الى اللقاء فى دنيا الخلود وعالم الأنوارعندما يطلق سراحك من سجن الدنيا
توفى (لومن) بعد إنقضاء إثنين وسبعين سنة من عمره ، وأفشى أسرار ما بعد الموت ومراحل تكامل الروح الى صديقه (كارنس) الذى كان لا يزال حيا يرزق ببيان سلس وبسيط . ووافاه بأخبار الفضاء والزمان للسيارات الآخرى ، وهى جديرة بالذكر والمطالعة حقا . ونقتطف منها نبذة لأهميتها ، ولكونها تحتوى على نكات علمية تتعلق بمارواء الطبيعة (الميتافيزيق) ، ونضعها بين يدى رواد هذا المنتدى الأعزاء ليشبعوا نهمهم.
تبدأ المحاورة فى هذه القصة خلال اللحظات الآخيرة من حياة (لومن) ، وتقوم روحه بسرد حوادث ما بعدالموت بدقه ، وحرى بنا أن ندخل الى صلب الموضوع دون مقدمه .
كارنس : يا صديقى العزيز! هلا تحدثنى عن آخر لحظات حياتك فى هذه الدنيا.
لومن : حاضر يا عزيزى! إنتابنى بعد موتى مباشرة حالة شبيهة بحالة من ينتبه من النوم . فشعرت بأثر النوم يهيمن على جسمى ، وتستعرض فى ذهنى مشاهد من حلم مشوش ومضطرب . وتكون هذه الحالة أكثر دواما مع من يرتبط بالمادة ارتباطا وثيقا ، ويهوى الدنيا ويتعلق بها . وأما من آثر المعنويات خلال حياته ، وجعل عالم ما بعد الموت نصيب عينيه فإن روحه تنفلت مما علق بها من المشاهد الأرضية . إن ذلك الشىء الذى تطلقون عليه – معاشر الأحياء – اسم الموت ن وترتعد فرائصكم منه فرقا ليس له فى الحقيقة وجود ذاتى ، وإن انسلاخ الروح عن الجسم لهو عملية طبيعيه وعادية جدا . إنه يحاكى تماما خروج الجنين من بطن أمه ، فلا يدرك شيئا ، وكذلك شعور الإنسان بعد الموت ، فإنه لا يدرك شيئا حينما تنسلخ روحه من جسمه . وبعبارة أخرى فإن الموت نفسه عبارة عن ولادة جديدة للحياة بعد الموت . وتدك الوح ظروفها الجديدة بسرعة قياسية ، وتحس بجمال العالم وروعته ، وتتمتع بالطموحات السامية ؛ لكونها لا ترزح تحت هيمنة الجسم . إلا أن هذه المنزلة لا تتأتى للجميع ، فمن كان أسير دنياه المادية ولذاتها تكون نتائجها وبالا عليه ، ويمكث مدة مضطربا حيران ، وأما من كان خفيف الروح وحسن السيرة فيعيش باطمئنان وسكينة خاصة ، وينقل الى عالم يغمره النور . ومما يجدر ذكره هنا أن الإنسان عندما يتوقف نبضه ويحل به الموت تنقطع الرابطة المغناطيسية التى هى بمثابة حلقة الوصل بين الروح والجسم ، وتنطلق الروح من السجن الذى كانت رهينة فيه مدة .
كارنس : شكرا يا عزيزى! والآن أخبرنى عن الفارق بين الروح والجسم .
لومن : يتكون الإنسان فى الأصل من ثلاثة عوامل : الجسم والجسم الأفلاكى اللطيف والروح . ولابد من توضيح كل من هذه العوامل الثلاثة التى أتيت على ذكرها ؛
الأول : الجسم المادى : وهو يتكون من ذرات وجزيئات كثيرة ن وهى اللبنات التى تتكون منها أجسامنا الفيزيائية أو الماديه . وهذا الجسم تتغير خلاياه وتتجدد دائما خلال فترة الحياة.
