصحني بأن الحوار غير مجدي وأنه لن يمكن إيجاد بر متوسط بين المذهبين ، وأنهما سيصلان إلى طريق مسدودة . ولكني أعتقد أنه لو لم يبق سوى القياس بالمنطق العقلاني لطرق المصادر -لا لمضامينها- لكفى بذلك حواراً. فكل ما هو مطلوب هو الإخلاص في النية.
وآخره: يقول الشافعي رحمه الله في التناظر:
إذا ما كنت ذا فضل وعلم بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكون حليماً لا تلح ولا تكابر
يفيدك ما استفاد بلا امتنان من النكت اللطيفة والنوادر
وإياك اللجوج ومن يرائي بأني قد غلبت ومن يفاخر
فإن الشر في جنبات هذا يمني بالتقاطع والتدابر
أرجو أن لا يناقشني في كلامي السابق إلا رجل عاقل فاهم ، فأنا مستعد لتقبل أي تصحيح لوجهة نظري.
ولكنني لن أستطيع أن أرد على كل جاهل لم يفهم كلامي وجاء ليفسره بالمقلوب كما عانيت كثيراً من ذلك في هذا المنتدى بل ورأيت كثيرين يعانون منه.
وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه : الناس ثلاثة : عالم رباني ، وعارف على سبيل النجاة ، وسائر الناس همج رعاع يميلون مع كل ناعق ، ويتبعون كل صيحة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعليق