من فتاوى السياسة الشرعية للإمام صالح بن فــــوزان الفــــوزان
السؤال الأول: هناك من يتساهل فيأهمية العقيدة ويرى أن الإيمان يكفي ، هل لكم بيان أهمية العقيدة للمسلم وكيف تنعكسعليه في حياته وفي علاقاته مع نفسه ومجتمعه ومع غير المسلمين؟
الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاةوالسلام على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه وبعد ، فإن تصحيح العقيدة هو الأصل ؛ لأنشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هي أول أركان الإسلام ، والرسل أول ما دعوا إلى تصحيح العقيدة لأجل أن تـنبني عليها سائر الأعمال من العبادات والتصرفات ، ودون تصحيح العقيدة لا فائدة من الأعمال ، قال تعالى : (( ولو أشركوا لحبط عنهمما كانوا يعملون )) أي لبطلت أعمالهم .
وقال سبحانه وتعالى : ((إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ))وقال تعالى : (( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكوننمن الخاسرين )) ، من هذه النصوص وغيرها يتبين ما لتصحيح العقيدة من أهمية وهي أولىأوليات الدعوة ، فأول ما تـقوم الدعوة على تصحيح العقيدة ، فقد مكث النبي صلى اللهعليه وسلم في مكة المكرمة بعد بعثـته ثلاث عشرة سنة يدعو الناس لتصحيح العقيدة وإلىالتوحيد ، ولم تـنزل عليه الفرائض إلا في المدينة . نعم فرضت الصلاة عليه في مكة قبلالهجرة، وبقية الشرائع إنما فرضت عليه بعد الهجرة مما يدل على أنه لا يطالببالأعمال إلا بعد تصحيح العقيدة ، وهذا الذي يقول : إنه يكفي الإيمان دون الاهتمامبالعقيدة ، هذا تناقض لأن الإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا صحت العقيدة ، أما إذا لمتكن العقيدة صحيحة فليس هناك إيمان ولا دين .
السؤال الثاني :يرى البعض أن قيامالجماعات لازم للقيام بالدعوة إلى الله خصوصا في المجتمعات التي لا تكون شوكة الدينفيها ظاهرة .
الجواب :الدعوة إلى الله مطلوبة وواجبة ، قال سبحانه وتعالى : (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) ولكن ليس من منهج الدعوة أنيتفرق المسلمون ، وأن تكون كل طائفة منهم تزعم لنفسها أنها على الحق وأن غيرها ليسعلى حق كما هو الواقع في هذه الجماعات اليوم . فالواجب على المسلم الذي عنده علموقدرة أن يدعو إلى الله على بصيرة ، ويتعاونمع الآخرين من غير أن تكون كل جماعة لهامنهج مختص بها يخالف الجماعة الأخرى . بل الواجب أن يكون المنهج واحدا عند المسلمينوأن يتعاونوا جميعا وأن يتشاوروا فيمابينهم ولا حاجة إلى إيجاد جماعات ومناهجمتفرقة ومتـشتـتة ، لأن هذا يقضي على وحدة المسلمين وعلى كلمة المسلمين ، ويسببالنزاع والخصام بين الناس كما هو الواقع اليوم بين تلك الجماعات التي على الساحة فيالبلاد الإسلامية وغيرها .
فليس من ضروريات الدعوةتكوين جماعة إنما من ضروريات الدعوة أن من عنده علم وعنده حكمة وعنده معرفة أن يدعوإلى الله عز وجل ولو كان واحدا ، والدعاة إلى الله يجب أن يكون منهجهم واحدا علىالحق ولو تفرقوا في مجالات عملهم في مختلف البلدان .
السؤال الثالث : ما حكم من ينتمي إلى تلك الجماعات ، خصوصا تلكالتي تقوم على السرية والبيعة ؟
الجواب :النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بحصول التفرقوأمرنا عند ذلك بالاجتماع ، وأن نكون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلموأصحابه ، قال صلى الله عليه وسلم : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ،وافترقت النصارى على اثـنتين وسبعين فرقة ، وستـفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةكلها في النار إلا واحدة " قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " من كانعلى مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ، وقال صلى الله عليه وسلم لما طلب منهأصحابه الوصية : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ،فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " وهذا منهج يجب أن يسير عليه المسلمون إلىيوم القيامة ، وهوأنه عند الاختلاف فإنهم يرجعون إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة فيالمنهج والدين والبيعة وغير ذلك .
السؤال الرابع :مما يلاحظ علىالثقافة الإسلامية المعاصرة اليوم أنه يشوبها شيء من فكر بعض الفرق الضالة مثلالخوارج والمعتزلة ، فتجد في بعضها تكفير المجتمعات والأفراد وتسويغ العنف ضدالعصاة والفساق من المسلمين ، فما توجيهكم ؟
الجواب :هذا منهج خاطئ ؛ لأنالإسلام ينهى عن العنف في الدعوة ، يقول تعالى : (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمةوالموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )) ، ويقول لنبـيّـيه موسى وهارون عليهماالسلام تجاه فرعون : (( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى )) . والعنف يقابلبالعنف ولا يفيد إلا عكس المطلوب ، وتكون آثاره على المسلمين سيئة ، فالمطلوب الدعوةبالحكمة وبالتي هي أحسن وباستعمال الرفق مع المدعوين . أما استعمال العنف معالمدعوين والتشدد والمهاترات فهذا ليس من دين الإسلام ، فالواجب على المسلمين أنيسيروا في الدعوة على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى حسب توجيهات القرآنالكريم .
