بين فترة وأخرى، يستشهد الشيعة بورقة منسوخة عن نص مطبوع بالآلة الكاتبة يدعون بأنها فتوى لشيخ الأزهر المصري محمود شلتوت أفتى فيها "بصحة العقيدة الشيعية وبأنها عقيدة إسلامية يمكن التعبد بها".
ولعله جدير بنا أن نحاول تحليل هذه الفتوى لنقف على خلفياتها وظروفها وملابساتها لنستطلع فيما إذا كانت حقيقية أم أنها مزورة، إذ أن من يتأمل ظروف وخلفيات هذه الفتوى المنسوبة إلى شيخ الأزهر محمود شلتوت، سوف يكتشف بأن هناك أكثر من علامة استفهام تحيط بها تشير إلى وجود شك في نسبتها إلى شيخ الأزهر، فلنتأمل الملاحظات الهامة التالية:
أولا:
خلال الحرب التي شنها الإحتلال الأجنبي البعثي في العراق ضد إيران لحساب إسرائيل في الثمانينات، أثير موضوع هذه الفتوى في مصر، فما كان من أحفاد صاحبها الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر إلا أن صرحوا بأن جدهم لم يصدر مثل هذه الفتوى، بل إن كل ما فعله هو أنه أرسل في أواخر الخمسينات رسالة إلى أحد علماء الشيعة في إيران قال فيها بأن عقيدة الشيعة تحتوي على بعض ما يؤمن به أهل السنة، وبالتالي فإن من الممكن توفير أرضية مشتركة يلتقي عليها السنة مع الشيعة. هذا ما صرح به أبناء وأحفاد الشيخ شلتوت والذين أعلنوا عن استغرابهم من الكيفية التي تم بها تحريف رسالة جدهم لتتحول إلى فتوى دينية أصدرها أجاز فيها التعبد بعقائد الشيعة.
ثانيا:
لا تحمل مشيخة الأزهر المصرية في الحقيقة -ومن ضمنها شيخها بطبيعة الحال- أية صفة مرجعية تشريعية دينية للمسلمين، فالأزهر، وكما هو معروف، ظل على توالي القرون مؤسسة دينية شبه رسمية لأي نظام حكم يقفز على السلطة في مصر، حيث تتركز وظيفة مشايخه في تفصيل وخياطة الأثواب الشرعية التي يتطلبها أمن نظام الطغمة الحاكمة ومصالحها على حساب ما أحله الله ورسوله وما حرماهما. ولعل هذا هو سبب التسمية التي اشتهر بها الأزهر بين المسلمين وهو "الراقصة المعممة"، ويقصد به تشبيه مشيخة الأزهر بالراقصة التي ترقص لكل من يحكم مصر وتجلس في حضنه.
وفي الفترة التي كان فيها الشيخ شلتوت شيخا للأزهر، كانت مصر تحت الحكم الناصري العلماني الذي كان يخوض مواجهات ضد الإسلاميين في تلك الفترة. فلو افترضنا صحة هذه الفتوى المزعومة (مجرد افتراض)، لوجدنا بأن هناك احتمال لأن يكون نظام جمال عبد الناصر العلماني قد أراد أن يوجه للإسلاميين المصريين ضربة من خلال إشغالهم بقضايا عقائدية مع أتباع الديانات الأخرى، فأوعز إلى موظفه الديني شيخ الأزهر محمود شلتوت لأن يصدر فتوى بجواز تعبد المسلمين بتعاليم العقيدة الشيعية.
ثالثا:
لو سلمنا جدلا (وهذا مجرد افتراض) بأن شيخ الأزهر قد أصدر هذه الفتوى المزعومة، فهل يعقل أن شيخ دين وعلم كالشيخ شلتوت كان يجهل أصول الإسلام وثوابته إلى الحد الذي لم يستطع معه أن يميز فيه بين عقيدة الإسلام القائمة على التوحيد الخالص، وبين عقيدة دينية شيعية أقل وأيسر ما فيها أنها لا تعترف بالمصدر الثاني من مصادر عقيدة المسلمين وهي السنة النبوية الواردة في كتب الحديث وهو أمر كاف بحد ذاته لرفض تلك العقيدة؟
فالإختلاف بين عقيدة دين الإسلام وبين العقيدة الشيعية هو إختلاف عقائدي أصولي هائل لا يمكن تجاوزه تحت أية ذريعة أو تبرير، وهذه حقيقة نجد بأنه من المستحيل أن يكون الشيخ شلتوت كان يجهلها.
رابعا:
لو سلمنا جدلا (وهذا مجرد افتراض) بأن شيخ الأزهر قد أصدر هذه الفتوى المزعومة بنصها الحالي، فإنه بمجرد إعلان فتواه هذه على المسلمين، فإنه يصبح شرعا في حكم الكافر المرتد المهدور الدم، وتسقط معه بالتالي فتواه وتفقد أية قيمة دينية لها، إذ أنه لم يكتف فحسب بامتناعه عن تكفير من أنكر السنة النبوية الشريفة ورفض التعبد بها كالشيعة، بل إنه أفتى بأن الشيعة مسلمون ويجوز التعبد بتعاليم ديانتهم، وهذا يخالف ما أجمع عليه علماء المسلمين من أن كل من رفض السنة النبوية الواردة في كتب الحديث فهو كافر.
خامسا:
يلاحظ بأن هذه الفتوى تخلو من أية أدلة شرعية مستقاة من الكتاب والسنة تجيز للمسلمين التعبد بعقيدة الشيعة، فلا يعقل أن فتوى بمثل هذا الحجم وهذه الخطورة يريد صاحبها إقناع المسلمين بصحتها تخلو ولو من آية واحدة أو حديث واحد على الأقل يوفر لها ولو حدا أدنى من الصحة والمصداقية، الأمر الذي يزيد من الشكوك في صحتها وفي نسبتها إلى عالم دين كشيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت.
-يتبع-

تعليق