دعوة غير الله والتكفير الوهابي

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • matrix55
    موقوف
    • Sep 2004
    • 35

    #1

    دعوة غير الله والتكفير الوهابي

    دعوة غير الله والتكفير الوهابي


    قيل أن دعوة غير الله من الكفر استنادا إلى بعض الآيات كقوله تعالى : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) ، وقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ) ، وقوله عز وجل : ( وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ ) .



    نقول : كلمة دعاء استعملت بمعنى النداء ، بمعنى أن تصيح باسم الشخص للمجيء كما لو قيل ( يا زيد ) عند نداءه ، ومنه قوله تعالى ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) (1)


    وكذلك قوله تعالى ( لاَّ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) (2) ،

    وبهذا المعنى جاء قوله تعالى ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (3) ،

    وكذلك قوله تعالى ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا ) (4) .


    وقد وردت كلمة الدعاء في القرآن بمعنى الطلب والمسألة وانطلاقا من هذا المعنى تستعمل في الطلب من الله والاستغاثة به كقوله تعالى ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ

    * هامش *


    (1) النمل: 80
    (2) النور: 63

    (3) الأنفال : 24
    (4) نوح : 5



    - ص 34 -


    عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ) (1) أو ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) (2) ، وغالبا المعنى الثاني انطلق من المعنى الأول .


    ووردت بمعنى التسمية قال الراغب في ( المفردات ) : " ويستعمل استعمال التسمية نحو دعوت ابني زيدا أي سميته " (3) ،


    وبهذا المعنى استعملت في قوله تعالى ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا ) (4) أي ادعوا زورا أن لله ولدا ، وكذلك في قوله تعالى ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) (5) ،


    وعليه يمكن حمل كثير من الآيات كقوله تعالى ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) (6) فتكون بمعنى لا تدع وجود إله آخر مع الله ، وكذلك قوله تعالى ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) (7) .


    لكن المهم في ذلك كله هو وجود معنى رابع أهمل بصورة تامة وخاصة من قبل الوهابية مما أدى إلى اللبس الذي وقع عندهم ، فمن المعاني التي تستعمل بها كلمة يدعو هي يعبد ، لا أن الدعاء مصداق من مصاديق العبادة كما تخيلت الوهابية وإليك بعض الكلمات في ذلك .



    قال ابن منظور في ( لسان العرب ) :
    " وقد يكون الدعاء عبادة (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ )


    وقال أبو إسحاق في قوله ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) معنى الدعاء لله على
    * هامش *


    (1) الأنعام: 40 - 41
    (2) الأعراف: 56
    (3) المفردات- ص170
    (4) مريم : 90 - 91

    (5) غافر: 12
    (6)
    القصص: 88
    (7)
    الجن: 18



    - ص 35 -


    ثلاثة أوجه فضرب منها توحيده والثناء عليه كقولك : يا الله لا إله إلا أنت وكقولك ربنا لك الحمد … ومثله قوله ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) فهذا ضرب من الدعاء ، والضرب الثاني مسألة الله العفو والرحمة وما

    يقرب منه كقولك : اللهم اغفر لنا والضرب الثالث مسألة الحظ من الدنيا كقولك : اللهم ارزقني مالا وولدا … وفي حديث عرفة : أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .


    وأما قوله تعالى ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يعني أن دعاء أهل الجنة تنزيه الله وتعظيمه ، وهو قوله
    (
    دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ) ثم قال ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أخبر أنهم يبتدئون دعاءهم بتعظيم الله


    وتنزيهه ويختمونه بشكره والثناء عليه فجعل تنزيهه دعاء وتحميده دعاء ، والدعوى هنا معناها الدعاء ، وروي عن النبي
    (ص) أنه قال الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) ، وقال مجاهد


    في قوله ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) قال : يصلون الصلوات الخمس ، وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب في قوله ( لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ) أي لن نعبد إلها دونه ، وقال الله عز وجل ( أَتَدْعُونَ بَعْلاً ) أي أتعبدون ربا

    سوى الله وقال ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) أي لا تعبد " (1) ، انتهى كلام ابن منظور .

    * هامش *
    </FONT>(1) لسان العرب - ج14 ص257
    </FONT>


    - ص 36 -


    وقال الزبيدي في ( تاج العروس ) :
    " والدعاء العبادة والاستغاثة ، ومن الثاني ( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ) أي استغيثوا بهم " (1) .
    ونستعرض لك أيها القارئ آيتين من القرآن الكريم مع نماذج من تفاسير العلماء لكلمة الدعاء فيهما :

    أولهما : قوله تعالى ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) (2) .



    قال ابن الجوزي في تفسيره عند تفسير المساجد ذكر أربعة أقوال وفي الأقوال الثلاث الأخيرة عندما كان يريد توضيح المعنى يقول : " فلا تسجدوا عليها لغير خالقها " أي فسر فلا تدعوا مع الله أحدا أي لا تسجدوا لغير الله ، وقال : " ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَعَبْدُ اللَّهِ ) يعني محمدا (ص) ( يَدْعُوهُ ) أي يعبده وكان يصلي ببطن نخلة " (3) .



    وقال ابن كثير في تفسيره :
    " عن ابن عباس قال : قال الجن لقومهم ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون

    * هامش *
    (1) تاج العروس- ج10 ص128
    (2)
    الجن: 18 - 20
    (3) زاد المسير- ج8 ص( 133 - 134 )
    </FONT>


    - ص 37 -


    بسجوده … ( إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ) أي إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ( وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا )" (1).
    ثانيها : قوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (2) .



    قال الطبري :
    " وقوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول تعالى ذكره ويقول ربكم أيها الناس ادعوني ، يقول اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : …


    عن ابن عباس قوله ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول : وحدوني أغفر لكم … ، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله (ص) : " الدعاء هو العبادة " ، وقرأ رسول الله (ص) ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ … ) .


    وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) يقول : إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة وإفراد الألوهة لي " (3) .




    قال الشوكاني في ( فتح القدير ) :
    " وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قال : وحدوني أغفر لكم " (4) .

    * هامش *


    (1) تفسير ابن كثير - ج4 ص461
    (2) غافر: 60

    (3) تفسير الطبري - المجلد 12 - ج24 ص 98
    (4) فتح القدير - ج4 ص 572



    - ص 38 -


    قال ابن الجوزي :
    " ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) فيه قولان أحدهما وحدوني واعبدوني أثبكم قاله ابن عباس والثاني : سلوني أعطكم قاله السدي ،
    (
    إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) فيه قولان أحدهما عن توحيدي والثاني عن دعائي ومسألتي " (1) .



    قال الشوكاني :
    " ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قال أكثر المفسرين : المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم وقيل : المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر ، قيل : الأول أولى لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة ، قلت : بل الثاني أولى لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعا هو الطلب " (2) .


    وأما في الأخبار فقد روى الحاكم في مستدركه عن جرير بن عبد الله البجلي ( رض ) في قول الله عز وجل ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قال : اعبدوني استجب لكم .



    قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، قال الذهبي : على شرط مسلم (3) .



    فمن الواضح من الاستعراض السابق لأقوال المفسرين إن كلمة الدعاء في استعمال القرآن يقصد بها العبادة لا أنها بمعنى الاستغاثة والاستغاثة من مصاديق العبادة ويكفي في ذلك ما نقلناه عن الشوكاني من قوله :
    " ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قال أكثر المفسرين : المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم " .

    * هامش *
    (1) زاد المسير- ج7 ص87
    (2)
    فتح القدير- ج4 ص571
    (3) المستدرك على الصحيحين- ج2 ص301
    </FONT>


    - ص 39 -


    والحق أنه لو سلمنا إن الدعاء هنا بمعنى الطلب فلا يمكن أن تعد دليلا على أن كل طلب يعتبر عبادة إنما الحديث في الآيات عن الدعاء والاستغاثة بغير الله التي تنبع من الاعتقاد بألوهية المستغاث به واستحقاقه للعبادة .


    وبعبارة أخرى الآيات التي ذكرت دعاء غير الله - إن فسر الدعاء بمعنى الطلب - تتحدث عن الطلب من الأنداد انطلاقا من الاعتقاد بألوهيتها ، وما نريد قوله هو أن كثيرا من الآيات التي يستدل بها هي لا تتحدث عن مجرد الطلب ، بل الطلب ممن جعل ندا وإلها قبل الطلب منه ، لا أن مجرد الطلب منه يجعله إلها كما فهم ابن عبد الوهاب وتبعته السلفية في هذا العصر .