والتكفير له ضوابط شرعية ،فمن ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام التي ذكرها علماء أهل السنة والجماعة حكم بكفرهبعد إقامة الحجة عليه ، ومن لم يرتكب شيئا من هذه النواقض فليس بكافر وإن ارتكب بعضالكبائر التي هي دون الشرك .
السؤال الخامس :يزعم بعض الناس أنمنهج أهل السنة والجماعة لم يعد مناسبا لهذا العصر ، مستدلين بأن الضوابط الشرعيةالتي يراها أهل السنة والجماعة لا يمكن أن تتحقق اليوم .
الجواب :الذي يرى أن منهج السلفالصالح لم يعد صالحا لهذا الزمان ، هذا يعتبر ضالا مضلّلا ؛ لأن منهج السلف الصالح هوالمنهج الذي أمرنا الله باتباعه حتى تـقوم الساعة . يقول صلى الله عليه وسلم : " فإنه من يعش منكم فسوف يرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاءالراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " ، وهذا خطابللأمة إلى أن تـقوم الساعة ، وهذا يدل على أنه لا بد من السير على منهج السلف . وأنمنهج السلف صالح لكل زمان ومكان ، والله سبحانه وتعالى يقول : (( والسابقون الأولونمن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه )) ، وهذايشمل الأمة إلى أن تقوم الساعة . فالواجب عليها أن تـتابع منهج السابقين الأولين منالمهاجرين والأنصار ، والإمام مالك بن أنس يقول : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ماأصلح أولها " .
فالذي يريد أن يعزل الأمةعن ماضيها ويعزل الأمة عن السلف الصالح يريد الشر بالمسلمين ، ويريد تغيير هذاالإسلام ويريد إحداث البدع والمخالفات ، وهذا يجب رفضه ويجب قطع حجته والتحذير منشره ، لأنه لابد من التمسك بمنهج السلف والاقتداء بالسلف ولا بد من السير على منهجالسلف ، وذلك في كتاب الله عزوجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا .فالذي يريد قطع خلف هذه الأمة عن سلفها في الأرض يجب أن يرفض قوله وأن يرد قوله وأنيحذر منه،والذين عرف عنهم هذا القول السيئ لا عـبرة بهم .
السؤال السادس :يلاحظ على بعضطلبة العلم التساهل في إطلاق لفظ الردة على المسلم ، بل قد يطالب هذا البعضالمسلمين بانتداب من يرون لإقامة حد الردة في المحكوم بردته عندهم إذا لم يقم بهالسلطان .
الجواب : إقامة الحدود من صلاحيات سلطان المسلمين ، وليس لكلأحد أن يقيم الحد ، لأن هذا يلزم منه الفوضى والفساد ويلزم منه تفكك المجتمع وحدوثالثارات وحدوث الفتن ، فالحدود من صلاحيات السلطان المسلم . يقول النبي صلى اللهعليه وسلم : " تعافوا الحدود فيما بينكم ، فإذا أبلغت الحدود السلطان فلعنالله الشافع والمشفع " ، ومن وظائف السلطان في الإسلام ومن صلاحياته إقامةالحدود بعدما تـثبت شرعا لدى المحاكم الشرعية على من وقع في جريمة رتب الشارع عليهاحدا كحد الردة وحد السرقة ..الخ .
فالحاصل أن إقامة الحدودمن صلاحيات السلطان ، وإذا لم يكن هناك من المسلمين سلطان فإنه يكتفى بالأمربالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عزوجل بالحكمة والموعظة الحسنة والجدالبالتي هي أحسن ، ولا يجوز للأفراد أن يقيموا الحدود لأن هذا كما ذكرنا يلزم منهالفوضى ويلزم منه حدوث الثارات والفتن وفيه مفسدة أعظم مما فيه من المصلحة ومنالقواعد الشرعية المسلّم بـــــــها : " أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " .
السؤال السابع :فضيلةالشيخ : من هو المرتد ؟ نرجو تحديده بشكل واضح فقد يحكم بردة شخص لديهشبهة.
الجواب : الحكم بالردة والخروج من الدين من صلاحيات أهلالعلم الراسخين في العلم ، وهم القضاة في المحاكم الشرعية والمفتون المعتبرون ، وهيكغيرها من القضايا وليس من حق كل أحد أو من حق أنصاف المتعلمين أو المنتسبين إلىالعلم الذين ينقصهم الفقه في الدين ليس من صلاحياتهم أن يحكموا بالردة ؛ لأن هذا يلزم منه الفساد وقد يحكمون على المسلم بالردة وهو ليس كذلك ، وتكفير المسلم الذيلم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام فيه خطورة عظيمة ، ومن قال لأخيه يا كافر أو يافاسق ، وهو ليس كذلك ، فإن الكلام يعود على قائله ، فالذين يحكمون بالردة هم القضاةالشرعيون والمفتون المعتبرون والذين ينفذون هذا الحكم هم ولاة أمر المسلمين ، وماعدا هذا فهو فوضى .
السؤال الثامن :فضيلة الشيخ،الدين النصيحة ، والنصيحة أصل من أصول الإسلام ، ومع هذا نجد بعض الإشكالات في مايتعلق بمعنى النصيحة لولاة الأمر وحدودها ، وكيف تُبذل وكيف يتدرج لها ، ومن أبرزالاشكالات تلك المتعلقة بالتغيـير باليد ، هل لكم إيضاح هذه المسألة؟
الجواب : النبي صلى الله عليه وسلم وضّح هذا وقال : " الدين النصيحة . قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " . النصيحة لأئمة المسلمين تكون بطاعتهم بالمعروف ، وتكون بالدعاء لهم ،وبيان الطريق الصحيح لهم وبيان الأخطاء التي قد تـقع منهم من أجل تجنبها ، وتكونالنصيحة سرية بينهم وبين الناصح .
وتكون أيضا بالقيامبالأعمال التي يوكلونها إلى موظفيهم وإلى من تحت أيديهم بأن يؤدوا أعمالهم بأمانةوإخلاص ، هذا من النصيحة لولي أمر المسلمين . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطعفبقلبه "،ومعنى ذلك أن المسلمين على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : من عندهالعلم والسلطة فهذا يغير المنكر بيده ، وذلك مثل ولاة الأمور ومثل رجال الهيئاتوالحسبة الذين نصبهم ولي الأمر للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هؤلاءيغيرون بأيديهم بالطريقة الحكيمة المشروعة .
وهناك من عنده علم وليسعنده سلطة فهذا يغير بلسانه بأن يـبـين للناس حكم الحلال والحرام والمعروف والمنكر ،ويأمر وينهى ويرشد ويعظ وينصح هذا من الإنكار باللسان.
وهناك من ليس عنده علموليس عنده سلطة ولكنه مسلم ، فهذا عليه أن ينكر المنكر بقلبه ؛ بأن يكره المنكروأهل المنكر ويبعد نفسه عن الاجتماع بأهل المنكر لئلا يؤثروا عليه ، هذه هي درجاتالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السؤال التاسع :فضيلة الشيخ ، هناكللأسف من يسوغ الخروج على الحكام دون الضوابط الشرعية ، ما هو منهجنا في التعامل معالحاكم المسلم وغير المسلم ؟
الجواب :منهجنا في التعامل مع الحاكم المسلم السمع والطاعة ، يقول الله سبحانه وتعالى : (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولوأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون باللهواليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا )) ، والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر فيالحديث يقول : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه منيعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ، هذا الحديث يوافق الآية تماما .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " من أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني " ، إلى غيرذلك من الأحاديث الواردة في الحث على السمع والطاعة .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " اسمع و أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " ، فولي أمر المسلمين يجب طاعته فيطاعة الله فإن أمر بمعصية فلا يطاع في هذا الأمر ، يعني في أمر المعصية ، لكنه يطاعفي غير ذلك مما لا معصية فيه .
وأما التعامل مع الحاكمالكافر فهذا يختلف باختلاف الأحوال ، فإن كان في المسلمين قوة وفيهم استطاعة لمقاتلتهوتـنحيته عن الحكم وإيجاد حاكم مسلم فإنه يجب عليهم ذلك . وهذا من الجهاد في سبيلالله ، أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته فلا يجوز لهم أن يتحرشوا بالظلمة والكفرة ،لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة ، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش فيمكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة والولاية فيها للكفار ، ومعه من أسلم من أصحابه ولمينازلوا الكفار ، بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة ، ولم يؤمروا بالقتالإلا بعد ما هاجر صلى الله عليه وسلموصار له دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار ، هذا هو منهج الإسلام .
فإذا كان المسلمون تحتولاية كافرة ولا يستطيعون إزالتها فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم ، ولكن لايخاطرون بأنفسهم ويغامرون في مجابهة الكفار ، لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاءعلى الدعوة ، أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد فإنهم يجاهدون في سبيلالله على الضوابط الشرعية المعروفة.
السؤال العاشر: فضيلة الشيخ ، ممايتساهل به الناس قضية البيعة ، فهناك من يرى جواز أخذ البيعة لجماعة من الجماعات معوجود بيعة أخرى ، وقد لا يكون ( المبايع) في هذه الجماعات معروفا لدواعي السرية ،ما حكم هذا ؟ ثم هل يختلف الحكم في بلاد الكفار ، أو تلك التي لا تحكم بما أنزلالله ؟
الجواب :البيعة لا تكون إلالولي أمر المسلمين ، وهذه البيعات المتعددة مبتدعة ، وهي من إفرازات الاختلاف ،والواجب على المسلمين الذين هم في ولاية واحدة ، وفي مملكة واحدة أن تكون بيعتهمواحدة لإمام واحد ، لا تجوز المبايعات المتعددة ، وإنما هذه من إفرازات اختلافاتهذا العصر ، ومن الجهل بالدين .