الثانى : الحسم الأفلاكى اللطيف : وهو خلاف الجسد المادى ، سيّال ورقيق وليّن ، وبواسطته ترتبط الروح مع الجسم ، ويطلق عليه اسم (بربسبرى) .
الثالث : الروح وهى مخلوق نفى وحى وذو شعور ومفكر ، ولا تنتابه الشيخوخة ، ويبقى ثابتا دائما ، وهو يسيطر على جسم الإنسان ويديره.
كارنس : قلت إن خلايا الجسم تتغير وتتجدد على الدوام ، فعلى هذا إن أمس كل إنسان متفاوت مع يومه ، وبالنتيجه فإن أى إنسان لا يتحمل مسرولية أعماله الماضيه .
لومن : إن قولك بعيد عن الصواب ، فالمسؤول هو الروح لا الجسم ، إن الجسم بدون روح لا يعد شيئا مذكورا . وترتبط الروح بالجسم الترابى بواسطة الجسم الأفلاكى اللطيف خلال المدة التى يحيا بها الإنسان.
كارنس : إضرب صفحا عن ذلك ، وأخبرنى عما جرى لك بعد الموت مباشرة.
لومن : أتذكر لحظة وداعى معك عند النزع الأخير؟ فقد تعطلت جميع حواسى عن العمل ، وشخص بصرى نحو السماء ، وفجأة رأيت نفسى عند سفح جبل بين مروج جميلة وأنا طليق أشعر بالخفة والمسرة . وما كنت أحس بوطأة الجسم وثقله ، وقد غمرت وجودى لذة محضة . وأصبحت عيناى حديديتين ، حتى كنت أستطيع رؤية أى كوكب من الكواكب فى الفضاء حسبما أريد . علاوة على ذلك فقد كنت أرى قارات الآرض ومحيطاتها من هناك ، وأرى أيضا جميع المدن وأزقتها ، ولا يسعنى إلا القول : إن لسانى يعيى عن وصف حالى .
كارنس : لقد أطلق سراحك من سجن الدنيا ، فما حملك على التفكير فى الأرض ثانية؟
لومن : هذا أمر طبيعى ، فإنى أحب أن أرى ثانيه السيارة التى عشت عليها (72) سنة ، وخصوصا مدينة (باريس) مسقط رأسى ودارى .
كارنس : حسنا ، كيف ترى (باريس)؟
لومن : كانت مدينة (باريس) عروس الغرب ، ولكنها أضحت مدينة صاخبة ، وتغيرت معالم شوارعها وهندسة عماراتها . وقد اهتديت الى الشارع المؤدى الى الزقاق الذى يقع فيه بيتى بصعوبة بالغه ، إلا انى لم أعثر بعد البحث على أثر لدارى فى ذلك الزقاق . وكانت الدور والعمارات تبدو قديمة ومتصدعة وتبعث على العجب ، فأصابنى الذهول . وعندما ركزت فكرى طرأ على أمر ، ألقيت طرفى صوب ميدان المدينة ، فرأيت فيه جمهورا غفيرا من الناس وهم يرتدون أزياء قديمة ويحدقون بمقصلة . وبعد دقائق أطاحت المقصلة رأس إنسان ، فسقط فى سلة علقت تحت شفرتها . استيقنت آنذاك أنى أشاهد باريس أيام الثورة الفرنسية العظمى ، وما هذا الضجيج والضوضاء والإعدامات إلا صدى لتلك الثورة .
كارنس : إن هذا أمر مدهش ، كيف يتأتى لك مشاهدة حوادث يعود تاريخها إلى سنين ماضية؟!
كارنس : إن أمعنا النظر فى هذه المسألة فسنرى أن الدقيقة والساعة والشهر والسنة الضوئية تكون أرقامها مذهلة ؛ إذ أن الضوء يقطع فى الثانة الواحدة (300000) كيلومتر ، ويطوى المسافة الكائنة بين الأرض والقمر بأكثر من ثانية واحدة بقليل . فكم مليارا من الكيلومترات ينتج من (71) سنة ضوئية؟!