    فكيف يعقل أن يكون مجرد طلب الشيء من أحد هو عبادة له وحياة البشر مليئة بمن يطلب حوائجه من الآخرين ، فهذا الفقير يطلب المال من الغني والمريض يطلب العلاج من الطبيب ؟



    نعم تكون عبادة إذا اعتقد السائل بألوهية من يطلب منه كما قلنا ، ولكن إذا طلب منه بصفته وجيها مقربا عند الله وهو يعلم أن حاجته لن يقضيها سوى الله عز وجل فليس هذا من الكفر بل هو من التوحيد الخالص ، لذا نفس الآيات لا تنفي الشفاعة


    مطلقا ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) (1) ، فالآية صريحة في أن هناك من يأذن له في الشفاعة ، فهل يقال دعاء المأذون بالشفاعة من الشرك ؟ لأن مجرد الطلب من غير الله هو موجب للكفر والشرك .
    * هامش *
    (1) سبأ: 22 - 23
    </FONT>


    - ص 40 -


    أم أن الإنسان إذا أحرز أن شخصا أعطاه الله قدرات كإبراء الأكمه والأبرص كما ثبت للمسيح (ع) فيمكن بإذن الله أن يطلب منه حاجته ولا يعتبر في ذلك أدنى شرك بالله تعالى بل هو من التوحيد لأن قدرته من الله ، أم كانت تلك المعجزات فتنة للناس في دينهم ؟!


    فهل الذين طلبوا من المسيح (ع) إبراء الأكمه والأبرص بفضل ما أعطاه الله من القدرة على ذلك كانوا مشركين ، أو أن نبي الله سليمان حينما طلب ممن عنده علم من الكتاب أن يأتي بالعرش كان من الشرك .



    بل أن مثل هذا الطلب قد حدث أمام رسول الله (ص) ولم يستنكره بل أعطى الرجل طريقة للتوسل به (ص) في دعائه لله تعالى فقد روى ابن ماجة في سننه :
    عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي (ص) فقال : ادع الله لي أن يعافيني ، فقال : إن شئت أخرت لك وهو خير وإن شئت دعوت ، فقال : ادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو


    بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم فشفعه في ، قال أبو إسحاق : هذا حديث صحيح (1) ، هذا وقد صحح الألباني هذا الحديث .



    ورواه بنفس الإسناد الحاكم في ( المستدرك ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص : على شرطهما ، ورواه بسندين آخرين الأول عن عون بن عمارة البصري وقال بعدها الحاكم : تابعه شبيب بن


    سعيد الحبطي عن روح بن القاسم زيادات في المتن والإسناد والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون والثاني عن شبيب بن سعيد وقال بعدها : هذا حديث صحيح على
    * هامش *
    (1) سنن ابن ماجة- ج1 ص411 ح(1385)
    </FONT>


    - ص 41 -


    شرط البخاري ولم يخرجاه وإنما قدمت حديث عون بن عمارة لأن من رسمنا أن نقدم العالي من الأسانيد ، قال الذهبي في التلخيص : على شرط البخاري (1) .


    ورواه أحمد في ( المسند ) قال محققو الطبعة : " إسناده صحيح رجاله ثقات " (2) .
    ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، وقال المحقق الدكتور الأعظمي : " إسناده صحيح " (3) .



    وروى الطبراني في ( المعجم الصغير ) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رض) في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه


    فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد (ص) نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ربي جل وعز فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ورح إلي حتى

    أروح معك ، فانطلق الرجل فصنع ما قال له عثمان ، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ،

    وقال : ما كانت لك من حاجة فأتنا ، ثم أن الرجل خرج من عنده ، فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفـت إلي حتى كلمته في ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمتـه ولكن شهدت رسول الله (ص) وأتاه ضرير … ثم روى الحديث " (4) .
    * هامش *


    (1) المستدرك على الصحيحين- ج1 - ص (441 - 707 )
    (2) مسند أحمد - طبعة الرسالة - ج28 ص478 ح(17240)

    (3) صحيح ابن خزيمة - ج2 ص225 ح(1219)
    (4) المعجم الصغير - ج1 ص183



    - ص 42 -


    فرواية الطبراني فيها إضافة أن الصحابي عثمان بن حنيف وجه الرجل إلى القيام بنفس صيغة التوسل برسول الله (ص) بعد وفاته (ص) وفي عهد عثمان بن عفان لكي تقضى حاجته ، فهل يعتبر إرشاد عثمان بن حنيف الأعرابي لفعل ذلك بعد وفاة

    الرسول (ص) إرشاد إلى الشرك ، ولا يمكن إدعاء أن الخبر يدل على التوسل بالذات دون دعاء النبي (ص) والطلب منه مع صراحة ما ورد في الخبر من أنك تقول عند التوسل به (ص) " يا محمد إني أتوجه بك " .



    ثم قال الطبراني بعدها : " لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة وهو الذي يحدث عنه أحمد ( ابن أحمد ) بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأبلي ، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه


    عمير بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة ، والحديث صحيح ، وروى هذا الحديث عون بن عمارة عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر (رض) وهم فيه عون بن عمارة والصواب حديث شبيب بن سعيد " .


    ولم ينقل لنا التاريخ أن صحابة النبي (ص) استنكروا على عمر حينما استشفع إلى الله تعالى بالعباس عم النبي (ص) أو اتهموه بأنه أشرك ، والخبر ينقله البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال : فيسقون " (1) .



    لأن العملية كلها من إعطاء القدرات للنبي (ص) إلى الإذن للناس بالطلب المباشر منه قد تمت بأمر الله تعالى ، بل الظاهر أن جواز التوسل والإستشفاع بالنبي (ص)

    * هامش *
    (1) صحيح البخاري- ج1 ص342
    </FONT>


    - ص 43 -


    حتى بعد وفاته هو ما يراه ابن كثير صاحب التفسير والتاريخ المعروف بالتزامه بمنهج أهل الحديث ، فقد قال في تفسيره عند تفسيره لقوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1)

    : " وقد ذكر جماعة منهم الشيخ منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال : كنت جالسا عند قبر النبي (ص) فجاء إعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا

    اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ، ثم انصرف الإعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي (ص) في النوم فقال : يا عتبي إلحق الإعرابي فبشره أن الله قد غفر له " (2) .


    وذكر في تاريخه ( البداية والنهاية ) عند دفاعه عن ابن تيمية في أحداث عام 707 يقول : " ولكن في شوال شكى الصوفية بالقاهرة ابن تيمية فردوا في ذلك إلى القاضي الشافعي فعقد له مجلس قال فيه ابن تيمية لا يستغاث إلا بالله ، لا يستغاث بالنبي ( وذكر ابن كثير جملة اعتراضية ) استغاثة بمعنى العبادة ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله " (3) .



    وفي حاشية الطبعة في نفس الصفحة قال المحقق : ( المعروف في كتب ابن تيمية وترجمته لابن عبد الهادي : أنه لا يجيز هذا … ) " .

    * هامش *
    (1) النساء: 64
    (2)
    تفسير ابن كثير - ج1 ص532
    (3)
    البداية والنهاية - ج14 ص51

    </FONT>


    - ص 44 -


    فالواضح إذن أن المعنى المقصود من الدعاء المنهي عنه في الآيات التي تذكر هنا عادة هو الدعاء النابع من إيمان باستحقاق المدعو للعبادة كما في قوله تعالى ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) (1) أي لا تعبد مع الله أحدا ولا تشرك به في العبادة .


    وكذلك قوله تعالى ( أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) (2) فهؤلاء كانوا يعبدون بعلا لا أنهم يطلبون منه فقط .



    وقد يقال أن الطلب من الحي يختلف عن الطلب من الميت ، فالأول جائز وقد ثبت شرعا والثاني شرك لا يجوز ، ويرد هذا القول بأن دليل التوحيد والشرك أمر عقلي والأدلة العقلية غير قابلة للتخصيص ، فإذا قلنا أن جمع النقيضين أمر محال عقلي فلا يمكن قبول أي رواية تخالف ذلك .



    فإذا كان اتخاذ غير الله تعالى إلها شركا عقلا وطبقتموه على مطلق الطلب فلا يمكن أن يكون هذا الطلب والدعاء جائزا تارة وغير جائز تارة أخرى ، فإذا كانت الاستعانة بغير الله علة تامة للشرك فما الفرق بين حالتي الموت والحياة ألم تتحقق


    الاستعانة بغير الله في الحالتين وهي معيار الشرك عندكم ؟ أم الشرك أمر تعبدي يمكن أن تجيزه الروايات في حالة دون أخرى ؟!
    * هامش *
    </FONT>(1) القصص : 88
    (2)
    الصافات: 125

    </FONT>
  • ابوحذيفة
    عضو متميز

    • Jan 2004
    • 1712

    #2
    الرد: دعوة غير الله والتكفير الوهابي

    [ التوسل المشروع والتوسل الممنوع ]

    2 - يخلط بعض الناس بين التوسل بالإيمان بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ومحبته وطاعته، والتوسل بذاته وجاهه كما يقع الخلط بين التوسل بدعائه، عليه الصلاة والسلام، في حياته وسؤاله الدعاء بعد مماته، وقد ترتب على هذا الخلط التباس المشروع من ذلك بالممنوع منه، فهل من تفصيل يزيل اللبس في هذا الباب، ويرد به على أصحاب الأهواء الذين يلبسون على المسلمين في هذه المسائل؟

    الجواب: لا شك أن كثيرا من الناس لا يفرقون بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع بسبب الجهل وقلة من ينبههم ويرشدهم إلى الحق، ومعلوم أن بينهما فرقا عظيما، فالتوسل المشروع هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وخلق من أجله الثقلين، وهو عبادته- سبحانه- ومحبته ومحبة رسوله، عليه الصلاة والسلام، ومحبة جميع الرسل والمؤمنين والإيمان به وبكل ما أخبر الله به ورسوله من البعث والنشور، والجنة والنار، وسائر ما أخبر الله به ورسوله.

    فهذا كله من الوسيلة الشرعية لدخول الجنة والنجاة من النار، والسعادة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك دعاؤه- سبحانه- والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ومحبته، والإيمان به وبجميع الأعمال الصالحة التي شرعها لعباده، وجعلها وسيلة إلى مرضاته والفوز بجنته وكرامته، والفوز أيضا بتفريج الكروب وتيسير الأمور في الدنيا والآخرة، كما قال الله- عز وجل-: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وقال- سبحانه-: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا وقال- عز وجل-: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا وقال- عز وجل-: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وقال- سبحانه-: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وقال- تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ الآية هو العلم والهدى والفرقان. والآيات هذا المعنى كثيرة .

    ومن التوسل المشروع التوسل إلى الله- سبحانه- بمحبة نبيه، صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، واتباع شريعته؟ لأن هذه الأمور من أعظم الأعمال الصالحات، ومن أفضل القربات، أما التوسل بجاهه، صلى الله عليه وسلم، أو بذاته، أو بحقه، أو بجاه غيره من الأنبياء والصالحين أو ذواتهم أو حقهم، فمن البدع التي لا أصل لها بل من وسائل الشرك، لأن الصحابة- رضي الله عنهم- وهم أعلم الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبحقه لم يفعلوا ذلك، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولما أجدبوا في عهد عمر- رضي الله عنه- لم يذهبوا إلى قبره، صلى الله عليه وسلم، ولم يتوسلوا به ولم يدعوا عنده؟ بل استسقى عمر- رضي الله عنه- بعمه، صلى الله عليه وسلم، العباس بن عبد المطلب أي بدعائه فقال- رضي الله عنه- وهو على المنبر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون رواه البخاري في صحيحه.

    ثم أمر- رضي الله عنه- العباس أن يدعو فدعا وأمن المسلمون على دعائه فسقاهم الله- عز وجل.

    وقصة أهل الغار مشهورة وهي ثابتة في الصحيحين، وخلاصتها أن ثلاثة ممن كان قبلنا أواهم المبيت والمطر إلى غار، فدخلوا فيه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، ولم يستطيعوا دفعها، فقالوا فيما بينهم: لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعوه - سبحانه- واستغاثوا به وتوسل أحدهم ببر والديه، والثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة، والثالث بأدائه الأمانة. فأزاح الله عنهم الصخرة وخرجوا، وهذه القصة من الدلائل العظيمة على أن الأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب والخروج من المضائق، والعافية من شدائد الدنيا والآخرة.

    أما التوسل بجاه فلان أو بحق فلان أو ذاته، فهذا من البدع المنكرة، ومن وسائل الشرك، وأما دعاء الميت والاستغاثة به فذلك من الشرك الأكبر. والصحابة- رضي الله عنهم- كانوا يطلبوا من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يدعو لهم، وأن يستغيث لهم إذا أجدبوا، ويشفع في كل ما ينفعهم حين كان حيا بينهم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم، لم يسألوه شيئا بعد وفاته، ولم يأتوا إلى قبره يسألونه الشفاعة أو غيرها، لأنهم يعلمون أن ذلك لا يجوز بعد وفاته، صلى الله عليه وسلم، وإنما يجوز ذلك في حياته، صلى الله عليه وسلم، قبل موته ويوم القيامة حين يتوجه إليه المؤمنون ليشفع لهم ليقضي الله بينهم ولدخولهم الجنة، بعدما يأتون آدم، ونوحا، وإبراهيم، وموسى ، وعيسى، عليهم الصلاة والسلام، فيعتذرون عن الشفاعة، كل واحد يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، فإذا أتوا عيسى، عليه الصلاة والسلام، اعتذر إليهم وأرشدهم إلى أن يأتوا نبينا محمدا، صلى الله عليه وسلم، فيأتونه فيقول: أنا لها أنا لها لأن الله- سبحانه- قد وعده ذلك فيذهب ويخر ساجدا بين يدي الله عز وجل- ويحمده بمحامد كثيرة ولا يزال ساجدا حتى يقال له: ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع.

    وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وهو حديث الشفاعة المشهور، وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله- سبحانه- في قوله - تعالى- في سورة الإسراء: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان، وجعلنا الله من أهل شفاعته إنه سميع قريب.

    تعليق

    • ابوحذيفة
      عضو متميز

      • Jan 2004
      • 1712

      #3
      الرد: دعوة غير الله والتكفير الوهابي

      التوسل



      الدعاء من أعظم القربات التي تصل العبد بخالقه ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الدعاء هو العبادة ) رواه أبو داود . وذلك لما يجتمع في الداعي من صفات الذل والخضوع والالتجاء إلى من بيده مقاليد الأمور .

      ولما كان الدعاء بهذه المرتبة ، أمر الله عز وجل عباده أن يدعوه في كل أحوالهم فقال تعالى : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (لأعراف:55) ، وبين لهم سبحانه أن من الوسائل التي يكون معها الدعاء أرجى للقبول ، الدعاء بأسمائه وصفاته ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الأسماء الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } ( الأعراف:180) .

      فيشرع للداعي أن يبدأ دعائه متوسلاً بذكر أسماء الله عز وجل وصفاته التي تتعلق بذلك الدعاء ، فإذا أراد المسلم الرحمة والمغفرة ، دعا الله باسم الرحمن ، الرحيم ، الغفور ، الكريم ، وإذا أراد الرزق دعا ربه باسم الرزاق ، المعطي ، الجواد ، وهكذا يقدِّمُ الداعي بين يدي دعائه ما يناسبه من أسماء الله ، وصفاته ، فإن ذلك من أسباب قبول الدعاء .

      والتوسل بالدعاء على أنواعٍ ، فمنه التوسل المشروع ومنه التوسل الممنوع فمن أنواع التوسل المشروع : التوسل إلى الله عز وجل بصالح الأعمال التي عملها العبد ، قال تعالى : { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي للإيمان أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } (آل عمران:193) فتأمل كيف توسل هؤلاء بإيمانهم بربهم جلا وعلا . وقص رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا - فيما رواه البخاري ومسلم - قصة ثلاثة نفر كانوا يمشون فنزل المطر الغزير ، فلجئووا إلى غار في جبل يحتمون به ، فسقطت على باب الغار صخرة منعتهم الخروج ، فحاولوا إزاحتها فلم يقدروا ، فاجتمع رأيهم على أن يدعوا الله عز وجل بأرجى أعمالهم الصالحة التي عملوها . فتوسل أحدهم ببره لوالديه ، وتوسل الآخر بحسن رعايته واستثماره لمال أجيره ، وتوسل الآخر بتركه الزنى بعد تمكنه منه ، وكلما دعا أحدهم انفرجت الصخرة عن باب الغار قليلا ، إلا أنهم لم يستطيعوا الخروج ، حتى أكمل ثالثهم دعائه فانفرجت الصخرة عن باب الغار فخرجوا يتماشون . فيُشرع للمسلم إذا أراد أن يدعوا الله عز وجل أن يتوسل بأحب الأعمال الصالحة التي يرجو أن تكون خالصة لله .

      ومن أنواع التوسل المشروع : طلب الدعاء من الأحياء الصالحين ، وذلك أن العباد يتفاوتون في الصلاح وفي قربهم ومنزلتهم عند الله ، لذلك كان الصحابة يحرصون على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لهم رجاء القبول والإجابة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يدخل الجنة من أمتي زمرة هي سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر . فقام عكّاشة بن محصن ... قال : ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم ، فقال : اللهم اجعله منهم .. ) رواه البخاري ومسلم .

