إن مع العسر يسرا
أرخى الليل سدوله، وتلألأت النجوم في السماء ، كأنها شمعات أضيئت في ليل حالك السواد.. ونام أهل القرية على أنغام الريح الباردة وهي تجول في أزقتها الضيقة المهجورة..
في هذه الليلة..ككل ليلة، أطفأت بيوت القرية أنوارها إلا بيتا واحدا جارت عليه الأيام، فتركته مهلهلا تكاد جدرانه تتساقط على مالكيه، والبرد يتخلل شقوقه ليستقر في عظام ساكنيه، وقد انبثق منه نور ضئيل..وتسلل منه أصوات طقطقة متقطعة..وفي ركن من أركانه جلست سيدة عجوز على كرسي خشبي بدت عليه علامات القدم، وتخيط الثياب..ظهرها متقوس هده الزمن، وقد بدا على وجهها علامات التعب والإرهاق..
ما كادت العجوز تنتهي من خياطة الثوب الذي كان بين يديها، حتى أحست بالنعاس الذي يتسلل إلى عينيها الحمراوين..فلملمت الثياب، ووضعتها جانبا، وأطفأت ( الفنار ) ثم ألقت بجسدها الذاوي داخل الفراش هربا من البرد الذي يهاجم القرية دون أن تصاحبه غيوم وأمطار..واستسلمت للنوم،والآلام تنخر جسدها بين الحين والآخر..
مرت سويعات، وبدأت أنوار الفجر تطل على الكون، لتبدد ظلام الليل وتنشر مكانه الضوء الساطع، ليحمل معه الآمال العريضة.. ..
استيقظت الأم، وأيقظت أبنائها الثلاثة الذين خرجوا –كعادتهم- للصلاة في المسجد القريب رغم برودة الطقس، وما أن عادوا حتى وجدوا الإفطار بانتظارهم...
ومع أشعة الشمس التي -عبثا- تحاول بث الدفء في الكون، انطلق الأبناء الثلاثة يشقون طريقهم إلى مدارسهم بعد أن ودعوا أمهم التي لم تبخل عليهم بالدعاء لهم بالتوفيق والنجاح.. ثم وقفت بالباب ترقبهم إلى أن غابوا عن ناظريها..
عادت أم خالد إلى الثياب تستكمل ما أنجزت في الليلة الفائتة فهي رغم إجهادها بحاجة إلى مضاعفة جهودها، فمصروفات البيت ازدادت، ومتطلبات أبنائها كثرت .. أخذت تقلب الإبرة بين أصابعها بمهارة، تغرسها في الثوب مرة بعد مرة .. غلبتها سنة من نوم..انغرست الإبرة في إبهامها فانتبهت وفتحت عينيها فوقع بصرها على الجدار المقابل لها حيث صورة زوجها.. ورجعت للوراء سبع سنوات..وانساب شريط الذكريات..وتراءى لها زوجها وهو على فراش الموت يلفظ أنفاسه الأخيرة، وطرقت أذنيها وصيته التي أخذ -يومها- يكررها ويؤكد عليها "علمي أولادك..لا تبخلي عليهم ما استطعت.. اغرسي فيهم القيم والأخلاق وحب العلم.."
بعدها لم تسمع إلا همسا متقطعا لا يكاد يبين.. و ما هي إلا لحظات حتى أسلم روحه إلى بارئها ..وبالرغم من مرور هذه السنوات الطويلة على وفاة زوجها إلا أن أم خالد لم تتمالك نفسها في هذه اللحظات..سالت دموعها على خديها.. ارتعش جسمها..وأخذت تتمتم"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، اللهم إليك المشتكى، وأنت المستعان.."