لومن : إن ما قلته يا صديقى هو عين الصواب تماما ؛ إذ أن المسافة بين كوكب (كابلا) وبين الأرض هى (681) ترليون و (568) مليار كيلومترا تماما . وإنى شاهدت الحوادث الجارية على سطح الأرض من خلال هذه المسافة! ولهذا رأيت الحوادث التى وقعت قبل (71) سنة ؛ لأن رحلة النور تستغرق (71) سنة تماما اعتبارا من الآرض الى الكوكب الذى كنت فيه . ومن المعلوم أننا نبصر الآشياء بواسطة الضوء ، وبعبارة أوضح أن الضوء الذى تظهر من خلاله حوادث الكرة الآرضية آنذاك كان (71) سنة فى الطريق حتى وصل الى كوكب (كابلا) .
كارنس : إن هذا عجب عجاب!
لومن : والأعجب من هذا هو أنى رأيت فى ذلك اليوم فتاة وشابا يداعبان طفلا رضيعا لهما ، وكانت تلك الفتاة وذلك الشاب هما أبواى ، وكنت أنا ذلك الطفل الرضيع! وليس بعجيب أن يرى الإنسان بعد موته أيام طفولته بأم عينيه ، ويشاهد أبويه عند الآيام الآولى لزواجهما . أجل يا عزيزى ، إن ذلك من عجائب الدهر! إننا بواسطة السرعة الخيالية للضوء الذى يحمل بين طياته مشاهد لا تعد ولا تحصى للخليقة نستطيع أن نجسم فى أذهاننا حوادث الماضى والحاضر والمستقبل . فمثلا أن المجرات والنجوم التى نراها فى السماء ليلا ربما تحتفظ بمشاهد وقعت فى العالم منذ ملايين السنين ، وقد عفا عليها الدهر وأصبحت فى طى النسيان ، وإنك تتصورها حية وموجودة ؛ لأن ضوءها لازال يسبح فى الفضاء الرحب!
كارنس : لهذا تتسنى للروح الطليقة مشاهدة كل الحوادث الجارية فى العالم من البداية الى النهاية ودرك تفاصيلها.
لومن : إن مشاهدة الحوادث الجارية فى العالم أمر يسير ، إلا أن مشاهدتها من بدايتها حتى نهايتها كما أشرت الى ذلك فهو غير مأنوس للروح فى نواميس الأرض . عندما يكون الإنسان مكبلا بالجسم يكون أسيرا للوقت والساعة ودوران عجلة الزمان ، ويشخص بصره نحو البداية والنهاية ، ولكن هذه المفردات عديمه الوجود فى قاموس الروح .
كارنس : الحق معك ؛ إذ أن عالم الأرواح يقتضى أن يكون عالما آخر . أخبرنى بالله عليك أيوجد فى سائر الكواكب مخلوق عاقل كالانسان؟
لومن : نعم ، أتظن أننا – معاشر البشر – أشرف مخلوقات الله؟ بل توجد فى بعض الكواكب الأخرى مخلوقات ذات تكوين خاص وهى تفكر وتشعر ايضا ، إلا أنها تختلف عنا فى الهيئة وفى نمط الحياة . فمثلا هناك كوكب جّوه مشحون بالمغناطيس أو بنوع من التيار الكهربائى . وليس لسكا هذا الكوكب جهاز هضمى ودورة دموية ، فيجذب هؤلاء الطاقة الكهربائية المحيطة بالكوكب ويحولونها الى مواد غذائية . وعلى هذا فإن هذا الضرب من المخلوقات لا يملك فما وأنفا ومعدة وشرايين وكبدا . توجد فى بعض الكواكب مخلوقات مفكرة لا يرون ما نرى ، إلا أنهم يرون ما لا نرى ، أى أنهم يرون الأشعة غير المرئية ، كالأشعة المجهولة ومادون الحمراء ودون البنفسجية .