وقد نهى الرسول صلى اللهعليه وسلم عن التفرق في البيعة وتعدد البيعة ، فقال : " من جاءكم وأمركم جميععلى واحد منكم ، يريد تفريق جماعتكم ، فاضربوا عنقه " ، فإذا وجد من ينازع وليالأمر الطاعة ويريد شق العصا ، وتفريق الجماعة ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلمولي الأمر ، وأمر المسلمين معه ، بقتال هذا الباغي ، قال تعالى : (( وإن طائفتان منالمؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتىتفيء إلى أمر الله ))
وقد قاتل أمير المؤمنينعلي بن أبي طالب ومعه أكابر الصحابة ، قاتلوا الخوارج و البغاة حتى قضوا عليهم ،واخمدوا شوكتهم ، وأراحوا المسلمين من شرهم . وهذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلمفإنه أمر بقتال البغاة ، وبقتال الخوارج الذين يريدون شق عصا الطاعة ، وذلك من أجلالحفاظ على جماعة المسلمين ، وعلى كيان المسلمين من التفرق والاختلاف .
السؤال الحاديعشر : نسمع كثيرا عما يسمى بالجماعات الإسلامية في هذا العصر في مختلفأنحاء العالم ، فما أصل هذه التسمية ؟ وهل يجوز الذهاب معهم ومشاركتهم إذا لم يكنلديهم بدعة ؟
الجواب :الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا وبين لنا كيفنعمل ، ما ترك شيئا يقرّب أمته إلى الله إلا وبـينه، وما ترك شيئا يـبعدهم من اللهإلا وبيّنه- عليه الصلاة والسلام- ومن ذلك هذه المسألة ، قال صلى الله عليهوسلم:" فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا "، لكن ما هو العلاج عندحدوث ذلك ؟ قال : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ،تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ،وكل بدعة ضلالة " ؛فهذه الجماعات من كان منها على هدي الرسول صلى الله عليهوسلم والصحابة ، وخصوصا الخلفاء الراشدين والقرون المفضلة ، فأي جماعة على هذاالمنهج فنحن مع هذه الجماعة ، ننتسب إليها ، ونعمل معها . وما خالف هدي الرسول صلىالله عليه وسلم فإننا نتجنبه وإن كان يتسمى (جماعة إسلامية) ، العبرة ليست بالأسماء ، العبرة بالحقائق ، أما الأسماء فقد تكون ضخمة ، ولكنها جوفاء ليس فيها شيء ، أوباطلة أيضا .
وقال صلى الله عليه وسلم : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعينفرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " قلنا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ،الطريق واضح ، الجماعة التي فيها هذه العلامة نكون معها ، من كان على مثلما كان عليه الرسول صلى الله عليه وأصحابه ، فهم الجماعة الإسلامية الحقة . أما منخالف هذا المنهج وسار على منهج آخر فإنه ليس منا ولسنا منه ، ولا ننتسب إليه ولاينتسب إلينا ، ولا يسمى جماعة ، وإنما يسمى فرقة من الفرق الضالة ،لأن الجماعة لاتكون إلا على الحق ، فهو الذييجتمع عليه الناس ، وأما الباطل فإنه يفرّق ولا يجمع ،قال تعالى : ( وإن تولّوا فإنما هم في شقاق ) .
السؤال الثاني عشر :هل من انتمى إلى هذه الجماعات يعتبر مبتدعا؟
الجواب :هذا حسب الجماعات ، فالجماعات التي عندها مخالفاتللكتاب والسنة يُعتبر المنتمي إليها مبتدعا .
السؤال الثالثالعاشر : ما رأيكم في الجماعات كحكم عام؟
الجواب :كل من خالف جماعة أهل السنة فهو ضال ، ما عندنا إلاجماعة واحدة هم أهل السنة والجماعة ، وما خالف هذه الجماعة فهو مخالف لمنهج الرسولصلى الله عليه وسلم .
السؤال الرابع عشر :هل تخالط الجماعات أم تُهجر؟
الجواب :المخالطة إذا كان القصد منها دعوتهم - ممن عندهم علموبصيرة - إلى التمسك بالسنة ، وترك الخطأ فهذا طيّب ، وهو من الدعوة إلى الله ، أماإذا كان الاختلاط معهم من أجل المؤانسة معهم ، والمصاحبة لهم ، بدون دعوة ، وبدونبيان ، فهذا لا يجوز .
فلا يجوز للإنسان أن يخالطالمخالفين إلا على وجه فيه فائدة شرعية ، من دعوتهم إلى الإسلام الصحيح ، وتوضيحالحق لهم لعلهم يرجعون ، كما ذهب ابن مسعود - رضي الله عنه - إلى المبتدعة الذين فيالمسجد ، ووقف عليهم ، وأنكر عليهم بدعتهم . وابن عباس - رضي الله عنهما - ذهب إلىالخوارج ، وناظرهم ، ودحض شبههم ، ورجع منهم من رجع . فالمخالطة لهم إذا كانت علىهذا الوجه فهي مطلوبة ، وإن أصروا على باطلهم وجب اعتزالهم ومنابذتهم ، وجهادهم فيالله .