      ومن أنواع التوسل المشروع التوسل بذكر حال السائل وما هو عليه من الضعف والحاجة ، كأن يقول : اللهم إني الفقير إليك ، الأسير بين يديك ، الراجي عفوك ، المتطلع إلى عطائك ، هبني منك رحمة من عندك . والدليل على هذا النوع من التوسل دعاء زكريا عليه السلام ، قال تعالى : { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً () وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً } ( مريم: 4-5 ) . ومنه قول موسى : { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } (القصص: 24 )

      فهذه بعض أنواع التوسل المشروع ،التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم ، ويستفتح بها دعائه ، طالباً من الله قضاء حاجته .

      وهناك أنواع من التوسل يفعلها الناس - منها ما يبلغ حدّ البدعة ومنها ما يبلغ حد الشرك - ظناً منهم أنهم يتقربون إلى الله سبحانه بها ، وما علموا أن التقرب إليه إنما يكون بما شرع لا بالأهواء والبدع .

      فمن أنواع التوسل البدعي : طلب الدعاء من الميت ، كمن يأتي إلى ميت مقبور لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ويطلب منه أن يدعو الله له بأمر كشفاء مريضه أو كشف كربته . والدليل على بدعية هذا التوسل انتفاء الدليل على جوازه ، والعبادة إنما تكون بالإتباع لا بالابتداع ، ويدل أيضا على بدعية هذا النوع من التوسل : أن الصحابة وهم الأكثر علما والأشد اقتداء بسيد الخلق لم يفعلوا ذلك ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، حتى إن عمر رضي الله عنه عندما حصل قحط بالمدينة قدَّم العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو الله بالسقيا ، ولم يطلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في قبره ، لِمَا يعلم من عدم جواز ذلك .

      ومن أنواع التوسل التي ابتدعها الناس وهي شرك بالله عز وجل طلب كشف الكربات وقضاء الحاجات من الأموات ، أياً كان ذلك الميت رجلاً صالحاً أو نبياً مرسلاً ، ذلك أن الدعاء هو العبادة ، والعبادة لا تصرف إلا للخالق الرازق سبحانه ، فدعاء غير الله شرك ومذلة . قال تعالى : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } (غافر:60) فطلب سبحانه أن يكون الدعاء له ، ورتب الإجابة على ذلك. وقال أيضاً : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلالٍ } ( الرعد : 14) . وقال أيضاً : { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ } (يونس:106) .

      فهذه أنواع التوسل في الدعاء وأحكامه ، فينبغي للمسلم أن يحرص على المشروع منه ، وأن يجتهد في دعاء الله في أحواله كافة ، حتى يعلم الله منه صدق افتقاره إليه فيجيبه ويغيثه ، وعلى المسلم أيضاً أن يجتنب التوسل البدعي ، وأن يبتعد كل البعد عن التوسل الشركي ، فإنه الأخطر على دين المسلم وعقيدته ، نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه والحمد لله رب


      تعليق

      • ابوحذيفة
        عضو متميز

        • Jan 2004
        • 1712

        #4
        الرد: دعوة غير الله والتكفير الوهابي

        {مــقــدمـــة مهــمــــة }
        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد أفضل النبيين والمرسلين ، وعلى آله و أصحابه الطيبن المتقين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
        أمـا بعـــد .
        فإن أعظم نعمة أنعم الله بها علينا معاشر المسلمين هي [ نعمة الإسلام ] الذي رضيه الله لنا دينا .
        قال الله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.
        سورة المائدة ( آية رقم 3 ) .
        عن طارق بن شهاب قال : جاء رجلٌ من اليهود إلى عُمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . قال : وأي آية ؟ قال : قوله { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ... ) الآية . فقال عمر رضي الله عنه : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم : عشية عرفة في يوم جمعة .
        رواه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، والترمذي ، والإمام أحمد واللفظ له .
        وهذا الدين العظيم مبني على (( أصلين عظيمين )) لا يقبل الله أي عبادة إلا بهما ، وهما أساس (( حُسن العمل )) وبهما يقبل الله الأعمال ويثيب عليها أعظم الثواب ، وهذان الأصلان هما :
        الأول : أن يكون العمل خالصا لله تعالى وحده.
        والثــاني :أن يكون موافقا لعمل النبي صلى الله عليه وسلم .
        فإذا تخلف أحد هذين الشرطين كان العمل مردودا ، واقع صاحبه في الذنب العظيم ، وأقل أحواله أن عمله هذا مردود غير مقبول .
        قال الله تعالى : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } .
        سورة الملك ( آية رقم 2 ) .
        وقال الله تعالى : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } .
        سورة الكهف ( آية رقم 7 ) .
        وقال تعالى : { فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ره أحدا } .
        سورة الكهف ( آية رقم 110 ) .
        قال الإمام ( إسماعيل ابن كثير ) رحمه الله في تفسيره :
        (( وهو ما كان موافقا لشرع الله ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له ، وهذان ركنا العمل المتقبل ، لابد أن يكون خالصا لله ، صوابا على شريعة رسول الله ))
        تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( ج 5 ص 200 ) طبعة دار الشعب .
        ودين الإسلام مبني على ( التسليم والإنقياد ) الاستسلام لله بالعبادة ، والإنقياد له بالطاعة ، والتخلص من الشرك والفسوق والعصيان .
        فأعظم شيء أمر الله به هو : ( التوحيد ) .
        وأعظم شء نهى الله عنه هو : ( الشرك ) .
        قال الله تعالى
        (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ))
        سورة النساء ( آية رقم 48 ) .
        و قال الله تعالى
        (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ))
        سورة النساء ( آية رقم 116 ) .
        فيجب على المسلم وجوبا أن ( يبتعد عن الشرك وعن كل ما يسبب الشرك أيا كان ) ويستمسك بالعروة الوثقى وهي ( الكفر بكل ما يعبد من دون الله ، والإيمان بالله وحده ) فلا يتم الإيمان إلا بهما .
        ومن وقع في (( الشرك )) فعليه أن يبادر بالتوبة الصادقة النصوح إلى الله تعالى ، فباب التوبة مفتوح ، ولن يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ، أو تصل روحه إلى الغررة عند موته .