كارنس : إن طرز هؤلاء وهيئتهم لابد أن تكون مغايرة لأشكالنا أيضا ، أليس كذلك؟
لومن : بلى يا عزيزى! مادام أنهم لا يملكون جهازا هضميا فإن البناء الآساسى لأجسامهم يعتور شكله التغيير . وتؤمن هذه المخلوقات غذائها عن طريق التنفس ؛ إذ تستنشق الهواء وتدفعه الى داخل أجسامها .
وبناء على ذلك فإن الجهاز التنفسى لهذه المخلوقات يكون قويا ومتطورا وكاملا ، فهو نظير الجهاز التنفسى للسمكة تقريبا ؛ إذ تشرب الماء فيذهب الى معدتها ، ثم تمتص المواد الغذائية منه لتتغذى بها .
إنكم – معاشر البشر – ضغفاء وعجزه جدا ، وقد جبلت طبيعتكم على سجبة خاصة ؛ إذ لديكم بضع حواس ناقصه وتظنون أنها هى التى تنجز لكم جميع الأعمال ، ولكن ذلك وهم . فمثلا أن عين الإنسان لا تتمكن من رؤية الأمواج الضوئية دون (458) ترليون فى الثانية ، ولا يمكنها كذلك رؤية الآمواج التى تزيد على (727) ترليون فى الثانية ، وتستطيع أذنه أن تسمع الأصوات التى دون أربعين ذبذبه فى الثانية وأكثر من (3600) ذبذبة فى الثانية . بيد أن هناك حشرات تعيش على الأرض قد بذت الإنسان فى هذا المضمار ، فهى تسمع أصواتا ، وترى أمواجا ضوئية خاصة يعجز عن إدراكها على الرقم من كونه يعد نفسه أشرف المخلوقات . وأما المخلوقات المفكرة فى الكواكب الأخرى فإن لها أعضاء حساسة ، تجذب بواسطتها عوالم مختلفة ومدهشة الى إطار الإدراك بأصوات سماوية تبعث فيها روح الحياة . كما أن أوتارها العصبية والدماغية أكثر تكاملا ، فتتناول مسائل تخرج عن حد تصور الإنسان وتتجاوز حدود خياله .
.
التكمله بالاسفل :grins:
توفى (لومن) بعد إنقضاء إثنين وسبعين سنة من عمره ، وأفشى أسرار ما بعد الموت ومراحل تكامل الروح الى صديقه (كارنس) الذى كان لا يزال حيا يرزق ببيان سلس وبسيط . ووافاه بأخبار الفضاء والزمان للسيارات الآخرى ، وهى جديرة بالذكر والمطالعة حقا . ونقتطف منها نبذة لأهميتها ، ولكونها تحتوى على نكات علمية تتعلق بمارواء الطبيعة (الميتافيزيق) ، ونضعها بين يدى رواد هذا المنتدى الأعزاء ليشبعوا نهمهم.
تبدأ المحاورة فى هذه القصة خلال اللحظات الآخيرة من حياة (لومن) ، وتقوم روحه بسرد حوادث ما بعدالموت بدقه ، وحرى بنا أن ندخل الى صلب الموضوع دون مقدمه .
كارنس : يا صديقى العزيز! هلا تحدثنى عن آخر لحظات حياتك فى هذه الدنيا.
