تشير كل التقارير الاحصائية الطبية الى تصاعد نسبة الجنون بصورة مطردة في السنوات الأخيرة. الواقع انني لا استطيع تفسير الكثير من التطورات السياسية بغير ارجاعها الى الجنون. وهو أمر يتطلب في الواقع تقريرا احصائيا آخر عن نسبة الجنون بين زعماء العالم حالياً. بيد ان لكل عصر جنونه الخاص، وبالتالي نكاته في الجنون والمجانين. قالوا ان احد الدوقات الألمان شعر بالسأم فطلب ان يأتوه باثنين من المجانين يضحك عليهما. فجاؤوه بهما ولكنه لم يجد فيهما ما يؤنسه فأمر بقطع رأسيهما. فقال احدهما للآخر «كنا مجنونين اثنين والآن اصبحنا ثلاثة».
ندرك فورا ان هذه من حكايات القرون الوسطى، لا بسبب ما فيها من ال*******، وانما لاننا نعرف جيدا ان حكام العصر الحديث لا يحتاجون الى مجانين من البيمارستان ليضحكوا عليهم. عندهم بين مستشاريهم ووزرائهم من المجانين ما يكفي للضحك عليهم.
والآن ما هو الجنون النمطي للعصر الحديث؟ اعتقد انه الوهم. كل هؤلاء الذين يتصورون أنفسهم قد انتصروا، وان ما يفعلونه كله لصالح الشعب، وان الجمهور يموت حبا بهم. كل هؤلاء الذين يتصورون انهم سيحلون المسألة الفلسطينية. جنون الوهم ابتليت به ايضا الشعوب التي تصورت ان من اختارته رئيساً لها اصلح من غيره في ادارتها.
تعددت حكايات الاوهام في العصر الحديث. هناك من تصور نفسه بطيخة أو سيارة، أو اعتقد انه نابليون أو هتلر. من اكثر الاوهام شيوعا من يتوهم انه غير مرئي ولربما يعود الاقبال الكبير على هذا الوهم الى رغبة دفينة للتواري عن عالمنا القبيح. سرت العدوى حتى للاطباء. شوهد احدهم يتكلم مع طاولة ويسألها، من قال لك انك غير مرئية. هناك طبعا من يعاني من النقص. ولكن هناك ايضا من يتصور انه يعاني من عقدة النقص. وهو ما واجهه سيغموند فرويد عندما جاء شخص وقال له انه يعاني من الشعور بعقدة النقص، استمع اليه العالم الكبير ودون كل ملاحظاته عنه ثم قال له، «انك يا سيدي لا تعاني من الشعور بعقدة النقص، كل ما هنالك هو انك رجل ناقص». وهو بالطبع افضل بكثير من وهم الشعور بعقدة النقص.
القصة الكلاسيكية للشعور بوهم تروي حكاية المرأة التي ظلت تعتقد انها تحمل جرة على رأسها. عجز سائر الاطباء عن اقناعها بأنها تعاني من وهم وليس هناك أي جرة على رأسها. اخيرا هداها احد اهل الخير الى الذهاب الى حكيم محلي. سمع حكايتها. فقال لها هذا صحيح ثم جاء بجرة ووضعها على رأسها وكسرها وقال لها: «انظري لقد كسرناها الان. لم تعد على رأسك أي جرة» ابتسمت لأول مرة منذ سنين وقالت، «آه الآن أشعر بالراحة. تخلصت من هذا الحمل على رأسي».
لا أدري لماذا يسوقون حكايات الأوهام غالبا على حساب المرأة. فهناك وهم الحمل، وهو وهم تقليدي. ووهم الحب. وأخيرا وهم الزواج. تتصور كثير منهن انهن عندهن ازواج. ويكون الزوج احيانا على اغرب ما يكون، كما في الكآبة التي رواها اللورد البركنوي عن أحد اصدقائه من الاطباء النفسيين. جاءته يوما امرأة تحمل شيئا في سلة فأجلسها امامه وسألها عن مشكلتها، فقالت له «كلا ليست مشكلتي، انا في حالة سليمة. المشكلة هنا مع زوجي هذا، انه يعتقد انه بطة!» ثم كشفت له السلة واشارت الى البطة الجالسة فيها.
ولكنني اعتقد ايضا ان كثيرا من الرجال يقعون ايضا في مثل هذا الوهم فاذا كانت تلك المرأة قد تصورت البطة زوجها. فكثير من الرجال يتصور ان زوجته حمارة، أو جاموسة أو سخلة أو حتى كلبة. هذا شيء اكتشفته في سماعي لكثيرين من الرجال يشيرون الى زوجاتهم بهذه الكلمات أو ينادونهن بها. ومع ذلك فلم يتقدم أحد لاحالتهم الى طبيب نفسي لمعالجة جنونهم واوهامهم هذه.
نقل من احد المنتديات