        وبعد هذه المقدمة المهــمة ، نشرع في ما قصدناه من البحث والتبيـان ، و إثبات القول ( الصحيح ) بالحجة الصحيحة والبرهان ، لكي يكون المسلم على بيـِّـنـة من دينه ، متبعا في ذلك نبـيَّـه - محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - .
        و نسأل الله تعالى أن يوفقنا للصواب ، واتباع السنة والكتاب ، وأن يجزل لنا ولأخواننا المتمسكين بدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الأجر والثواب .
        من المعلوم لدى ( اهل العلم وطلابه ) أن لفظ ( التوسل ) فيه ( إجمالٌ واشتباه ) يجب أن تـُعرف معانيه ، ويـُعـطى كل ذي حق حقه ، فيَعرف ما ورد به ( الكتاب والسنة ) من ذلك ومعناه ، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك ، ويعرف ما أحدثه ( المـُحدِثونَ ) في هذا اللفظ ومعناه ، فإن كثيرا من ( اضطراب الناس ) في هذا الباب هو بسبب : ماوقع من ( الإجمال والاشتراك ) في الألفاظ ومعانيها ، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب .
        انظر كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص 79 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير .
        ولهذا كان ينبغي علينا أن نعرف معنى لفظ ( التوسل ) حتى يتضح معناه ، و يزول الإشكال بفضل الله عمن تبع نبيه صلى الله عليه وسلم واهتدى بهداه ، وهذا ما سنبينه فيما يلي بإذن الله .
        المبـحــث الأول : بيان معنى لفظ ( التوسل و الوسيلة ) من حيث اللغة .
        اعلم أخي المسلم وفقني الله وإياك لما يحب ويرضى أن لفظ ( التوسل ) قد جاء في لغة العرب لعدة معاني قد بينها العلماء في ( مصنفاتهم ) وهذا ماسنبـينه الآن في هذا المبحث .
        قال الإمام ( أحمد بن فارس ) في ( معجم مقاييس اللغة ) : (( وسَـلَ : الواو و السيـن واللام كلمتان متبايـنـتـان جدا ، الأولى : الرغبة و الطلب ، يُـقال : وسَــلَ إذا رغب ، والواسلُ : الراغب إلى الله عز وجل ، وهو في قول لبيد :
        .... بلى كل ذي دين إلى الله واسلُ
        ومن ذلك القياس : الوسيلة ... )) أهـ
        انظر كتاب ( معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج 6 ص 110 ) تحقيق د / عبدالسلام محمد هارون .
        و قال الإمام ( مجد الدين مبارك بن الجزري ) في ( النهاية في غريب الحديث و الأثر ) : (( وسَـلَ : هي في الأصل : ما يـُـتوصلُ به إلى الشيء ويُـتـقرَّبُ به ، وجمعها : وسائل ، يُـقال : وسَـلَ إليه وسيلةً وتوسَّـل ، والمراد به في الحديث : القرب من الله تعالى ... )) أهـ
        انظر كتاب ( النهاية في غريب الحديث و الأثر ص 972 ) أشرف عليه وقدم له / علي بن حسن .
        قال الإمام ( أبو القاسم الراغب الأصفهاني ) في ( مفردات القرآن) : (( الوسيلة : التوصل إلى الشيء برغبةٍ وهي أخصُّ من الوصيلة ؛ لتضمنها لمعـنى الرغـبة. قال تعالى: { وابتغـُوا إليهِ الوَسـيلة } [المائدة/35] وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبـيله بالعـلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى ... )) أهـ
        انظر كتاب ( معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص 596 ) ضبطه وصححه / إبراهيم شمس الدين .
        قال الإمام ( الجوهري ) : (( الوسيلة : ما يُـتـقربُ به إلى الغـير ، والجمع الوُسُـل والوَسـَائل ، والتوسيل والتوسل واحد ، يقال : وسَّـل فلانٌ إلى ربه وسيلة و توسَّـل إليه بوسيلة : أي تقرب إليه بعـمل ... وقال : والواسلُ : الراغبُ إلى الله عز وجل ، وقال لبيد : )) أهـ
        أرى الناس لا يدرون ما قدرُ أمرهم ،، ،، بلى كل ذي رأي إلى الله واسِـلُ
        انظر كتاب ( الصحاح للجوهري ج 5 ص 137 ) تحقيق د / إميل بديع يعقوب – د / محمد نبيل طريفي .
        قال الإمام ( ابن منظور ) في ( لسان العرب ) : (( الوسيلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقــُربة ، و وسَـلَ فلانٌ إلى الله وسيلة : إذا عمل عملا تقرب به إليه ، والوَاسِـل : كالراغب إلى الله ، قال لبيد : )) أهـ
        أرى الناس لا يدرون ما قدرُ أمرهم ،، ،، بلى كل ذي رأي إلى الله واسِـلُ
        وتو سلَ إليه بوسيلة : إذا تقرَّبَ إليه بعمل ... )) أهـ
        انظر كتاب ( لسان اللسان تهذيب لسان العرب ج 2 ص 736 ) إشراف / عبدأ على مهنا .
        و قال الإمام ( الفيروز أبادي ) في ( القاموس المحيط ) : (( الوسِـيلـَـةُ والواسِلـَـةُ : المَـنــزِلـَـةُ عـند المَـلِكِ، والدَّرَجَةُ، والقـُربَـةُ ، وَوَسَّـلَ إلى الله تعالى توسيلاً: عَمِـلَ عَمَـلاً تـَـقــَـرَّبَ به إليه ، كتـَوَسَّـلَ ، والواسِلُ: الواجـِبُ، والراغِـبُ إلى الله تعالى ... )) أهـ
        انظر كتاب ( القاموس المحيط ج 2 ص 1409 ) إعداد وتقديم / محمد عبدالرحمن المرعشلي .
        قال الإمام ( ابن جرير الطبري ) في ( تفسيره جامع البيان ) عند قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } سورة المائدة آية 35 (( يقول : اطلبوا إليه القربة بالعمل بما يرضيه ، والوسيلة هي : الفعيلة ، من قول القائل : توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه . ومنه قول عنـترة :
        إنَّ الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ ،، ،، أن يأخذوكِ تكحَّـلي وتخضَّبي
        وقال الآخر :
        إذا غفلَ الواشونَ عُدنا لوصلنا ،، ،، وعاد التصافي بيننا والوسائلُ
        ثم قال ابن جرير : (( وبنحوا الذي قلنا قال أهل التأويل )) أهـ
        وذكر عن أئمة التابعين مثلما قال ، وذكر عن بعض العلماء تفسيرها بالمحبة .
        انظر كتاب ( جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري ج 10 ص 290 ) .
        قال ( ابن الجوزي ) في ( تفسيره زاد المسير ) : (( في الوسيلةِ قولان : أحدها : أنها القـُربة ، قاله ابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد ، والفراء ، وقال قتادة : تقربوا إليه بما يرضيه . قال أبو عُبـيدة : ( يقال : توسلت إليه ، أي : تقربت إليه . وأنشد :
        إذا غفلَ الواشونَ عُدنا لوصلنا ،، ،، وعاد التصافي بيننا والوسائلُ
        والثاني : المحبة ، يقول : تحببوا إلى الله ، هذا قول ابن زيد )) أهـ
        انظر كتاب ( زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ج 2 ص 38 ) .
        قالت قتيلة بنت النضر:
        والنـَّصرُ أقربهم إليك وسيلة ٌ ،، ،، وأحقهم إن كان عِتقُ عتيق
        وقال النبهاني الطائي :
        ولما عصينا بالسيوفِ تقطـَّعت ،، ،، وسائلُ كانت قبلُ سِلماً حِـبالـُها
        وقال أبو الطيب المتـنبي :
        ألا ليسَت الحاجاتُ إلا نفوسُـكم ،، ،، وليسَ لنا إلا السُّيوفُ وسائلُ
        وقال أبو طالب :
        ألا ليست الحاجاتُ إلا نفوسُـكم ،، ،، وليسَ لنا إلا السُّيوفُ وسائلُ
        قال الإمام العلامة المجتهد ( محمد الأمين الشنقيطي ) في تفسيره عند قوله تعالى :
        { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ألاية
        سورة المائدة آية 35
        (( اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد( بالوسيلة ) هاهنا هو : القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك لله تعالى ؛ لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى ، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة . وأصل ( الوسيلة ) : الطريق التي تقربُ إلى الشيء وتـُوصِـلُ إليه ، وهي : العمل الصالح بإجماع العلماء ؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم )) . أهـ