لومن : حاضر يا عزيزى! إنتابنى بعد موتى مباشرة حالة شبيهة بحالة من ينتبه من النوم . فشعرت بأثر النوم يهيمن على جسمى ، وتستعرض فى ذهنى مشاهد من حلم مشوش ومضطرب . وتكون هذه الحالة أكثر دواما مع من يرتبط بالمادة ارتباطا وثيقا ، ويهوى الدنيا ويتعلق بها . وأما من آثر المعنويات خلال حياته ، وجعل عالم ما بعد الموت نصيب عينيه فإن روحه تنفلت مما علق بها من المشاهد الأرضية . إن ذلك الشىء الذى تطلقون عليه – معاشر الأحياء – اسم الموت ن وترتعد فرائصكم منه فرقا ليس له فى الحقيقة وجود ذاتى ، وإن انسلاخ الروح عن الجسم لهو عملية طبيعيه وعادية جدا . إنه يحاكى تماما خروج الجنين من بطن أمه ، فلا يدرك شيئا ، وكذلك شعور الإنسان بعد الموت ، فإنه لا يدرك شيئا حينما تنسلخ روحه من جسمه . وبعبارة أخرى فإن الموت نفسه عبارة عن ولادة جديدة للحياة بعد الموت . وتدك الوح ظروفها الجديدة بسرعة قياسية ، وتحس بجمال العالم وروعته ، وتتمتع بالطموحات السامية ؛ لكونها لا ترزح تحت هيمنة الجسم . إلا أن هذه المنزلة لا تتأتى للجميع ، فمن كان أسير دنياه المادية ولذاتها تكون نتائجها وبالا عليه ، ويمكث مدة مضطربا حيران ، وأما من كان خفيف الروح وحسن السيرة فيعيش باطمئنان وسكينة خاصة ، وينقل الى عالم يغمره النور . ومما يجدر ذكره هنا أن الإنسان عندما يتوقف نبضه ويحل به الموت تنقطع الرابطة المغناطيسية التى هى بمثابة حلقة الوصل بين الروح والجسم ، وتنطلق الروح من السجن الذى كانت رهينة فيه مدة .
كارنس : شكرا يا عزيزى! والآن أخبرنى عن الفارق بين الروح والجسم .
لومن : يتكون الإنسان فى الأصل من ثلاثة عوامل : الجسم والجسم الأفلاكى اللطيف والروح . ولابد من توضيح كل من هذه العوامل الثلاثة التى أتيت على ذكرها ؛
الأول : الجسم المادى : وهو يتكون من ذرات وجزيئات كثيرة ن وهى اللبنات التى تتكون منها أجسامنا الفيزيائية أو الماديه . وهذا الجسم تتغير خلاياه وتتجدد دائما خلال فترة الحياة.
الثانى : الحسم الأفلاكى اللطيف : وهو خلاف الجسد المادى ، سيّال ورقيق وليّن ، وبواسطته ترتبط الروح مع الجسم ، ويطلق عليه اسم (بربسبرى) .
الثالث : الروح وهى مخلوق نفى وحى وذو شعور ومفكر ، ولا تنتابه الشيخوخة ، ويبقى ثابتا دائما ، وهو يسيطر على جسم الإنسان ويديره.
كارنس : قلت إن خلايا الجسم تتغير وتتجدد على الدوام ، فعلى هذا إن أمس كل إنسان متفاوت مع يومه ، وبالنتيجه فإن أى إنسان لا يتحمل مسرولية أعماله الماضيه .
لومن : إن قولك بعيد عن الصواب ، فالمسؤول هو الروح لا الجسم ، إن الجسم بدون روح لا يعد شيئا مذكورا . وترتبط الروح بالجسم الترابى بواسطة الجسم الأفلاكى اللطيف خلال المدة التى يحيا بها الإنسان.
كارنس : إضرب صفحا عن ذلك ، وأخبرنى عما جرى لك بعد الموت مباشرة.
لومن : أتذكر لحظة وداعى معك عند النزع الأخير؟ فقد تعطلت جميع حواسى عن العمل ، وشخص بصرى نحو السماء ، وفجأة رأيت نفسى عند سفح جبل بين مروج جميلة وأنا طليق أشعر بالخفة والمسرة . وما كنت أحس بوطأة الجسم وثقله ، وقد غمرت وجودى لذة محضة . وأصبحت عيناى حديديتين ، حتى كنت أستطيع رؤية أى كوكب من الكواكب فى الفضاء حسبما أريد . علاوة على ذلك فقد كنت أرى قارات الآرض ومحيطاتها من هناك ، وأرى أيضا جميع المدن وأزقتها ، ولا يسعنى إلا القول : إن لسانى يعيى عن وصف حالى .
كارنس : لقد أطلق سراحك من سجن الدنيا ، فما حملك على التفكير فى الأرض ثانية؟
لومن : هذا أمر طبيعى ، فإنى أحب أن أرى ثانيه السيارة التى عشت عليها (72) سنة ، وخصوصا مدينة (باريس) مسقط رأسى ودارى .