لم تستطع أم خالد الخروج من دوامة الذكريات، وغرقت في خضم الأفكار التي أثقلت كاهلها بمزيد من الهموم، ولم تنتبه إلى نفسها إلا على صوت أولادها الذين دلفوا إلى المنزل عائدين من مدارسهم..مسحت دموعها بسرعة و مسحت دموعها بسرعة وحاولت أن تخفي حزنها، وتكتم حسراتها، ولكنها لم تفلح في ذلك..دنا خالد من أمه يسألها إن كان قد حدث شيء أثناء غيابهم من المدرسة..فرفعت رأسها وهي تنظر إلى وجه ابنها، ثم اصطنعت ابتسامة رسمتها على وجهها وقالت: لا شيء يا بني، فألح خالد على أمه، ولم يكن أمام الأم إلا أن تصارح ابنها الأكبر.. وفهم خالد، فقد كبر هو و أخواه وكثرت احتياجاتهم، وزادت مطالبهم، وأمهم مصرة على تعليمهم جميعا عملا بوصية الأب، وحرصا على مستقبل ابنائها وهاهي تصل الليل بالنهار لتؤمن احتياجات البيت..نظر خالد إلى وجه أمه، ثم قال بنبرة فيها رجاء واستعطاف:"أمي .. جاء الآن دوري" لم تفهم الأم ما يعنيه ابنها"أمي لقد تعبت من أجلنا كثيرا وضحيت في سبيل سعادتنا بسعادتك، والآن آن لك أن تستريحي.. سأترك الدراسة وابحث عن عمل.. لقد جاء دوري لأضحي من أجلك ومن أجل أن يكمل أخوي دراستهما"قالت الأم وقد أخذها قول ابنها على حين غرة: وأنت يا خالد؟ "لا عليك يا أمي، لن أنسى وصية أبي و سأكمل دراستي عندما تتحسن الأحوال، المهم أن يكمل جاسم وراشد دراستهما، وأن تستكملي علاجك حتى يتم شفاؤك".
نظرت الأم إلى ابنها نظرة ملؤها العطف والحنان، صحيح أن كلام خالد جعلها تشعر بأن ابنها أصبح رجلا إلا أن ذلك زاد من آلامها، إنها يريد أن يحمل نفسه أكثر من طاقتها.. "لا تتسرع يا ولدي..فصحتي بخير، وأستطيع أن أوفر لكم احتياجاتكم، أنا لا أريد منك شيئا سوى الجد والاجتهاد في دراستك حتى أراك –بعد سنوات-طبيبا.."
"لم أتسرع يا أمي في اتخاذ هذا القرار.. فمنذ ألم بك المرض قبل أسابيع والفكرة تراودني.. نعم يا أمي، سأبحث عن عمل مناسب يدر علي دخلا مناسبا".
تغير وجه الأم، وبدا عليه الحزن والأسى"لا يا بني، فليس المال الوسيلة الوحيدة للحياة، عليك بالاستمرار بالدراسة، والأمور ستسير على ما يرام إن الذي خلقنا لن ينسانا..سأعود إلى العمل في الجمعية بعد أن أشفى بإذن الله، وإياك أن تفكر في ترك دراستك".
أما خالد فقد أعجبه تفاؤل أمه، وإيمانه العميق بالله، هذا الإيمان الذي يسري في شرايينها، فشمس الأمل تلوح -دائما- أمامها، مما يجعلها رغم كبر سنها شعلة متقدة في ليل حالك غاب فيه البدر المنير.
جلس خالد في ركن من أركان المنزل شاردا بفكره .. فبالرغم من حديث أمه التي يكن لها الحب والاحترام والتقدير، إلا أنه لا يستطيع غير التفكير بما آل إليه حال الأسرة، والخوف مما يخبئه لها القدر!!!.
إن فكرة العمل تراوده منذ فترة ليست بالقصيرة، ويبدو أن كلام أمه لن يثنيه عن تنفيذ قراره الذي يقضي بتحمله مسؤولية البيت، أو جزءا من المسؤولية على أقل تقدير.
في مساء اليوم التالي.. وجد خالد نفسه يسعى في طريقه للبحث عن عمل مناسب له في المدينة القريبة من بيته، وتكررت رحلة خالد المسائية للبحث عن عمل عدة أيام دون أن يلمح بارقة أمل في العثور على عمل لشاب مثله، ولكنه لم يفقد الأمل..