        و قال أيضا :
        (( وروىَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالوسيلة : الحاجة ، ولما سأله نافع بن الأزرق : هل تعرف العرب ذلك ؟ أنشد له بيت عنترة :
        إنَّ الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ ،، ،، أن يأخذوكِ تكحَّـلي وتخضَّبي
        قال : يعني له إليك حاجة ، وعلى هذا القول الذي روىَ عن ابن عباس فالمعنى : { وابتغوا إليه الوسيلة } : واطلبوا حاجاتكم من الله ؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها ... )) . أهـ
        وقال أيضا : (( والظاهر أن ( الوسيلة ) في بيت عنترة معناها أيضا : التقرب إلى المحبوب ؛ لأنه وسيلة لنيل المقصود منه ؛ ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير ، والقرطبي ، وغيرهما لهذا المعنى الذي ذكرنا... )) . أهـ
        انظر كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي ج 2 ص 97 - 98 ) .
        ويتبـين لنا مما تقدم من كلام العرب ، وكلام أئمة الدين رحمهم الله تعالى أن ( الوسيلة ) تدور على أمور محددة وهي :
        الـقـربـة
        الـمـحـبـة
        الـرغـبـة
        الحـاجــة
        الـدرجــة
        وتبين أيضا أن التوسل إلى الله تعالى هو : (( التقرب إليه بالأعمال الصالحة ، والقـُرب المشروعة )) .
        وعليه فإن مناداة الأموات ، واستغاثتهم ، وسؤال الله تعالى بهم ليس مما شرعه الله تعالى ، بل هو مخالف لدين الإسلام ومُوقعٌ في الشرك والكفر والضلال والعياذ بالله تعالى ، وسيتبين ذلك أكثر إن شاء اللهُ تعالى في المباحث التي سأذكرها قريبا ، والله الموفق .
        قد عرفنا في المبحث السابق ولله الحمد ما يدل عليه لفظ ( التوسل ) من المعاني الصحيحة ، و التي تنافي :
        التوسل بذوات الأنبياء و الصالحين
        و تنافي كذلك :
        التوسل بجاه الأنبياء و الصالحين
        سواء كان ذلك في حياتهم أو بعد مماتهم ، كما سيتبين ذلك جليا واضحا في المباحث التالية إن شاء الله تعالى .
        و نبدأ في الكلام على هذه المسألة :
        الـمـبـحث الثــاني : التوسل المشروع وبيان أنواعه .
        من المقـرر شرعا : أن العبادة منبية على ( الانقياد و الاتباع ) لا على ( الإحـداث و الابــتـداع ) فليس لأحد أن يشرع عبادة من عند نفسه .
        قال الله تعالى : { أم لهم شركـــؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله و لولا كلمة الفصل لقـُـضيَ بينهم وإن الظـــلمين لهم عذاب أليم }
        سورة الشورى الآية رقم ( 21 ) .
        ومن المقرر أيضا أن (( الـدعاء )) من أعظم أنواع العبادة التي شرعها الله تعالى .
        قال الله تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }
        سورة غافر الآية رقم ( 60 ) .
        و قال تعالى : { و إذا سألك عبادي عني فإني قريـــب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }
        سورة البقرة الآية رقم ( 187 ) .
        فمن صرف هذه العبادة لغير الله تعالى فقد (( كفرَ كـُـفراً مُخرجا من الملة )) وإن صلى وصام و زعم أنه مسلم .
        قال الله تعالى : { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القـيـمة وهـم عن دعائهم غافلون }
        سورة الأحقاف الآية رقم ( 5 ) .
        والله جل وعلا قد شرع لنا أنواعا من (( التوسـلات المشروعة )) العظيمة ، والتي تكـَفـَّـلَ الله بإجابة الداعي بها إذا توفرت شروط الدعاء الأخرى ، والتي منها (( الإخلاص لله تعالى ، و اتباع أوامر الله تعالى وا جتناب نواهيه ، وعدم الإستعجال في الدعاء ، وعدم الاعتداء في الدعاء ...)) وغيرها .
        ومن خلال تـتبعـنـا لكتاب الله جل و علا ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن هناك (( ثلاثة من أنواع التوسل )) التي شرعها الله تعالى وأمر بها ، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهي كالتالي :
        الـنــوع الأول : التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه الحسـنى ، وصفاته الـعـُـلا .
        وهذا هو أجل و أعظم أنواع (( التوسل المشروع )) و هذا هو الذي أمر الله تعالى به كما في قوله تعالى : { و لله الأسماء الحُـسنى فادعوه بهـا ... } الآية
        سورة الأعراف الآية رقم ( 180 ) .
        ولهذ (( النوع العظيم )) من التوسل المشروع أدلة كثيرة من الكتاب والسنة ، بل إن أكثر الأدلة الشرعية تدل عليه ، وتأمر به وتـُرشدُ إليه .
        فالدعاء (( بإسم من أسماء الله جل و علا )) مثل أن تقول : (( اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الرحمن الرحيم اللطيف الوهاب ... )) ونحوها من أسماء الله تعالى .
        ومن الأدلة الواردة في (( الدعاء بإسم من أسماء الله جل و علا )) ما يلي :
        قوله تعالى عن ( آدم و حواء عليهما السلام ) : { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين } .
        سورة الأعراف الآية رقم ( 23 ) .
        و قوله تعالى عن ( نوح عليه السلام ) : { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين و المؤمنات ... } الآية .
        سورة نوح الآية رقم ( 28 ) .
        و قوله تعالى عن ( إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام ) : { ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريـتـنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم } .
        سورة البقرة الآية رقم ( 128 ) .
        و قوله تعالى عن ( موسى عليه السلام ) : { قال ربِّ اشرح لي صدري ، و يسر لي أمري ، و احلل عـُـقـدة من لساني ، يفقـهوا قولي } .
        سورة طه الآيات من ( 25 - 28 ) .
        و قوله تعالى عن ( طالوت و جنوده ) : { ... ربنا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين } .
        سورة البقرة الآية رقم ( 128 ) .
        و قوله تعالى عن ( أيوب عليه السلام ) : { و أيوبَ إذ نادى ربَّـهُ أني مسَّـنيَ الضـُّـرُ و أنت أرحمُ الراحمين } .
        سورة الأنبياء الآية رقم ( 83 ) .
        و قوله تعالى عن ( يونس عليه السلام ) : { ... فنادى في الظلمتِ ألا إلهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إني كنتُ من الظلمــين } .
        سورة الأنبياء الآية رقم ( 87 ) .
        و قوله تعالى عن ( زكريا عليه السلام ) : { و زكريا إذ نادى ربهُ ربِّ لا تذرني فرداً و أنتَ خيرُ الوارثين } .
        سورة الأنبياء الآية رقم ( 89 ) .
        و قوله تعالى عن ( آسية عليها السلام امرأة فرعون ) : { ... إذ قالت ربِّ ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون و عمله و نجني من القوم الظــلمين } .
        سورة التحريم الآية رقم ( 11 ) .
        و قوله تعالى عن ( صفات عبادهِ المؤمنين ) : { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } .
        سورة الفرقان الآية رقم ( 65 ) .
        [و قوله تعالى أيضا عنهم : { والذين يقولونَ ربنا هب لنا من أزواجنا وذريـتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماما } .
        سورة الفرقان الآية رقم ( 74 ) .
        وأمَّـأ الأدلة الواردة في (( الدعاء بصفة من صفات الله جل و علا )) فهي ما يلي :
        قوله تعالى عن ( سليمان عليه السلام ) : { ... وأدخلني برحمتك في عبادك الصـــلحين } .
        سورة النمل الآية رقم ( 19 ) .
        و قوله تعالى عن ( قوم موسى عليه السلام ) : { ونجنا برحمتك من القوم الكــفرين } .
        سورة يونس الآية رقم ( 86 ) .
        يتابع

