الرد على المخالف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \ للشيخ عبد المالك رمضاني حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الرّد على المخالف من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر للشيخ عبد المالك رمضاني حفظه الله
احتجتُ إلى أن أؤصل لبحثي بهذا الفصل ؛ لأن بعض ضعفاء النفوس وقليلي العلم تضيق صدورهم عند مطالعة الردود , ظنا منهم أن ذلك أقرب إلى الورع وصيانة أعراض المسلمين .
وإطلالة سريعة على تاريخ العلماء تُنبيك على أنه لم يخل عصر من العصور من الرد على المخالف , ولو كان من خيرة المسلمين .
ولما كان جل الأحزاب الإسلامية يعمل على وأد ما يسمى ( بالنقد الذاتي ) , وإجهاض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخلاء أعظم ثغور المسلمين من مرابط , بحجة الستر على المسلمين تارة , وجمع الكيد للكافرين تارة أخرى , وغيرها من الحجج العاطفية التي تجعل العقول تتخطف من أصحابها في زمن الوهن العلمي , كان لا بد من رد الحق إلى نصابه (( ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة )) .
والذين يلوون ألسنتهم باستنكار نقد الباطل وإن كان في بعضهم صلاح وخير , ولكنه الوهن وضعف العزائم حينا , وضعف إدراك مدارك الحق والصواب أحيانا , بل في حقيقته من التولي يوم الزحف عن مواقع الحراسة لدين الله والذب عنه , وحينئذ يكون الساكت عن كلمة الحق كالناطق بالباطل في الإثم , قال أبو علي الدقاق : ( الساكت عن الحق شيطان أخرس , والمتكلم بالباطل شيطان ناطق ) .
والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة , والنجاة منها لفرقة واحدة على منهاج النبوة , أيريد هؤلاء اختصار الأمة إلى فرقة وجماعة واحدة مع قيام التمايز العقدي المضطرب ؟ ! .
أم أنها دعوة إلى وحدة تصدع كلمة التوحيد ؟ ! , فاحذروا !
وما حجتهم إلا المقولات الباطلة :
لا تصدعوا الصف من الداخل !
لا تثيروا الغبار من الخارج !
لا تحركوا الخلاف بين المسلمين !
( نلتقي فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ! ) وهكذا .
وأضعف الإيمان أن يقال لهؤلاء : هل سكت المبطلون لنسكت , أم أنهم يهاجمون الإعتقاد على مرأى ومسمع , ويطلب السكوت ؟ اللهم لا ...
ونعيذ بالله كل مسلم من تسرب حجة اليهود , فهم مختلفون على الكتاب , مخالفون للكتاب , ومع هذا يظهرون الوحدة والإجتماع , وقد كذبهم الله تعالى فقال سبحانه : (( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى )) , وكان من أسباب لعنتهم ما ذكره الله بقوله : (( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه )) .
" ولهذا فإذا رأيت من رد على مخالف في شذوذ فقهي أو قول بدعي , فاشكر له دفاعه بقدر ما وسعه .
ولا تخذله بتلك المقولة المهينة ( لماذا لا يرد على العلمانيين ؟ ! ) , فالناس قدرات ومواهب , ورد الباطل واجب مهما كانت رتبته , وكل مسلم على ثغر من ثغور ملته " .
وأصل هذا الباب النصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى : (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )) قال ابن تيمية :" والأمر بالسنة والنهي عن البدعة هو أمر بمعروف ونهي عن منكر , وهو من أفضل الأعمال الصالحة ... " .
ولا ينبغي للجماعات الإسلامية اليوم أن تضيق صدورها بالنقد ؛ لأنه من القيام بالقسط والشهادة لله اللذين أمرنا بهما ولو مع أنفسنا وأهل ملتنا كما قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا )) واللي هو الكذب , والإعراض هو الكتمان كما قال ابن تيمية , فكيف يطيب لمؤمن دعوة مع كتمان الأخطاء تسترا بالمجاملات السياسية بعد هذا ؟ !
ولا شك أن الغيرة التي أودعها الله في قلب كل مؤمن على محارمه هي التي تحركه إلى القيام بهذا الواجب , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى يغار , وإن المؤمن يغار , وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه " .
وإذا كان كلما أراد المؤمن أن يقوّم المسار قيل له : ليس ذا الوقت والكفار متربصون !
فمتى يعرف أخطاءه ؟ ومتى يحجم عنها ؟ ومتى يصح المريض ويقوى الضعيف ؟ وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن مرآة المؤمن , والمؤمن أخو المؤمن , يكف عليه ضيعته , ويحوطه من ورائه " .
وليس من الموالاة للمؤمنين في شيء أن تنصر أخاك في باطله محتجا بمواجهته الشيوعيين , فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " , قيل : يا رسول الله !هذا ننصره مظلوما , فكيف ننصره ظالما ؟ قال : " تحجزه أو تمنعه من الظلم " , وفي رواية لمسلم من طريق جابر بلفظ : " إن كان ظالما فلينهه ؛ فإنه له نصر " .
قال ابن تيمية في هذا المعنى :" ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم أو عُرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم , بأن هذا الكلام لا يُدرى ما هو ؟ أو من قال إنه صنّف هذا الكتاب ؟
وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق , بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم , فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء , وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله " .
وفي الرد على المخالف دفاع عن الإسلام من جبهتين :
" الأولى : الخطر الخارجي وهو الكافر المتمحض , الذي لم يعرف نور الإسلام , بما يكيده للإسلام والمسلمين من غزو يحطم في مُقوماتهم العقدية والسلوكية والسياسية والحكمية ...
الثانية : مواجهة التصدع الداخلي في الأمة بفشو فرق ونحل طاف طائفها في أفئدة شباب الأمة .. إذ التصدع الداخلي تحت لباس الدين مثل انكسارا في رأس المال : المسلمين , وقد كان للسالكين في ضوء الكتاب والسنة - الطائفة المنصورة - الحظ الوافر والمقام العظيم في جبر كسر المسلمين برّدهم إلى الكتاب والسنة , وذلك بتحطيم ما قامت عليه تلك الفرق المفرقة من مآخذ باطلة في ميزان الشرع " .
ومن ضنائن العلم ما قرأته لإبن تيمية في التمييز بين معاملة الخوارج ومعاملة الكفار , وهو يرفع اللبس المتبادر إلى الأذهان الكليلة من بعض الأحاديث التي يظهر منها أن الخوارج شر من الكفار مطلقا , مع أن الصحابة لم يكفروهم , قال رحمه الله : " وما زالت سيرة المسلمين على هذا , ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه , هذا مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم في الأحاديث الصحيحة , وما روي من أنهم " شر قتلى تحت أديم السماء , خير قتيل من قتلوه " في الحديث الذي رواه أبو أمامة , رواه الترمذي وغيره ؛ أي أنهم شر على المسلمين من غيرهم ؛ فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم : لا اليهود ولا النصارى ؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم , مكفرين لهم , وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة ... " .
أي أن الخوارج أقل جريمة من الكفار في الميزان العام الأخير , يكفي أنهم " من الكفر فروا " , لكن بالنسبة لما يعاني منهم المسلمون وما يوقعون بهم من المحن والبلايا فهم أعظم شرا من الكفار , بل لا يخلص الكفار إلى المسلمين كما يخلص إليهم هؤلاء , ولذلك قد تُقَدم عقوبتهم في الدنيا قبل غيرهم , وتأمل فقه ابن تيمية حين قال بعد كلامه السابق بصفحتين : " والعقوبة في الدنيا تكون لدفع ضرره عن المسلمين , وإن كان في الآخرة خيرا ممن لم يُعاقب كما يُعاقب المسلم المتعدي للحدود ولا يُعاقب أهل الذمة من اليهود والنصارى , والمسلم في الآخرة خير منهم " .
فاحفظ هذا , وعض عليه بالنواجذ تتهاوى بين يديك عساكر الباطل المعطلة لمجاهدة البدع وأهلها , كأولئك القائلين :" إن لم تكونوا معنا فأنتم معهم !! " .
أو كأولئك القائلين :" توجهون سهامكم إلى إخوانكم , والعلمانيون والشيوعيون أنشط ما يكونون في نشر الخلافات بينكم ؟ ! " .