حفظه الله تعالى
السؤال الأول: هناك من يتساهل فيأهمية العقيدة ويرى أن الإيمان يكفي ، هل لكم بيان أهمية العقيدة للمسلم وكيف تنعكسعليه في حياته وفي علاقاته مع نفسه ومجتمعه ومع غير المسلمين؟
الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاةوالسلام على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه وبعد ، فإن تصحيح العقيدة هو الأصل ؛ لأنشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هي أول أركان الإسلام ، والرسل أول ما دعوا إلى تصحيح العقيدة لأجل أن تـنبني عليها سائر الأعمال من العبادات والتصرفات ، ودون تصحيح العقيدة لا فائدة من الأعمال ، قال تعالى : (( ولو أشركوا لحبط عنهمما كانوا يعملون )) أي لبطلت أعمالهم .
وقال سبحانه وتعالى : ((إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ))وقال تعالى : (( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكوننمن الخاسرين )) ، من هذه النصوص وغيرها يتبين ما لتصحيح العقيدة من أهمية وهي أولىأوليات الدعوة ، فأول ما تـقوم الدعوة على تصحيح العقيدة ، فقد مكث النبي صلى اللهعليه وسلم في مكة المكرمة بعد بعثـته ثلاث عشرة سنة يدعو الناس لتصحيح العقيدة وإلىالتوحيد ، ولم تـنزل عليه الفرائض إلا في المدينة . نعم فرضت الصلاة عليه في مكة قبلالهجرة، وبقية الشرائع إنما فرضت عليه بعد الهجرة مما يدل على أنه لا يطالببالأعمال إلا بعد تصحيح العقيدة ، وهذا الذي يقول : إنه يكفي الإيمان دون الاهتمامبالعقيدة ، هذا تناقض لأن الإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا صحت العقيدة ، أما إذا لمتكن العقيدة صحيحة فليس هناك إيمان ولا دين .
السؤال الثاني :يرى البعض أن قيامالجماعات لازم للقيام بالدعوة إلى الله خصوصا في المجتمعات التي لا تكون شوكة الدينفيها ظاهرة .
الجواب :الدعوة إلى الله مطلوبة وواجبة ، قال سبحانه وتعالى : (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) ولكن ليس من منهج الدعوة أنيتفرق المسلمون ، وأن تكون كل طائفة منهم تزعم لنفسها أنها على الحق وأن غيرها ليسعلى حق كما هو الواقع في هذه الجماعات اليوم . فالواجب على المسلم الذي عنده علموقدرة أن يدعو إلى الله على بصيرة ، ويتعاونمع الآخرين من غير أن تكون كل جماعة لهامنهج مختص بها يخالف الجماعة الأخرى . بل الواجب أن يكون المنهج واحدا عند المسلمينوأن يتعاونوا جميعا وأن يتشاوروا فيمابينهم ولا حاجة إلى إيجاد جماعات ومناهجمتفرقة ومتـشتـتة ، لأن هذا يقضي على وحدة المسلمين وعلى كلمة المسلمين ، ويسببالنزاع والخصام بين الناس كما هو الواقع اليوم بين تلك الجماعات التي على الساحة فيالبلاد الإسلامية وغيرها .
فليس من ضروريات الدعوةتكوين جماعة إنما من ضروريات الدعوة أن من عنده علم وعنده حكمة وعنده معرفة أن يدعوإلى الله عز وجل ولو كان واحدا ، والدعاة إلى الله يجب أن يكون منهجهم واحدا علىالحق ولو تفرقوا في مجالات عملهم في مختلف البلدان .
السؤال الثالث : ما حكم من ينتمي إلى تلك الجماعات ، خصوصا تلكالتي تقوم على السرية والبيعة ؟
الجواب :النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بحصول التفرقوأمرنا عند ذلك بالاجتماع ، وأن نكون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلموأصحابه ، قال صلى الله عليه وسلم : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ،وافترقت النصارى على اثـنتين وسبعين فرقة ، وستـفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةكلها في النار إلا واحدة " قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " من كانعلى مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ، وقال صلى الله عليه وسلم لما طلب منهأصحابه الوصية : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ،فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " وهذا منهج يجب أن يسير عليه المسلمون إلىيوم القيامة ، وهوأنه عند الاختلاف فإنهم يرجعون إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة فيالمنهج والدين والبيعة وغير ذلك .
السؤال الرابع :مما يلاحظ علىالثقافة الإسلامية المعاصرة اليوم أنه يشوبها شيء من فكر بعض الفرق الضالة مثلالخوارج والمعتزلة ، فتجد في بعضها تكفير المجتمعات والأفراد وتسويغ العنف ضدالعصاة والفساق من المسلمين ، فما توجيهكم ؟
الجواب :هذا منهج خاطئ ؛ لأنالإسلام ينهى عن العنف في الدعوة ، يقول تعالى : (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمةوالموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )) ، ويقول لنبـيّـيه موسى وهارون عليهماالسلام تجاه فرعون : (( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى )) . والعنف يقابلبالعنف ولا يفيد إلا عكس المطلوب ، وتكون آثاره على المسلمين سيئة ، فالمطلوب الدعوةبالحكمة وبالتي هي أحسن وباستعمال الرفق مع المدعوين . أما استعمال العنف معالمدعوين والتشدد والمهاترات فهذا ليس من دين الإسلام ، فالواجب على المسلمين أنيسيروا في الدعوة على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى حسب توجيهات القرآنالكريم .