كارنس : حسنا ، كيف ترى (باريس)؟
لومن : كانت مدينة (باريس) عروس الغرب ، ولكنها أضحت مدينة صاخبة ، وتغيرت معالم شوارعها وهندسة عماراتها . وقد اهتديت الى الشارع المؤدى الى الزقاق الذى يقع فيه بيتى بصعوبة بالغه ، إلا انى لم أعثر بعد البحث على أثر لدارى فى ذلك الزقاق . وكانت الدور والعمارات تبدو قديمة ومتصدعة وتبعث على العجب ، فأصابنى الذهول . وعندما ركزت فكرى طرأ على أمر ، ألقيت طرفى صوب ميدان المدينة ، فرأيت فيه جمهورا غفيرا من الناس وهم يرتدون أزياء قديمة ويحدقون بمقصلة . وبعد دقائق أطاحت المقصلة رأس إنسان ، فسقط فى سلة علقت تحت شفرتها . استيقنت آنذاك أنى أشاهد باريس أيام الثورة الفرنسية العظمى ، وما هذا الضجيج والضوضاء والإعدامات إلا صدى لتلك الثورة .
كارنس : إن هذا أمر مدهش ، كيف يتأتى لك مشاهدة حوادث يعود تاريخها إلى سنين ماضية؟!
كارنس : إن أمعنا النظر فى هذه المسألة فسنرى أن الدقيقة والساعة والشهر والسنة الضوئية تكون أرقامها مذهلة ؛ إذ أن الضوء يقطع فى الثانة الواحدة (300000) كيلومتر ، ويطوى المسافة الكائنة بين الأرض والقمر بأكثر من ثانية واحدة بقليل . فكم مليارا من الكيلومترات ينتج من (71) سنة ضوئية؟!
لومن : إن ما قلته يا صديقى هو عين الصواب تماما ؛ إذ أن المسافة بين كوكب (كابلا) وبين الأرض هى (681) ترليون و (568) مليار كيلومترا تماما . وإنى شاهدت الحوادث الجارية على سطح الأرض من خلال هذه المسافة! ولهذا رأيت الحوادث التى وقعت قبل (71) سنة ؛ لأن رحلة النور تستغرق (71) سنة تماما اعتبارا من الآرض الى الكوكب الذى كنت فيه . ومن المعلوم أننا نبصر الآشياء بواسطة الضوء ، وبعبارة أوضح أن الضوء الذى تظهر من خلاله حوادث الكرة الآرضية آنذاك كان (71) سنة فى الطريق حتى وصل الى كوكب (كابلا) .
كارنس : إن هذا عجب عجاب!
لومن : والأعجب من هذا هو أنى رأيت فى ذلك اليوم فتاة وشابا يداعبان طفلا رضيعا لهما ، وكانت تلك الفتاة وذلك الشاب هما أبواى ، وكنت أنا ذلك الطفل الرضيع! وليس بعجيب أن يرى الإنسان بعد موته أيام طفولته بأم عينيه ، ويشاهد أبويه عند الآيام الآولى لزواجهما . أجل يا عزيزى ، إن ذلك من عجائب الدهر! إننا بواسطة السرعة الخيالية للضوء الذى يحمل بين طياته مشاهد لا تعد ولا تحصى للخليقة نستطيع أن نجسم فى أذهاننا حوادث الماضى والحاضر والمستقبل . فمثلا أن المجرات والنجوم التى نراها فى السماء ليلا ربما تحتفظ بمشاهد وقعت فى العالم منذ ملايين السنين ، وقد عفا عليها الدهر وأصبحت فى طى النسيان ، وإنك تتصورها حية وموجودة ؛ لأن ضوءها لازال يسبح فى الفضاء الرحب!
كارنس : لهذا تتسنى للروح الطليقة مشاهدة كل الحوادث الجارية فى العالم من البداية الى النهاية ودرك تفاصيلها.