قال ابن تيمية : " إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين , ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين , وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا , وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم , وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ... "
المصدر : مدارك النظر في السياسة ص89
بسم الله الرحمن الرحيم
الرّد على المخالف من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر للشيخ عبد المالك رمضاني حفظه الله
احتجتُ إلى أن أؤصل لبحثي بهذا الفصل ؛ لأن بعض ضعفاء النفوس وقليلي العلم تضيق صدورهم عند مطالعة الردود , ظنا منهم أن ذلك أقرب إلى الورع وصيانة أعراض المسلمين .
وإطلالة سريعة على تاريخ العلماء تُنبيك على أنه لم يخل عصر من العصور من الرد على المخالف , ولو كان من خيرة المسلمين .
ولما كان جل الأحزاب الإسلامية يعمل على وأد ما يسمى ( بالنقد الذاتي ) , وإجهاض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخلاء أعظم ثغور المسلمين من مرابط , بحجة الستر على المسلمين تارة , وجمع الكيد للكافرين تارة أخرى , وغيرها من الحجج العاطفية التي تجعل العقول تتخطف من أصحابها في زمن الوهن العلمي , كان لا بد من رد الحق إلى نصابه (( ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة )) .
والذين يلوون ألسنتهم باستنكار نقد الباطل وإن كان في بعضهم صلاح وخير , ولكنه الوهن وضعف العزائم حينا , وضعف إدراك مدارك الحق والصواب أحيانا , بل في حقيقته من التولي يوم الزحف عن مواقع الحراسة لدين الله والذب عنه , وحينئذ يكون الساكت عن كلمة الحق كالناطق بالباطل في الإثم , قال أبو علي الدقاق : ( الساكت عن الحق شيطان أخرس , والمتكلم بالباطل شيطان ناطق ) .
والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة , والنجاة منها لفرقة واحدة على منهاج النبوة , أيريد هؤلاء اختصار الأمة إلى فرقة وجماعة واحدة مع قيام التمايز العقدي المضطرب ؟ ! .
أم أنها دعوة إلى وحدة تصدع كلمة التوحيد ؟ ! , فاحذروا !
وما حجتهم إلا المقولات الباطلة :
لا تصدعوا الصف من الداخل !
لا تثيروا الغبار من الخارج !
لا تحركوا الخلاف بين المسلمين !
( نلتقي فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ! ) وهكذا .
وأضعف الإيمان أن يقال لهؤلاء : هل سكت المبطلون لنسكت , أم أنهم يهاجمون الإعتقاد على مرأى ومسمع , ويطلب السكوت ؟ اللهم لا ...
ونعيذ بالله كل مسلم من تسرب حجة اليهود , فهم مختلفون على الكتاب , مخالفون للكتاب , ومع هذا يظهرون الوحدة والإجتماع , وقد كذبهم الله تعالى فقال سبحانه : (( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى )) , وكان من أسباب لعنتهم ما ذكره الله بقوله : (( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه )) .
" ولهذا فإذا رأيت من رد على مخالف في شذوذ فقهي أو قول بدعي , فاشكر له دفاعه بقدر ما وسعه .
ولا تخذله بتلك المقولة المهينة ( لماذا لا يرد على العلمانيين ؟ ! ) , فالناس قدرات ومواهب , ورد الباطل واجب مهما كانت رتبته , وكل مسلم على ثغر من ثغور ملته " .
وأصل هذا الباب النصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى : (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )) قال ابن تيمية :" والأمر بالسنة والنهي عن البدعة هو أمر بمعروف ونهي عن منكر , وهو من أفضل الأعمال الصالحة ... " .
ولا ينبغي للجماعات الإسلامية اليوم أن تضيق صدورها بالنقد ؛ لأنه من القيام بالقسط والشهادة لله اللذين أمرنا بهما ولو مع أنفسنا وأهل ملتنا كما قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا )) واللي هو الكذب , والإعراض هو الكتمان كما قال ابن تيمية , فكيف يطيب لمؤمن دعوة مع كتمان الأخطاء تسترا بالمجاملات السياسية بعد هذا ؟ !
ولا شك أن الغيرة التي أودعها الله في قلب كل مؤمن على محارمه هي التي تحركه إلى القيام بهذا الواجب , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى يغار , وإن المؤمن يغار , وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه " .
وإذا كان كلما أراد المؤمن أن يقوّم المسار قيل له : ليس ذا الوقت والكفار متربصون !
فمتى يعرف أخطاءه ؟ ومتى يحجم عنها ؟ ومتى يصح المريض ويقوى الضعيف ؟ وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن مرآة المؤمن , والمؤمن أخو المؤمن , يكف عليه ضيعته , ويحوطه من ورائه " .
وليس من الموالاة للمؤمنين في شيء أن تنصر أخاك في باطله محتجا بمواجهته الشيوعيين , فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " , قيل : يا رسول الله !هذا ننصره مظلوما , فكيف ننصره ظالما ؟ قال : " تحجزه أو تمنعه من الظلم " , وفي رواية لمسلم من طريق جابر بلفظ : " إن كان ظالما فلينهه ؛ فإنه له نصر " .
قال ابن تيمية في هذا المعنى :" ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم أو عُرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم , بأن هذا الكلام لا يُدرى ما هو ؟ أو من قال إنه صنّف هذا الكتاب ؟
وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق , بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم , فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء , وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله " .
وفي الرد على المخالف دفاع عن الإسلام من جبهتين :
" الأولى : الخطر الخارجي وهو الكافر المتمحض , الذي لم يعرف نور الإسلام , بما يكيده للإسلام والمسلمين من غزو يحطم في مُقوماتهم العقدية والسلوكية والسياسية والحكمية ...
الثانية : مواجهة التصدع الداخلي في الأمة بفشو فرق ونحل طاف طائفها في أفئدة شباب الأمة .. إذ التصدع الداخلي تحت لباس الدين مثل انكسارا في رأس المال : المسلمين , وقد كان للسالكين في ضوء الكتاب والسنة - الطائفة المنصورة - الحظ الوافر والمقام العظيم في جبر كسر المسلمين برّدهم إلى الكتاب والسنة , وذلك بتحطيم ما قامت عليه تلك الفرق المفرقة من مآخذ باطلة في ميزان الشرع " .
ومن ضنائن العلم ما قرأته لإبن تيمية في التمييز بين معاملة الخوارج ومعاملة الكفار , وهو يرفع اللبس المتبادر إلى الأذهان الكليلة من بعض الأحاديث التي يظهر منها أن الخوارج شر من الكفار مطلقا , مع أن الصحابة لم يكفروهم , قال رحمه الله : " وما زالت سيرة المسلمين على هذا , ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه , هذا مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم في الأحاديث الصحيحة , وما روي من أنهم " شر قتلى تحت أديم السماء , خير قتيل من قتلوه " في الحديث الذي رواه أبو أمامة , رواه الترمذي وغيره ؛ أي أنهم شر على المسلمين من غيرهم ؛ فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم : لا اليهود ولا النصارى ؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم , مكفرين لهم , وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة ... " .
أي أن الخوارج أقل جريمة من الكفار في الميزان العام الأخير , يكفي أنهم " من الكفر فروا " , لكن بالنسبة لما يعاني منهم المسلمون وما يوقعون بهم من المحن والبلايا فهم أعظم شرا من الكفار , بل لا يخلص الكفار إلى المسلمين كما يخلص إليهم هؤلاء , ولذلك قد تُقَدم عقوبتهم في الدنيا قبل غيرهم , وتأمل فقه ابن تيمية حين قال بعد كلامه السابق بصفحتين : " والعقوبة في الدنيا تكون لدفع ضرره عن المسلمين , وإن كان في الآخرة خيرا ممن لم يُعاقب كما يُعاقب المسلم المتعدي للحدود ولا يُعاقب أهل الذمة من اليهود والنصارى , والمسلم في الآخرة خير منهم " .
فاحفظ هذا , وعض عليه بالنواجذ تتهاوى بين يديك عساكر الباطل المعطلة لمجاهدة البدع وأهلها , كأولئك القائلين :" إن لم تكونوا معنا فأنتم معهم !! " .
أو كأولئك القائلين :" توجهون سهامكم إلى إخوانكم , والعلمانيون والشيوعيون أنشط ما يكونون في نشر الخلافات بينكم ؟ ! " .
قال ابن تيمية : " إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين , ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين , وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا , وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم , وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ... "
المصدر : مدارك النظر في السياسة ص89