- السبت واحد، السبت واحد.
- نحن أكثر من ستة، متوجهون إلا الاثنين هل من طاكسي يحملنا؟
- أعرف، انتظروا هناك، سابحث عمن يغامر معكم.
يمعن في تعذيبهم، لا يريد أن يتوقف، يسقط من يسقط وتتعفر الوجوه بالتراب. وينهض من يستطيع ويتابع اللحاق بالسيارة الهاربة. تتوقف أخيرا، فيحتل الجميع كل المقاعد.
- هل تذهب إلى الاثنين؟
- لا، أنا ذاهب إلى السبت.
ينزل الجميع من جديد ويبتعدون عن السيارة، يراقبون من بعيد وهم لا يصدقون.
- مالكم لا تذهبون إلى الاثنين رغم وجود المسافرين؟
- الطريق كلها حفر. وفي الرجوع لا نجد من يساعدنا حتى على ثمن البنزين.
تتوالى أسماء الأيام والأماكن. يختلط المكان بالزمان. ويختصر المكان بأناسه ومنازله وحوانيته في الزمان. تحول الناس إلى مجرد أرقام، كأنه المحشر. غبار السوق يزيد الجو اختناقا. وحرارة الشمس تشوي الوجوه. والسيارات تدخل المحطة فارغة وتخرج مليئة بالأجساد.
- الأحد اثنان، الأحد اثنان، آ 41 هل تذهب إلى السبت أم تترك النوبة للخمسة عشر؟ إنهم خمسة.
يكفي المكان للجميع، وينقص راكب آخر. رجل يلبس جلبابين صوفيين في عز الصيف كأنه في رحلة إلى القطب الشمالي، وعجوز مكتنزة تحمل على ظهرها صرة كبيرة؛ حملتها كل سلع السوق. يظهر من شكلها أنها تحتوي على غربال أو بندير أو شيء من هذا القبيل. وأشياء أخرى تزيد الصرة انتفاخا. وتحمل باليد اليسرى كيسا بلاستيكيا أسود مليئا بالحمص والفول المغليين في الماء والملح. منذ كانت تنتظر، لم تهدأ يدها عن إخراج ما بالكيس ومضغه ببقايا أضراس ناتئة صفراء متآكلة، زادها لون الذهب الذي يغطي بعضها اصفرارا. أثداؤها تهدلت وارتخت حتى وصلت إلى الحزام. فصارت تحمل صرة أخرى أمامها. ورجل يلبس قميصا صيفيا. بدا متضجرا، يتأفف من الحرارة والناس والغبار والانتظار. لم يترك طربوشه يهدأ فوق راسه. تارة يديره إلى الخلف وتارة إلى الأمام حتى يخفي جبهته، ومرة يميله على أذنه اليسرى جهة الشمس. وشخص يريد أن ينزل في الطريق قبل السبت. لم يفتح فمه بكلمة. يراقب من بعيد.
- أينكم يا أصحاب السبت؟
بمجرد سماع كلمة السبت، تسابق الثلاثة نحو السيارة. الرجل ذو الجلبابين الصوفيين، والعجوز آكلة الحمص والفول المغليين في الماء والملح، وصاحب القميص الصيفي. وظل الشخص الذي يريد أن ينزل في الطريق قبل السبت يراقب من بعيد.
فتحت العجوز ذات الأثداء المتدلية الباب الخلفي ولم تستطع الركوب، إذ انحبست صرتها بالباب وظلت معلقة، فلا هي ركبت ولا تركت صاحب القميص الصيفي يركب. وشرع يسب ويلعن آباءها وأجدادها، قبل أن يمر إلى الجهة الأخرى من السيارة ويفتح الباب الآخر ويتركها معلقة مع صرتها. فنزل السائق وأمرها أن تضع صرتها في الصندوق الخلفي للسيارة. وأذعنت بعد أن أعيتها المحاولة. لم تترك في يدها سوى الكيس الأسود المليء بالحمص والفول المغليين.
حار أن يركب، بجانب الرجل ذي الجلبابين الصوفيين أم بجانب العجوز ذات الأثداء المترهلة وكيس الحمص والفول؟ أم ينتظر الراكب السادس؟ فالشخص الذي يريد أن ينزل في الطريق عليه أن يبقى جانبا، ليكون نزوله سهلا وسريعا.