والتكفير له ضوابط شرعية ،فمن ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام التي ذكرها علماء أهل السنة والجماعة حكم بكفرهبعد إقامة الحجة عليه ، ومن لم يرتكب شيئا من هذه النواقض فليس بكافر وإن ارتكب بعضالكبائر التي هي دون الشرك .
السؤال الخامس :يزعم بعض الناس أنمنهج أهل السنة والجماعة لم يعد مناسبا لهذا العصر ، مستدلين بأن الضوابط الشرعيةالتي يراها أهل السنة والجماعة لا يمكن أن تتحقق اليوم .
الجواب :الذي يرى أن منهج السلفالصالح لم يعد صالحا لهذا الزمان ، هذا يعتبر ضالا مضلّلا ؛ لأن منهج السلف الصالح هوالمنهج الذي أمرنا الله باتباعه حتى تـقوم الساعة . يقول صلى الله عليه وسلم : " فإنه من يعش منكم فسوف يرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاءالراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " ، وهذا خطابللأمة إلى أن تـقوم الساعة ، وهذا يدل على أنه لا بد من السير على منهج السلف . وأنمنهج السلف صالح لكل زمان ومكان ، والله سبحانه وتعالى يقول : (( والسابقون الأولونمن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه )) ، وهذايشمل الأمة إلى أن تقوم الساعة . فالواجب عليها أن تـتابع منهج السابقين الأولين منالمهاجرين والأنصار ، والإمام مالك بن أنس يقول : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ماأصلح أولها " .
فالذي يريد أن يعزل الأمةعن ماضيها ويعزل الأمة عن السلف الصالح يريد الشر بالمسلمين ، ويريد تغيير هذاالإسلام ويريد إحداث البدع والمخالفات ، وهذا يجب رفضه ويجب قطع حجته والتحذير منشره ، لأنه لابد من التمسك بمنهج السلف والاقتداء بالسلف ولا بد من السير على منهجالسلف ، وذلك في كتاب الله عزوجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا .فالذي يريد قطع خلف هذه الأمة عن سلفها في الأرض يجب أن يرفض قوله وأن يرد قوله وأنيحذر منه،والذين عرف عنهم هذا القول السيئ لا عـبرة بهم .
السؤال السادس :يلاحظ على بعضطلبة العلم التساهل في إطلاق لفظ الردة على المسلم ، بل قد يطالب هذا البعضالمسلمين بانتداب من يرون لإقامة حد الردة في المحكوم بردته عندهم إذا لم يقم بهالسلطان .
الجواب : إقامة الحدود من صلاحيات سلطان المسلمين ، وليس لكلأحد أن يقيم الحد ، لأن هذا يلزم منه الفوضى والفساد ويلزم منه تفكك المجتمع وحدوثالثارات وحدوث الفتن ، فالحدود من صلاحيات السلطان المسلم . يقول النبي صلى اللهعليه وسلم : " تعافوا الحدود فيما بينكم ، فإذا أبلغت الحدود السلطان فلعنالله الشافع والمشفع " ، ومن وظائف السلطان في الإسلام ومن صلاحياته إقامةالحدود بعدما تـثبت شرعا لدى المحاكم الشرعية على من وقع في جريمة رتب الشارع عليهاحدا كحد الردة وحد السرقة ..الخ .
فالحاصل أن إقامة الحدودمن صلاحيات السلطان ، وإذا لم يكن هناك من المسلمين سلطان فإنه يكتفى بالأمربالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عزوجل بالحكمة والموعظة الحسنة والجدالبالتي هي أحسن ، ولا يجوز للأفراد أن يقيموا الحدود لأن هذا كما ذكرنا يلزم منهالفوضى ويلزم منه حدوث الثارات والفتن وفيه مفسدة أعظم مما فيه من المصلحة ومنالقواعد الشرعية المسلّم بـــــــها : " أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " .
السؤال السابع :فضيلةالشيخ : من هو المرتد ؟ نرجو تحديده بشكل واضح فقد يحكم بردة شخص لديهشبهة.
الجواب : الحكم بالردة والخروج من الدين من صلاحيات أهلالعلم الراسخين في العلم ، وهم القضاة في المحاكم الشرعية والمفتون المعتبرون ، وهيكغيرها من القضايا وليس من حق كل أحد أو من حق أنصاف المتعلمين أو المنتسبين إلىالعلم الذين ينقصهم الفقه في الدين ليس من صلاحياتهم أن يحكموا بالردة ؛ لأن هذا يلزم منه الفساد وقد يحكمون على المسلم بالردة وهو ليس كذلك ، وتكفير المسلم الذيلم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام فيه خطورة عظيمة ، ومن قال لأخيه يا كافر أو يافاسق ، وهو ليس كذلك ، فإن الكلام يعود على قائله ، فالذين يحكمون بالردة هم القضاةالشرعيون والمفتون المعتبرون والذين ينفذون هذا الحكم هم ولاة أمر المسلمين ، وماعدا هذا فهو فوضى .
