يستطيع كل واحد منا أن يتسلق لأعلى القمم ويبذل مجهوداًً في ذلك لكنه لا يستطيع العيش طويلا فوق هذه القمم أو بداخل كهوفها. فالصداقة تشبه إلي حد كبير هذا الوصف ممكن أن تزامل شخص وتنجح في أن تكون صاحبه لكن هل تستطيع السكنى بداخل قلبه وإلي الأبد ..
الصداقة قيمة إنسانية أخلاقية ودينية عظيمة سامية المعاني والجمال كبيرة الشأن بها تسمو الحياة وترتقي وبدونها تنحدر ، فالصداقة من الصدق ، والصدق عكس الكذب. والصديق هو من صدقك وعدو عدوك.
والجلوس منفردا دون صديق عقوبة جسمية ونفسية قاسية تمارسها السلطات على المخالف للقانون فمن الأخطاء في حياة الفرد منا أن البعض قد يتخوف من تكوين الصداقات ، فيؤثر الوحدة في الحياة على الصداقة مع الناس ، وبعض الناس على العكس من ذلك، إذ يتخذ من عملية الصداقة بحد ذاتها هواية ، فيكثر من الأصدقاء دون أي حساب، وكلا الطريقين خاطئ لكن المهم في الصداقة الإجابة على أننا كيف نختار أصدقائنا ؟
إن شروط الصداقة والعلاقات المثالية التي تصلح لكل عصر وزمان وتستمر بل تدوم ما قاله الإمام جعفر الصادق عليه السلام (لا تكون الصداقة إلا بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة، ومن لم يكن فيه شيء منها، فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة:فأولها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة.والثانية: أن يرى زينك زينه و شينك شينه. والثالثة: إن لا تغيره عليك ولاية ولا مال)
وإذا تمسكنا بآداب الصحبة واحترمناها دامت ولم تحدث الفرقة.
ومن اهم هذه الاداب أن تكون الصداقة والإخوة واحدة ( قل لي من صديقك اقل لك من أنت ), وان نختار أصدقاء راجحي العقول , وان يعمل الصديق على : أن يستر العيوب ولا يعمل على بثها ويكون ناصح لصديقه ويقبل نصيحة الأخر, وان يتحلى بالصبر ويسال إن غاب عنه, ويعاوده في مرضه ويشاركه فرحه, ونشر محاسن صديقه , والصديق وقت الضيق , وان لا يكثر اللوم والعتاب , ويقبل اعتذار صديقه, وينسى زلاته وهفواته, ويقضي حوائجه , وان يشجعه دائما على العمل والنجاح والتفوق 0 والتحلي بمكارم الأخلاق والقيم لتكون الصداقة دائمة قوية راسخة لا تهزها أول مشكلة أو تداخلات مادية لعصر لا يفكر أو يقيم إلا بها 0والنتيجة يكون ( الصدق, و النبل, الأصالة, و العراقة, والأخلاق و الحب وكل قيم فاضلة ) فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)
ويكفي لإثبات ضرورة الصداقة، أن الله العظيم قد اتخذ لنفسه خليلاً، وهو النبي إبراهيم عليه السلام حيث يقول تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا ) و بالإضافة إلى ما يوفره الأصدقاء في الحياة وعلى وجه الأرض فهم سلالم المجد للإنسان أحياناً، وإن الحياة الحقيقية هي أن يعيش الإنسان مع جماعة ويشاركهم أتراحهموأفراحهم؛ فإن أكبر عقوبة يواجهها الإنسان هي عقوبة السجن الانفرادي ، فالأصدقاء ينفعوننا في الدنيا حيث يقضون حوائجنا، ويساعدوننا في أزماتنا ومشاكلنا، أما في الآخرة فهم يشفعون لنا، فلو أن رجلاً كان في الدنيا صديقاً لأربعين مؤمناً، أليست شهادة هؤلاء على صلاحه تنفعه يوم القيامة، أو على الأقل تخفف عنه العذاب؟!.
وللصداقة أهمية كبيرة من الناحية النفسية للإنسان، مثل الشعور بالحب والمشاركة الوجدانية، والإفصاح عن الذات وعن بعض المشاكل والهموم، وتلقي المساعدة في الشدة، والاكتساب والتنمية، وإعداد الشخص لمواجهة المجتمع ، هذا بالإضافة إلى المرح والترفيه وإدخال السعادة والبهجة على الصديق، والمشاركة في الميول والهوايات.
وبعد كل ما تقدم، لا يبقى هناك مجال للشك، حول أهمية وضرورة الصداقة في حياة كل فرد في المجتمع، والتي أكد عليها الإسلام واعتبرها قضية مقدسة؛ فلا توجد بعد العبادات والإيمان، أفضل من اكتساب أخ مؤمن وصديق صالح، كما يقول الحديث الشريف: (لا يقدم المؤمن على الله بعمل يوم القيامة - بعد الفرائض - أحب إلى الله من أن يسع الناس بخلقه).
فالصداقة تغذي الأخلاق، وتستثمر المبادئ ، والأصدقاء كنوز، يجب البحث عنهم، وتحمل التعب من أجل اكتشافهم، حتى لا يختلط علينا الحجر والجوهر، فننتقي الأحجار ظناً منا أنها الجواهر.






تعليق