التفت إلى المقعد الخلفي فوجد أن أكثر من نصفه احتلته العجوز، وشرعت في التهام ما بقي في الكيس. ولن تتزحزح من مكانها ولو أحضرت لها رافعة. طلب من ذي الجلبابين أن يفسح له ليجلس بجانبه، حرك كتفيه داخل الجلبابين ليتزحزح. لكن جسمه لم يتحرك من مكانه. وترك بعض السنتمترات لا تكفي لجلوس أرنب.
أحس بروحه تكاد تزهق من بين ضلوعه بالضيق والصهد. رائحة الروث المنبعثة منه تخنقه. لعله خرج توا من سوق البهائم. سأله متعجبا من لباسه:
- << ألا تحس بالحرارة في هذه الملابس الصوفية؟>>.
أجابه بنبرة تهكمية:
- << أنت الذي تحس بالصهد في ملابسك البلاستيكية. فالذي يقي من البرد يقي من الحر>>.
تذكر درس العلوم الذي تلقاه بالمدرسة، حيث الصوف لا يبرد ولا يسخن، بل يعزل حرارة الجسم الذي يغطيه. لعن في نفسه الصوف والصهد. والزمن الرديء الذي لم يمكنه من شراء سيارة توفر عليه كل هذه المتاعب.
أغمض عينيه وتظاهر بالنوم عله ينسى الضيق، وزمت السيارة. كانت العجوز قد أفرغت الكيس في جوفها ورمت به عند قدميها. فقد ينفع عند الحاجة. استمرت في المضغ كأنها تجتر ما بلعته من قبل. الرجل ذو القميص الصيفي يلعن ويسب حفر الطريق وغش الجماعة التي أكلت اعتماد إصلاحها وذرت عليها بعض الحصى والزفت؛ فأصبحت شبيهة برأس الأقرع. يسب ويلعن آباء وأجداد أصحاب السيارات القادمة في الاتجاه المعاكس، تريد أن تحتل الأسفلت كله وترميهم إلى الجانب المترب والحاد الذي يأكل العجلات. يسب ويلعن العربات المجرورة لأنها لا تريد أن تفسح له الطريق. يأمر السائق أن ينتبه، ينحرف يمينا أو شمالا. أن يزيد في السرعة أو ينقص منها. ألا يتجاوز. أن يعيد النظر في قانون السير، ويطبقه كما يجب.
السائق لا يجيبه ولا يلتفت. يراقب وجهه في المرآة العاكسة. يخرج يده من حين لآخر، يسأل العائدين إلى السوق هل يوجد أصحاب الحال؟ كما يسميهم. الرجل ذو الجلبابين نام وفتح فمه فارتفع شخيره وطغى على حشرجة المذياع المتهالك. والعجوز شرعت تقذف من بطنها كل ما ابتلعته من فول وحمص، مدت يدها إلى الكيس الأسود المرمي تحت قدميها لتعيد إليه ما طحنته من قبل. بدت قشور الفول والحمص تسبح في سائل أصفرلزج ذي رائحة لا تحتمل. والرجل ذو القميص الصيفي يسب ويلعن آباءها وأجدادها. والرجل الذي يريد أن ينزل في الطريق يراقب الوضع دون أن ينبس بكلمة كأن الأمر لا يهمه. فلما أعيته رائحة حموضة القيء أنزل الزجاج وأطل برأسه إلى الخارج وترك الرياح تعبث بشعره.
انشغل بقراءة الأدعية والأحجبة والتمائم المعلقة على اللوحة الأمامية، ولم يعر الأمر أدنى اهتمام. يعد الثواني والدقائق ليخرج من هذه المصيدة التي وضعه فيها صاحب الجلبابين الصوفيين. يعصره من جهة والحديد من الجهة الأخرى. كلما طلب منه أن يتزحزح يجيبه:
- الضيق في الخاطر، دقائق ويذهب كل واحد إلى حال سبيله. الصبر للرجال.
يكثم غيظه وغضبه ويعود لمراقبة الطريق أمامه، تاركا الهرج والمرج والسب واللعن والحموضة وراء ظهره.
انتبه على صوت السائق يوقظه معتذرا له، طالبا منهم أن ينزلوا ويركبوا مع الرقم 15 لأن الحمولة لم تكتمل بعد، وسيضطر لتغيير وجهته ويذهب إلى الاثنين...
يونيه 98
للتوضيح:
* جماعة يريدون أن يركبوا سيارة أجرة.
* الأماكن تسمى بأسماء الأسواق: منها الأحد والسبت ... إذ نجد مدينة تسمى سوق الأربعاء والأخرى سوق السبت وهكذا.... كما أن سيارات الأجرة أو الطاكسي لها أرقام وحمولتها ستة أشخاص دون السائق.




تعليق