السؤال الثامن :فضيلة الشيخ،الدين النصيحة ، والنصيحة أصل من أصول الإسلام ، ومع هذا نجد بعض الإشكالات في مايتعلق بمعنى النصيحة لولاة الأمر وحدودها ، وكيف تُبذل وكيف يتدرج لها ، ومن أبرزالاشكالات تلك المتعلقة بالتغيـير باليد ، هل لكم إيضاح هذه المسألة؟
الجواب : النبي صلى الله عليه وسلم وضّح هذا وقال : " الدين النصيحة . قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " . النصيحة لأئمة المسلمين تكون بطاعتهم بالمعروف ، وتكون بالدعاء لهم ،وبيان الطريق الصحيح لهم وبيان الأخطاء التي قد تـقع منهم من أجل تجنبها ، وتكونالنصيحة سرية بينهم وبين الناصح .
وتكون أيضا بالقيامبالأعمال التي يوكلونها إلى موظفيهم وإلى من تحت أيديهم بأن يؤدوا أعمالهم بأمانةوإخلاص ، هذا من النصيحة لولي أمر المسلمين . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطعفبقلبه "،ومعنى ذلك أن المسلمين على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : من عندهالعلم والسلطة فهذا يغير المنكر بيده ، وذلك مثل ولاة الأمور ومثل رجال الهيئاتوالحسبة الذين نصبهم ولي الأمر للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هؤلاءيغيرون بأيديهم بالطريقة الحكيمة المشروعة .
وهناك من عنده علم وليسعنده سلطة فهذا يغير بلسانه بأن يـبـين للناس حكم الحلال والحرام والمعروف والمنكر ،ويأمر وينهى ويرشد ويعظ وينصح هذا من الإنكار باللسان.
وهناك من ليس عنده علموليس عنده سلطة ولكنه مسلم ، فهذا عليه أن ينكر المنكر بقلبه ؛ بأن يكره المنكروأهل المنكر ويبعد نفسه عن الاجتماع بأهل المنكر لئلا يؤثروا عليه ، هذه هي درجاتالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السؤال التاسع :فضيلة الشيخ ، هناكللأسف من يسوغ الخروج على الحكام دون الضوابط الشرعية ، ما هو منهجنا في التعامل معالحاكم المسلم وغير المسلم ؟
الجواب :منهجنا في التعامل مع الحاكم المسلم السمع والطاعة ، يقول الله سبحانه وتعالى : (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولوأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون باللهواليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا )) ، والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر فيالحديث يقول : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه منيعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ، هذا الحديث يوافق الآية تماما .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " من أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني " ، إلى غيرذلك من الأحاديث الواردة في الحث على السمع والطاعة .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " اسمع و أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " ، فولي أمر المسلمين يجب طاعته فيطاعة الله فإن أمر بمعصية فلا يطاع في هذا الأمر ، يعني في أمر المعصية ، لكنه يطاعفي غير ذلك مما لا معصية فيه .
وأما التعامل مع الحاكمالكافر فهذا يختلف باختلاف الأحوال ، فإن كان في المسلمين قوة وفيهم استطاعة لمقاتلتهوتـنحيته عن الحكم وإيجاد حاكم مسلم فإنه يجب عليهم ذلك . وهذا من الجهاد في سبيلالله ، أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته فلا يجوز لهم أن يتحرشوا بالظلمة والكفرة ،لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة ، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش فيمكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة والولاية فيها للكفار ، ومعه من أسلم من أصحابه ولمينازلوا الكفار ، بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة ، ولم يؤمروا بالقتالإلا بعد ما هاجر صلى الله عليه وسلموصار له دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار ، هذا هو منهج الإسلام .
فإذا كان المسلمون تحتولاية كافرة ولا يستطيعون إزالتها فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم ، ولكن لايخاطرون بأنفسهم ويغامرون في مجابهة الكفار ، لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاءعلى الدعوة ، أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد فإنهم يجاهدون في سبيلالله على الضوابط الشرعية المعروفة.
السؤال العاشر: فضيلة الشيخ ، ممايتساهل به الناس قضية البيعة ، فهناك من يرى جواز أخذ البيعة لجماعة من الجماعات معوجود بيعة أخرى ، وقد لا يكون ( المبايع) في هذه الجماعات معروفا لدواعي السرية ،ما حكم هذا ؟ ثم هل يختلف الحكم في بلاد الكفار ، أو تلك التي لا تحكم بما أنزلالله ؟
الجواب :البيعة لا تكون إلالولي أمر المسلمين ، وهذه البيعات المتعددة مبتدعة ، وهي من إفرازات الاختلاف ،والواجب على المسلمين الذين هم في ولاية واحدة ، وفي مملكة واحدة أن تكون بيعتهمواحدة لإمام واحد ، لا تجوز المبايعات المتعددة ، وإنما هذه من إفرازات اختلافاتهذا العصر ، ومن الجهل بالدين .