لومن : إن مشاهدة الحوادث الجارية فى العالم أمر يسير ، إلا أن مشاهدتها من بدايتها حتى نهايتها كما أشرت الى ذلك فهو غير مأنوس للروح فى نواميس الأرض . عندما يكون الإنسان مكبلا بالجسم يكون أسيرا للوقت والساعة ودوران عجلة الزمان ، ويشخص بصره نحو البداية والنهاية ، ولكن هذه المفردات عديمه الوجود فى قاموس الروح .
كارنس : الحق معك ؛ إذ أن عالم الأرواح يقتضى أن يكون عالما آخر . أخبرنى بالله عليك أيوجد فى سائر الكواكب مخلوق عاقل كالانسان؟
لومن : نعم ، أتظن أننا – معاشر البشر – أشرف مخلوقات الله؟ بل توجد فى بعض الكواكب الأخرى مخلوقات ذات تكوين خاص وهى تفكر وتشعر ايضا ، إلا أنها تختلف عنا فى الهيئة وفى نمط الحياة . فمثلا هناك كوكب جّوه مشحون بالمغناطيس أو بنوع من التيار الكهربائى . وليس لسكا هذا الكوكب جهاز هضمى ودورة دموية ، فيجذب هؤلاء الطاقة الكهربائية المحيطة بالكوكب ويحولونها الى مواد غذائية . وعلى هذا فإن هذا الضرب من المخلوقات لا يملك فما وأنفا ومعدة وشرايين وكبدا . توجد فى بعض الكواكب مخلوقات مفكرة لا يرون ما نرى ، إلا أنهم يرون ما لا نرى ، أى أنهم يرون الأشعة غير المرئية ، كالأشعة المجهولة ومادون الحمراء ودون البنفسجية .
كارنس : إن طرز هؤلاء وهيئتهم لابد أن تكون مغايرة لأشكالنا أيضا ، أليس كذلك؟
لومن : بلى يا عزيزى! مادام أنهم لا يملكون جهازا هضميا فإن البناء الآساسى لأجسامهم يعتور شكله التغيير . وتؤمن هذه المخلوقات غذائها عن طريق التنفس ؛ إذ تستنشق الهواء وتدفعه الى داخل أجسامها .
وبناء على ذلك فإن الجهاز التنفسى لهذه المخلوقات يكون قويا ومتطورا وكاملا ، فهو نظير الجهاز التنفسى للسمكة تقريبا ؛ إذ تشرب الماء فيذهب الى معدتها ، ثم تمتص المواد الغذائية منه لتتغذى بها .
إنكم – معاشر البشر – ضغفاء وعجزه جدا ، وقد جبلت طبيعتكم على سجبة خاصة ؛ إذ لديكم بضع حواس ناقصه وتظنون أنها هى التى تنجز لكم جميع الأعمال ، ولكن ذلك وهم . فمثلا أن عين الإنسان لا تتمكن من رؤية الأمواج الضوئية دون (458) ترليون فى الثانية ، ولا يمكنها كذلك رؤية الآمواج التى تزيد على (727) ترليون فى الثانية ، وتستطيع أذنه أن تسمع الأصوات التى دون أربعين ذبذبه فى الثانية وأكثر من (3600) ذبذبة فى الثانية . بيد أن هناك حشرات تعيش على الأرض قد بذت الإنسان فى هذا المضمار ، فهى تسمع أصواتا ، وترى أمواجا ضوئية خاصة يعجز عن إدراكها على الرقم من كونه يعد نفسه أشرف المخلوقات . وأما المخلوقات المفكرة فى الكواكب الأخرى فإن لها أعضاء حساسة ، تجذب بواسطتها عوالم مختلفة ومدهشة الى إطار الإدراك بأصوات سماوية تبعث فيها روح الحياة . كما أن أوتارها العصبية والدماغية أكثر تكاملا ، فتتناول مسائل تخرج عن حد تصور الإنسان وتتجاوز حدود خياله .
.
التكمله بالاسفل :grins:
تعليق