ذات مساء دخل خالد متجرا كبيرا، وما أن وقف مع شاب يعمل فيه، حتى شعر بيد غليظة تأتي من ورائه، وتمسك بذراعه..التفت خالد فإذا برجل وجهه ليس بغريب عنه.. بادره الرجل قائلا: "ألست خالدا ابن المرحوم الحاج حميد؟ تخلص خالد من ارتباكه، وتنفس الصعداء وقال: " نعم أنا بعينه"!!فابتسم الرجل وقال: ألا تعرفني؟ أنا صديق والدك –يرحمه الله- صحيح أنني لم أكن أتردد عليكم كثيرا لانشغالي في تجارتي، إلا أن والدك كان كثير المجيء عندي، إنه من أعز الأصدقاء… قاتل الله الدنيا كيف تأخذ الإنسان وتسرق عمره!!قل لي، ما الذي جاء بك هنا اليوم؟
انفرجت أسارير خالد، وعلم أن الله لن يضيع تعبه، وأيقن أن العمل أصبح قاب قوسين أو أدنى منه "لقد جئت .. جئت أبحث عن عمل يا عم .. فمنذ سنوات والوالدة تعمل، وتوفر لنا احتياجاتنا والآن ازدادت الأعباء عليها ولم تعد صحتها كما كانت من قبل وأنا كبرت وبإمكاني العمل..فالوالدة تصر على العودة إلى عملها السابق، ولا تريد أن أترك دراستي، لذا اخترت التفرغ لدراستي صباحا والعمل بعد الظهر".
أغمض العم صالح عينيه .. " إن والده كان نعم الأخ والصديق ومن الواجب أن أبر أبنائه من بعده" .. صحا العم صالح على صوت أحد الزبائن يلقي عليهم التحية .. نظر العم صالح إلى خالد وقال: لا عليك يا بني، عد إلى والدتك وأخوتك ولك عندي في نهاية كل شهر مبلغا يكفيك، ويسد احتياجاتكم"..
شعر خالد بالضيق، وأحس بأن كرم العم صالح كان إهانة له وجرحا لكبريائه وكرامته .. طأطأ خالد رأسه، وبدا كأنه يبحث عن كلمات يستطيع الرد بها على العم صالح دون أن يشعره بضيقه " لقد جئت يا عم أبحث عن عمل بأجر، وليس عن أجر بلا عمل" ابتسم العم صالح وكأنه أحس بشعور خالد والحرج الذي أوقعه فيه عرضه السخي، فلم يكن من مخرج للعم صالح إلا الموافقة على عمل خالد في متجره براتب شهري..
صافح خالد العم صال ثم خرج والفرحة لا تكاد تسعه، لولا إحساسه بالخوف على أمه التي أشتد عليها المرض منذ أيام…وقبيل أذان المغرب كان خالد يطرق باب المنزل الذي انفرج عن وجه أخيه جاسم، فاستطاع خالد أن يقرأ في وجهه أن هناك شيء غير عادي، " ما الأمر؟ ماذا حدث؟
" الوالدة .. ازدادت حالتها سوءا … وعند جاراتها".. انتاب خالد القلق فهاهو ينتظر خروج الجارات على أحر من الجمر.. فرغم حديث أخيه معه عن حالة أمه، إلا أنه مازال مستمرا .. كم يتمنى لو أن أمه تسترد عافيتها، وتعود سيرتها الأولى، ليس من أجل عودتها إلى العمل، فهذا أمره حسمه خالد، وإنما لتجلس في بيتها ترعى أبنائها، وتسعد بهم، ويسعدون بها، خاصة وأن خالدا مقبلا على الإنتاج، وخاله محمد تكفل فبل زيارته الأخيرة لهم بتوفير احتياجاتهم ..
فتحت الأم عينيها، فإذا بخالد يجلس بجانبها .. " متى جئت يا خالد؟
ابتسم خالد وقال: عندما كنت عند جاراتك.