وقد نهى الرسول صلى اللهعليه وسلم عن التفرق في البيعة وتعدد البيعة ، فقال : " من جاءكم وأمركم جميععلى واحد منكم ، يريد تفريق جماعتكم ، فاضربوا عنقه " ، فإذا وجد من ينازع وليالأمر الطاعة ويريد شق العصا ، وتفريق الجماعة ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلمولي الأمر ، وأمر المسلمين معه ، بقتال هذا الباغي ، قال تعالى : (( وإن طائفتان منالمؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتىتفيء إلى أمر الله ))
وقد قاتل أمير المؤمنينعلي بن أبي طالب ومعه أكابر الصحابة ، قاتلوا الخوارج و البغاة حتى قضوا عليهم ،واخمدوا شوكتهم ، وأراحوا المسلمين من شرهم . وهذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلمفإنه أمر بقتال البغاة ، وبقتال الخوارج الذين يريدون شق عصا الطاعة ، وذلك من أجلالحفاظ على جماعة المسلمين ، وعلى كيان المسلمين من التفرق والاختلاف .
السؤال الحاديعشر : نسمع كثيرا عما يسمى بالجماعات الإسلامية في هذا العصر في مختلفأنحاء العالم ، فما أصل هذه التسمية ؟ وهل يجوز الذهاب معهم ومشاركتهم إذا لم يكنلديهم بدعة ؟
الجواب :الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا وبين لنا كيفنعمل ، ما ترك شيئا يقرّب أمته إلى الله إلا وبـينه، وما ترك شيئا يـبعدهم من اللهإلا وبيّنه- عليه الصلاة والسلام- ومن ذلك هذه المسألة ، قال صلى الله عليهوسلم:" فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا "، لكن ما هو العلاج عندحدوث ذلك ؟ قال : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ،تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ،وكل بدعة ضلالة " ؛فهذه الجماعات من كان منها على هدي الرسول صلى الله عليهوسلم والصحابة ، وخصوصا الخلفاء الراشدين والقرون المفضلة ، فأي جماعة على هذاالمنهج فنحن مع هذه الجماعة ، ننتسب إليها ، ونعمل معها . وما خالف هدي الرسول صلىالله عليه وسلم فإننا نتجنبه وإن كان يتسمى (جماعة إسلامية) ، العبرة ليست بالأسماء ، العبرة بالحقائق ، أما الأسماء فقد تكون ضخمة ، ولكنها جوفاء ليس فيها شيء ، أوباطلة أيضا .
وقال صلى الله عليه وسلم : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعينفرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " قلنا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ،الطريق واضح ، الجماعة التي فيها هذه العلامة نكون معها ، من كان على مثلما كان عليه الرسول صلى الله عليه وأصحابه ، فهم الجماعة الإسلامية الحقة . أما منخالف هذا المنهج وسار على منهج آخر فإنه ليس منا ولسنا منه ، ولا ننتسب إليه ولاينتسب إلينا ، ولا يسمى جماعة ، وإنما يسمى فرقة من الفرق الضالة ،لأن الجماعة لاتكون إلا على الحق ، فهو الذييجتمع عليه الناس ، وأما الباطل فإنه يفرّق ولا يجمع ،قال تعالى : ( وإن تولّوا فإنما هم في شقاق ) .
السؤال الثاني عشر :هل من انتمى إلى هذه الجماعات يعتبر مبتدعا؟
الجواب :هذا حسب الجماعات ، فالجماعات التي عندها مخالفاتللكتاب والسنة يُعتبر المنتمي إليها مبتدعا .
السؤال الثالثالعاشر : ما رأيكم في الجماعات كحكم عام؟
الجواب :كل من خالف جماعة أهل السنة فهو ضال ، ما عندنا إلاجماعة واحدة هم أهل السنة والجماعة ، وما خالف هذه الجماعة فهو مخالف لمنهج الرسولصلى الله عليه وسلم .
السؤال الرابع عشر :هل تخالط الجماعات أم تُهجر؟
الجواب :المخالطة إذا كان القصد منها دعوتهم - ممن عندهم علموبصيرة - إلى التمسك بالسنة ، وترك الخطأ فهذا طيّب ، وهو من الدعوة إلى الله ، أماإذا كان الاختلاط معهم من أجل المؤانسة معهم ، والمصاحبة لهم ، بدون دعوة ، وبدونبيان ، فهذا لا يجوز .
فلا يجوز للإنسان أن يخالطالمخالفين إلا على وجه فيه فائدة شرعية ، من دعوتهم إلى الإسلام الصحيح ، وتوضيحالحق لهم لعلهم يرجعون ، كما ذهب ابن مسعود - رضي الله عنه - إلى المبتدعة الذين فيالمسجد ، ووقف عليهم ، وأنكر عليهم بدعتهم . وابن عباس - رضي الله عنهما - ذهب إلىالخوارج ، وناظرهم ، ودحض شبههم ، ورجع منهم من رجع . فالمخالطة لهم إذا كانت علىهذا الوجه فهي مطلوبة ، وإن أصروا على باطلهم وجب اعتزالهم ومنابذتهم ، وجهادهم فيالله .

تعليق