        تعليق

        • ابوحذيفة
          عضو متميز

          • Jan 2004
          • 1712

          #5
          الرد: دعوة غير الله والتكفير الوهابي

          و من السنة قوله صلى الله عليه وسلم ( كما رواه عمار بن ياسر رضي الله عنه ) : { اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، و توفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ... } الحديث .
          رواه النسائي : كتاب السهو : باب نوع آخر ( رقم الحديث 1307 - 1308 ) واللفظ له .
          و الحاكم في المستدرك : كتاب الدعاء والتكبير و التهليل والتسبيح والذكر ( رقم الحديث 1923 ) .
          و الإمام أحمد في مسنده ( ج 4 ص 264 ) .
          و البيهقي في الدعاء : باب القول بعد التشهد ( رقم الحديث 624 - 625 ) .
          و قوله صلى الله عليه وسلم ( حينما سمع رجلا يقول في تشهده ) : { اللهم إني أسألك يا ألله بأنك الواحد ا لأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي ، إنك أنت الفغور الرحيم } فقال صلى الله عليه وسلم : { قد غـُـفر له ، ثلاثا } .
          رواه أبو داود : كتاب الصلاة : باب ما يقول بعد التشهد ( رقم الحديث 985 ) .
          و النسائي : كتاب السهو : باب الدعاء بعد الذكر ( رقم الحديث 1300 ) واللفظ له .
          و الإمام أحمد في مسنده ( ج 4 ص 338 ) .
          و البيهقي في الدعاء : باب القول بعد التشهد ( رقم الحديث 616 ) .
          و سمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا آخر يقول في تشهده : { اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان ، يابديع السموات و الأرض ، ياذا الجلال و الإكرام ، ياحي يا قيوم إني أسألك الجنة و أعوذ بك من النار} فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : { تدرون بما دعا ؟ } . قالوا : الله و رسوله أعلم قال : { والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى } .
          رواه النسائي : كتاب السهو : باب الدعاء بعد الذكر ( رقم الحديث 1299 ) واللفظ له .
          و أبو داود : كتاب الصلاة : باب الدعاء ( رقم الحديث 1495 ) .
          ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في ( حديث الاستخارة ) : { اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تعلم ولا أعلم ، وتقدر ولا أقدر ، وأنت علام الغيوب ... } الحديث .
          رواه البخاري : كتاب التهجد : باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى ( رقم الحديث 1163 ) .
          و أبو داود : كتاب الصلاة : باب الاستخارة ( رقم الحديث 1538 ) .
          و الترمذي : كتاب الصلاة : باب ما جاء في الاستخارة( رقم الحديث 480 ) .
          و النسائي : كتاب النكاح : باب كيف الاستخارة ( رقم الحديث 3255 ) .
          و ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة : باب ما جاء في صلاة الاستخارة ( رقم الحديث 1383 ) .
          و الإمام أحمد في مسنده : ( ج 3 ص 344 ) .
          ومنها حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال : { يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث } .
          رواه الترمذي : كتاب الدعوات : باب رقم 40 ( رقم الحديث 3432 ) .
          و ابن السني في عمل اليوم و الليلة : باب ما يقول إذا حزبه أمر ( رقم الحديث 337 ) .
          و الحاكم في مستدركه : كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر ( رقم الحديث 1875 ) عن ابن مسعود رضي الله عنه .
          فهذه الآيات العظيمة ، والأحاديث الشريفة ، تبين مشروعية التوسل إلى الله تعالى (( بأسمائه الحسنى و صفاته العلا )) وأن ذلك مما (( يحبه الله تعالى ويرضاه )) وأنه أعظم و أجل أنواع التوسل إلى الله تعالى .
          و مع هذا نجد أن بعض الناس إلى الآن مازال يترك هذا (( النوع العظيم من التوسل المشروع )) ويتمسك بتوسلات غير مشروعة ، كالتوسل بالأموات ، والاستغاثة بهم ، وطلب الحاجات منهم ، نعوذ بالله من ذلك .
          النوع الثاني من أنواع (( التوسل المشروع )) (( التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي عملها الداعي ))
          مثل أن يقول :
          اللهم إني أسألك بإيماني بك ، ومحبتي لك ، واتباعي لرسولك صلى الله عليه وسلم...
          اللهم إني أسألك بحبي لنبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وإيماني به أن تفرجي عني ...
          و منه : أن يدعوا الداعي بأي عمل صالح عمله ، تضمن الخوف من الله تعالى ، و صدق التقوى و الطاعة .
          والأدلة على مشروعية هذا التوسل ما يلي :
          من القرآن الكريم :
          قوله تعالى : { الذينَ يقولونَ ربَّـنا إنـَّنا آمنـَّا فـَاغفِـر لنَا ذنوبَنا وقِنا عَـذابَ النـَّار }
          سورة آل عمران آية ( 16 ) .
          و قوله تعالى : { ربَّنا آمنـَّا بمَا أنزلتَ و اتـَّبَعنا الرَّسولَ فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين }
          سورة آل عمران آية ( 53 ) .
          و قوله تعالى : { ربَّنا إنـَّنا سَمِعنا مُناديا يُنادي للإيمان أن آمنوا برَبكم فآمنـَّا ربَّنا فاغفِـر لنا ذنوبَنا وكـفـِّـر عَـنـَّا سَيئاتِنا وتوَفنا مَع الأبرَار ( 193 ) ربَّنا و اءتِنا مَا وَعَدتنا على رُسُـلِك ولا تـُخزنا يَومَ القِـيـمة إنك لا تـُخلف الميعَـاد ( 194 ) }
          سورة آل عمران من الآية ( 193 - 194 ) .
          و قوله تعالى : { إنـَّهُ كانَ فـَريقٌ مِـن عِـبادي يَقولونَ ربَّنا آمَنـَّا فاغفِـر لنـَا و ارحَمنا وأنتَ خَيرُ الرَّاحِمين }
          سورة المؤمنون الآية ( 109 ) .
          من السنة النبوية المطهرة :
          ما رواه بُريدة بن الحُصيب رضي الله عنه قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : { اللهمَّ إني أسألك بأني أشهدُ أنك أنت اللهُ لا إلهَ إلا أنت ، الأحدُ الصمدُ الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد } فقال صلى الله عليه وسلم : { قد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب }
          رواه أبو داود : كتاب الصلاة : باب الدعاء ( رقم الحديث 1493 ) .
          و الترمذي : كتاب الدعوات : با ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رقم الحديث 3475 ) وقال : حديث حسن غريب .
          و ابن ماجه : كتاب الدعاء : باب اسم الله الأعظم ( رقم الحديث 3857 ) .
          و الإمام أحمد في مسنده ( 5 / 360 ) .
          و ابن حبان في صحيحه كما في موارد الضمآن ( رقم 2383 ) .
          و الحاكم في مستدركه ( 1 / 504 ) .
          و ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم ، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم ، فقال رجل منهم : اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فناء بي في طلب شيء يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت و القدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر ، فاستيقظا فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { وقال الآخر : اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي ، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني ، حتى ألمت بها سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها عشرين و مائة دينار على أن تخلي بيني و بين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فتحرجت من الوقوع عليها ، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي و تركت الذهب الذي أعطيتها ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { و قال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال : يا عبد الله أد إلي أجري ، فقلت له : كل ما ترى من أجرك ، من الإبل و البقر و الغنم و الرقيق ، فقال : يا عبد الله لا تستهزئ بي ، فقلت : إني لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا ، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون } .
          رواه البخاري : كتاب البيوع : باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فـَرَضيَ ( رقم الحديث 2215 ) .
          و مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة و الاستغفار : باب قصة أصحاب الغار الثلاثة ، والتوسل بصالح الأعمال ( رقم الحديث 2743 ) .
          فهؤلاء الثلاثة توسلوا إلى الله تعالى (( بصالح أعمالهم )) حينما وقعوا في (( كربٍ عظيم جدا )) وفي ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم هذه القصة لأمته فوائد عظيمة منها : جاءت في (( سياق المدح لهم و التقرير لتوسلهم بأعمالهم الصالحه )) وإرشادا و تعليما لأمته
          أولا : مدحهم والثناء عليهم في (( لجوئهم إلى الله وحده )) دون من سواه .
          ثانيا : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم في (( دعائهم و توسلهم بأعمالهم الصالحة )) كما مر معنا .
          ثالثا : إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لأمته و تعليمه لهم نوع من أنواع (( التوسل المشروع )) الذي يحبه الله ويرضاه .
          ولذلك كان هذا (( التوسل المشروع )) من العبادات والتوسلات التي يحبها الله تعالى ، والتي تخالف ما يفعله بعض الناس من (( التوسل بذوات الصالحين أو جاههم )) أو الاستغاث بهم من دون الله تعالى .
          النوع الثالث من أنواع - التوسل المشروع - : التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح .
          وذلك مثل :
          أن يقع المسلم في (( ضيق شديد )) أو تحل به (( مصيبة كبيرة )) و يعلم من نفسه (( التقصير في طاعة الله تعالى )) فيُحبَّ أن يأخذ بسبب ( قوي شرعي صحيح ) فيذهب إلى أحد أهل العلم و الإيمان و الصلاح فيطلب منه (( الدعاء )) له بالشفاء ، أو العافية ، أو المغفرة ، أو كشف الضر ، وتفريج الكرب ، ونحوه من (( الدعاء المقبول ، والتوسل المشروع )) وهذا له أدلة ( شرعية كثيرة ) نأخذ شيئا منها ، ونبين وجه الشاهد فيها .
          ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال : { أصاب الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطـُب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال : يا رسول هلك المال ، وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقيَـنا فادع الله لنا ، قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما في السماء قـَزَعـَة ، قال : فثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رايت المطر يتحادر على لحيته ، قال : فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد ، ومن بعد الغد ، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى ، فقام ذلك الأعرابي أو رجلٌ غيره فقال : يا رسول الله تهدم البناء ، وغرق المال فادع الله لنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : { اللهم حوالينا ولا علينا } قال : فما جعل يُشيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجَوْبـَةِ حتى سال الوادي ، وادي قناة شهرا ، قال : فلم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا حدَّث بالجَوْدِ } .
          رواه البخاري : كتاب الاستسقاء : باب من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته ( رقم الحديث 1033 ) .
          وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : { أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، ثم قال : اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قـَزَعةٍ ، وما بيننا وبين سَلع من بيت ولا دار ، قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة و رسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام و الظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال : فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس }
          رواه البخاري : كتاب الاستسقاء : باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة ( رقم الحديث 1014 ) .