" وكم الساعة الآن ؟ "
" الثالثة صباحا .. لقد كنت قلقا عليك، ولم أستطع النوم قبل الاطمئنان عليك " ابتسمت الأم وقالت: لا عليك يا بني، أن الآن بخير من الله، أذهب وأرح جسمك قليلا إلى أن يؤذن الفجر.
جلس خالد يتناول الغداء مع أمه أخويه، ولم يمر وقت طويل حتى كان يغذ السير في طريقه إلى عمله الجديد في يومه الأول .. لقد اطمأن الآن على أمه التي أضحت بخير، وبشائر الشفاء تكسو وجهها .. وهاهو سيعمل ويحصل على مبلغ معقول من المال .. وخاله محمد أحس بواجبه تجاه شقيقته وأبنائها .. كل هذا كان كفيلا بأن يشعر خالدا بالراحة والاستقرار، والأمل في مستقبل أفضل، فما عليه الآن إلا أن ينظم وقته ويقسمه بين الدراسة والعمل.
لقد تضافرت ظروف الحياة ولم تسمح لخالد أن يكون من الشباب المنعم، لقد صقلته الحياة، وعلمته الصبر والجد والاجتهاد، وأن العلم خير وأبقى من المال.
وقف خالد في متجر العم صالح، كأحرص ما يكون على أن يثبت أن الراتب الذي سيحصل عليه في نهاية الشهر هو مقابل تعب وجهد حقيقيين، وليس صدقة أو هدية من العم صالح. وبالفعل كان خالد شعلة من النشاط، ونموذجا طيبا للجد والأمانة والإخلاص، لقد سر منه العم صالح، وأعجب به وازداد حبه له عندما علم أن يضع في جيبه قصاصات من الورق لا تزيد الواحدة منها على حجم كفه، وكان يخرجها من جيبه في أوقات خلو المتجر من الزبائن ليقرأ فيها، لقد كان خالد حريصا على تلخيص المادة في هذه الأوراق قبل ذهابه للعمل .. هذه الفكرة جعلت العم صالح يزيد من تقديره لخالد حتى أنه سمح له أن يتغيب عن العمل في أي يوم يشعر فيه بأنه سيتأخر عن دراسته .. ولكن أنى لخالد أن يفعل ذلك!! فهو يريد عملا بأجر، وليس أجرا بلا عمل ..
وتمر الأيام وهاهو خالد يلتحق بالجامعة .. وتمر الأعوام، عاما بعد عام، يظهر فيها خالد مزيدا من الجد والاجتهاد، ميزه عن بقية أقرانه، رغم الصعوبات التي تعترض طريقه، والمواقف التي تهز كيانه، ولكنه من النوع الذي يتكئ على هذه الصخور لتعينه على التسلق، ومواصله الصعود إلى القمة.
اليوم .. سيقطف خالد ثمرة سنين من الجهد، فاليوم موعده مع حفل تخريج الجامعة ... جلس بين أقرانه .. وبدأ الحفل وكان اسمه من بين المتفوقين .. تقدم بخطوات ثابتة إلى المنصة ليصافح رئيس الجامعة، ويتسلم منه شهادته، وما أن وقف خالد أمامه حتى خاطبه أمام الحاضرين قائلا: (عظمت أيها الشاب، والرجال قليل، فكم من أكياس بشرية لا وزن لها، وكم من فتيان كأعمدة النخل لكنها خاوية الدخل، وكم من أجساد يغطيها الطيلسان والحرير ولكنها عارية النفس والضمير) .. ثم واصل حديثه قائلا: (لقد كانت طريقة صعبة محفوفة بالأشواك ولكنه شقها غير مبال بالجروح، وبالصبر والإرادة استطاع أن يصل إلى هدفه، وهاهو اليوم يحصد ثمرة جهده وجهاده، وبهذا استحق كل تقدير مني ومن أساتذته في الجامعة، وقد قررت إدارة الجامعة أن تعينه معيدا في الكلية التي تخرج منها) ..
ما أن أتم رئيس الجامعة كلامه حتى دوى في القاعة تصفيق حار، شعر معه خالد بالفخر ولم يشعر بالغرور .. استدار وتوجه إلى حيث تجلس أمه، وأكب على يديها، نظر إليها،ونظرت إليه، وانحدرت دمعتان من عينيها ودمعتان من عينيه؛ إيذانا بحياة مختلفة جديدة، ومرحلة أخرى من الجهد والعمل والإنتاج في سبيل الوطن .
تحياتي,,, سراب...
أرخى الليل سدوله، وتلألأت النجوم في السماء ، كأنها شمعات أضيئت في ليل حالك السواد.. ونام أهل القرية على أنغام الريح الباردة وهي تجول في أزقتها الضيقة المهجورة..
في هذه الليلة..ككل ليلة، أطفأت بيوت القرية أنوارها إلا بيتا واحدا جارت عليه الأيام، فتركته مهلهلا تكاد جدرانه تتساقط على مالكيه، والبرد يتخلل شقوقه ليستقر في عظام ساكنيه، وقد انبثق منه نور ضئيل..وتسلل منه أصوات طقطقة متقطعة..وفي ركن من أركانه جلست سيدة عجوز على كرسي خشبي بدت عليه علامات القدم، وتخيط الثياب..ظهرها متقوس هده الزمن، وقد بدا على وجهها علامات التعب والإرهاق..
ما كادت العجوز تنتهي من خياطة الثوب الذي كان بين يديها، حتى أحست بالنعاس الذي يتسلل إلى عينيها الحمراوين..فلملمت الثياب، ووضعتها جانبا، وأطفأت ( الفنار ) ثم ألقت بجسدها الذاوي داخل الفراش هربا من البرد الذي يهاجم القرية دون أن تصاحبه غيوم وأمطار..واستسلمت للنوم،والآلام تنخر جسدها بين الحين والآخر..
مرت سويعات، وبدأت أنوار الفجر تطل على الكون، لتبدد ظلام الليل وتنشر مكانه الضوء الساطع، ليحمل معه الآمال العريضة.. ..
استيقظت الأم، وأيقظت أبنائها الثلاثة الذين خرجوا –كعادتهم- للصلاة في المسجد القريب رغم برودة الطقس، وما أن عادوا حتى وجدوا الإفطار بانتظارهم...
ومع أشعة الشمس التي -عبثا- تحاول بث الدفء في الكون، انطلق الأبناء الثلاثة يشقون طريقهم إلى مدارسهم بعد أن ودعوا أمهم التي لم تبخل عليهم بالدعاء لهم بالتوفيق والنجاح.. ثم وقفت بالباب ترقبهم إلى أن غابوا عن ناظريها..
عادت أم خالد إلى الثياب تستكمل ما أنجزت في الليلة الفائتة فهي رغم إجهادها بحاجة إلى مضاعفة جهودها، فمصروفات البيت ازدادت، ومتطلبات أبنائها كثرت .. أخذت تقلب الإبرة بين أصابعها بمهارة، تغرسها في الثوب مرة بعد مرة .. غلبتها سنة من نوم..انغرست الإبرة في إبهامها فانتبهت وفتحت عينيها فوقع بصرها على الجدار المقابل لها حيث صورة زوجها.. ورجعت للوراء سبع سنوات..وانساب شريط الذكريات..وتراءى لها زوجها وهو على فراش الموت يلفظ أنفاسه الأخيرة، وطرقت أذنيها وصيته التي أخذ -يومها- يكررها ويؤكد عليها "علمي أولادك..لا تبخلي عليهم ما استطعت.. اغرسي فيهم القيم والأخلاق وحب العلم.."
بعدها لم تسمع إلا همسا متقطعا لا يكاد يبين.. و ما هي إلا لحظات حتى أسلم روحه إلى بارئها ..وبالرغم من مرور هذه السنوات الطويلة على وفاة زوجها إلا أن أم خالد لم تتمالك نفسها في هذه اللحظات..سالت دموعها على خديها.. ارتعش جسمها..وأخذت تتمتم"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، اللهم إليك المشتكى، وأنت المستعان.."