          و مسلم : كتاب الاستسقاء : باب الدعاء في الاستسقاء ( رقم الحديث 897 ) .
          قال الإمام القدوة ( شيخ الاسلام ابن تيمية ) رحمه الله : (( وكذلك ثبت في الصحيح عن ( ابن عمر و أنس ) و غيرهما : أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم و استسقائه ، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه كان في حياته صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى بمخلوق ، لا به ولا بغيره ، لا في استسقاء ولا غيره ... )) أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 118 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          وهذا هو الذي كان يفعله الصحابة الكرام في ( استسقائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ) وهو أن يطلبوا منه الدعاء كما مر معنا في حديث ( أنس ) رضي الله عنه ، ولذلك استحب الفقهاء و العلماء أن ( يُطلب من أهل الإيمان والصلاح ) الدعاء للناس في الاستسقاء ، وهذا لاحرج فيه أبدا .
          و من ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه : { أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى ( بالعباس بن عبدالمطلب ) فقال : ( اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، و إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا } .
          رواه البخاري : كتاب الاستسقاء : باب سؤال الناس الإمامَ الاستسقاء إذا قحطوا ( رقم الحديث 1010 ) . و كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : باب ذكر العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه ( رقم الحديث 3710 ) .
          و في رواية أنه قال : { اللهم إنا كنا نستسقي بنبيـنا صلى الله عليه وسلم ، و هذا عم نبيك صلى الله عليه وسلم فاسقنا ، قال فسُقوا } .
          رواها البيهقي : كتاب الدعاء : باب ما ينبغي للإمامَ من استحضار الصالحين عند الاستسقاء ( ص 300 رقم 965 ) .
          و في رواية أنه قال : { اللهم كنا إذا قحطنا على عهد نبيـنا توسلنا بنبيـنا ، و إنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا ، فسُقوا } .
          رواها أبو نعيم : كتاب دلائل النبوة : الفصل الثامن والعشرون : ما وقع من الآيات بوفاته صلى الله عليه وسلم ( ص 567 رقم 511 ) .
          وقد ثبت أنهم توسلوا بدعاء العباس رضي الله عنه ، كما كانوا يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر ( الزبير بن بكار ) في الأنساب صفة دعاء العباس رضي الله عنه وهو : { اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ، ولم يكشف إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك ، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ، ونواصينا إليك بالتوبة ، فاسقنا الغيث ، قال : فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض ، وعاش الناس } .
          ذكرها الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ج 3 ص 150 ) .
          قال الإمام القدوة ( شيخ الاسلام ابن تيمية ) رحمه الله : (( ودعاء أمير المؤمنين ( عمر بن الخطاب ) في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين و الأنصار ... يدل على أن ( التوسل المشروع عندهم ) هو التوسل بدعائه و شفاعته لا السؤال بذاته ؛ إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل ( عمر و المهاجرون و الأنصار ) عن السؤال بالسول صلى الله عليه وسلم إلى السؤال بالعباس ... )) أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 115 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          و قال أيضا رحمه الله : (( والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرا في سائر أحاديث الاستسقاء وهو من جنس الاستشفاع به وهو : أن يطلب منه الدعاء و الشفاعة ، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته ... ولهذا قال العلماء : يستحب أن يُستسقى بأهل الدين و الصلاح ، و إذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن ، وهذا الاستشفاع و التوسل حقيقته ( التوسل بدعائه ) ... )) أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 246 - 247 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          و قال أيضا رحمه الله : (( فلو كان السؤال به معروفا - أي السؤال بذات النبي صلى الله عليه وسلم - عند الصحابة لقالوا لعُمر : إن السؤال به أولى من السؤال بالعباس ... )) أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 118 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          ويدل أيضا على ان توسلهم كان بدعائه ، ما رواه ( الإسماعيلي ) في ( مستخرجه على الصحيح ) لهذا الحديث بلفظ : (( كانوا إذا قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا به ، فيستسقي لهم ، فيُسقون ، فلما كان في إمارة عُمر ... )) إلى آخر الأثر .
          ذكر هذه الرواية الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ج 2 ص 399 ) .
          و هذا الذي فعله ( عمر رضي الله عنه ) فعل مثله ( معاوية رضي الله عنه ) بحضرة من معه من الصحابة و التابعين .
          فعن ( سليم بن عامر الخبائري ) : (( أن السماء قحطت ، فخرج معاوية بن أبي سفيان و أهل دمشق يستسقون ، فلما قعد ( معاوية ) على المنبر قال : أين ( يزيد بن الأسود الجُرشي ؟ ) فناداه الناس ، فأقبل يتخطى الناس ، فأمره ( معاوية ) فصعد المنبر ، فقعد عند رجليه ، فقال ( معاوية ) : اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا و أفضلنا ، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي ، يا يزيد . إرفع يديك إلى الله ، فرفع يديه ، ورفع الناس أيديهم فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترسٌ ، وهبَّت لها ريحٌ ، فسقتـنا حتى كاد الناس لا يبلغوا منازلهم )) .
          و كذلك فعل ( الضحاك بن قيس الفهري ) حين خرج يستسقي بالناس فقال ليزيد بن الأسود : (( قم يا بكاء ، فما دعا إلا ثلاثا حتى أمطروا مطرا كادوا يغرقون منه )) .
          رواهما أبو زرعة الدمشقي في تاريخه : ( 1 / 602 رقم 1703 - 1704 ) .
          و رواهما أبن عساكر في تاريخه : ( 18 / 151 / 1 ) بسندين صحيحين .
          و رواهما الفسوي في كتابه ( المعرفة والتاريخ ) ( 2 / 380 - 381 ) .
          و روى ( قصة معاوية ) الحافظ ابن سعد في الطبقات ( 7 / 444 ) .
          وعزاها الحافظ في ( الإصابة 3 / 634 ) إلى أبي زرعة و يعقوب بن سفيان في تاريخيهما .
          قال الإمام القدوة ( شيخ الاسلام ابن تيمية ) رحمه الله : (( وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي و أحمد وغيرهم : أنه يتوسل في الاستسقاء ( بدعاء أهل الخير و الصلاح ) قالوا : و إن كان من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل ، اقتداءً بعمر ، ولم يقل أحد من أهل العلم : إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي )) . أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 119 - 120 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          و قال أيضا رحمه الله : (( فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته ، مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء ، أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم فليس هذا مشهورا عند الصحابة و التابعين ، بل عمر بن الخطاب و معاوية بن أبي سفيان ، ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا )) أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 118 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          و من هذا النوع من ( التوسل المشروع ) التوسل ( بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته ) لا بذاته صلى الله عليه وسلم .
          و من ذلك ما رواه عثمان بن حنيف رضي الله عنه : { أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه فقال : ادع الله أن يعافيني فقال : إن شئت دعوتُ ، وإن شئت صبرت فهو خيرٌ لك ، قال : فادعه ، قال : فأمره أن يتوضأ فيُحسن وضوءَهُ ويدعوا بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمدٍ نبي الرحمة ، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتـُقضى لي ، اللهم فشفعه فيَّ } .
          رواه الإمام أحمد في مسنده ( 4 / 138 رقم 17209 ) .
          و الترمذي : كتاب الدعوات : باب رقم 119 ( رقم الحديث 3578 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي .
          و ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها : باب باب ما جاء في صلاة الحاجة ( رقم الحديث 1385 ) .
          و النسائي في السنن الكبرى : كتاب عمل اليوم والليلة : ذكر حديث عثمان بن حنيف ( رقم 10495 ) .
          و في رواية : { اللهم فشفعه فيَّ وشفعني فيه } .
          رواها الحاكم في مستدركه : كتاب صلاة التطوع : ( ج 1 ص 313 رقم 1180 ) وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقال الذهبي : على شرطهما .
          و في كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر : ( ج 1 ص 519 رقم 1909 ) وقال : صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي : صحيح .
          و البيهقي في دلائل النبوة : باب ما في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه ، وما ظهر من ذلك من آثار النبوة ( 6 / 166 - 168 ).
          و في رواية : { اللهم شفعه في وشفعني في نفسي } .
          رواها النسائي في السنن الكبرى : كتاب عمل اليوم والليلة : ذكر حديث عثمان بن حنيف ( رقم 10494 - 10496 ) .
          و في رواية : { و تشفعني فيه و تشفعه في } .
          رواها الإمام أحمد في مسنده ( 4 / 138 رقم 17211 ) .
          فقول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : { ادع الله أن يعافيني } .
          وقول الرسول صلى الله عليه وسلم له : { إن شئت دعوتُ لك ... } .
          وقوله للرسول صلى الله عليه وسلم : { فادعه } .
          ودعاء الرجل اللهَ تعالى أن { يشفعه فيه } بعد أن طلب منه الدعاء .
          كل هذا دليل على أنه إنما توسل ( بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا بذاته ) كما هو واضح جدا من الحديث ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه للرجل ( شافعا له ) عند الله لكي يشفيه من العمى ، ولو لم يدعُ النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل لم يكن شافعا له ، كما هو معلوم .
          قال الإمام القدوة ( شيخ الإسلام ابن تيمية ) رحمه الله : (( فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به في حياته : لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ؟ ونعدلُ عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل عند الله ؟ فلما لم يقل ذلك أحدٌ منهم ، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا ( بدعائه وشفاعته ) وبعد مماته توسلوا ( بدعاء غيره وشفاعة غيره ) عُلم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته ، وحديث الأعمى حجة ( لعمر وعامة الصحابة ) رضوان الله عليهم أجمعين ، فإنه إنما أمرَ الأعمى أن يتوسل إلى الله ( بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لا بذاته ) وقال له في الدعاء : ( اللهم شفعه فيَّ ) . أهـ
          كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ( ص 210 - 211 ) تحقيق د / ربيع بن هادي بن عمير
          فعلم بهذا ولله الحمد و المنة أن التوسل لا يكون بذات أحد من الأنبياء والصالحين ، وإنما يكون ( بدعائهم في حياتهم ) وهذا هو نوع من أنواع ( التوسل المشروع ) الذي يحبه الله ويرضاه ، والذي دل عليه كثير من الأحاديث النبوية الشريفة كحديث ( الأعمى ) وغيره .






          تعليق

          مواضيع مرتبطة

          Collapse

          جاري العمل...