لم تستطع أم خالد الخروج من دوامة الذكريات، وغرقت في خضم الأفكار التي أثقلت كاهلها بمزيد من الهموم، ولم تنتبه إلى نفسها إلا على صوت أولادها الذين دلفوا إلى المنزل عائدين من مدارسهم..مسحت دموعها بسرعة و مسحت دموعها بسرعة وحاولت أن تخفي حزنها، وتكتم حسراتها، ولكنها لم تفلح في ذلك..دنا خالد من أمه يسألها إن كان قد حدث شيء أثناء غيابهم من المدرسة..فرفعت رأسها وهي تنظر إلى وجه ابنها، ثم اصطنعت ابتسامة رسمتها على وجهها وقالت: لا شيء يا بني، فألح خالد على أمه، ولم يكن أمام الأم إلا أن تصارح ابنها الأكبر.. وفهم خالد، فقد كبر هو و أخواه وكثرت احتياجاتهم، وزادت مطالبهم، وأمهم مصرة على تعليمهم جميعا عملا بوصية الأب، وحرصا على مستقبل ابنائها وهاهي تصل الليل بالنهار لتؤمن احتياجات البيت..نظر خالد إلى وجه أمه، ثم قال بنبرة فيها رجاء واستعطاف:"أمي .. جاء الآن دوري" لم تفهم الأم ما يعنيه ابنها"أمي لقد تعبت من أجلنا كثيرا وضحيت في سبيل سعادتنا بسعادتك، والآن آن لك أن تستريحي.. سأترك الدراسة وابحث عن عمل.. لقد جاء دوري لأضحي من أجلك ومن أجل أن يكمل أخوي دراستهما"قالت الأم وقد أخذها قول ابنها على حين غرة: وأنت يا خالد؟ "لا عليك يا أمي، لن أنسى وصية أبي و سأكمل دراستي عندما تتحسن الأحوال، المهم أن يكمل جاسم وراشد دراستهما، وأن تستكملي علاجك حتى يتم شفاؤك".
نظرت الأم إلى ابنها نظرة ملؤها العطف والحنان، صحيح أن كلام خالد جعلها تشعر بأن ابنها أصبح رجلا إلا أن ذلك زاد من آلامها، إنها يريد أن يحمل نفسه أكثر من طاقتها.. "لا تتسرع يا ولدي..فصحتي بخير، وأستطيع أن أوفر لكم احتياجاتكم، أنا لا أريد منك شيئا سوى الجد والاجتهاد في دراستك حتى أراك –بعد سنوات-طبيبا.."
"لم أتسرع يا أمي في اتخاذ هذا القرار.. فمنذ ألم بك المرض قبل أسابيع والفكرة تراودني.. نعم يا أمي، سأبحث عن عمل مناسب يدر علي دخلا مناسبا".
تغير وجه الأم، وبدا عليه الحزن والأسى"لا يا بني، فليس المال الوسيلة الوحيدة للحياة، عليك بالاستمرار بالدراسة، والأمور ستسير على ما يرام إن الذي خلقنا لن ينسانا..سأعود إلى العمل في الجمعية بعد أن أشفى بإذن الله، وإياك أن تفكر في ترك دراستك".
أما خالد فقد أعجبه تفاؤل أمه، وإيمانه العميق بالله، هذا الإيمان الذي يسري في شرايينها، فشمس الأمل تلوح -دائما- أمامها، مما يجعلها رغم كبر سنها شعلة متقدة في ليل حالك غاب فيه البدر المنير.
جلس خالد في ركن من أركان المنزل شاردا بفكره .. فبالرغم من حديث أمه التي يكن لها الحب والاحترام والتقدير، إلا أنه لا يستطيع غير التفكير بما آل إليه حال الأسرة، والخوف مما يخبئه لها القدر!!!.
إن فكرة العمل تراوده منذ فترة ليست بالقصيرة، ويبدو أن كلام أمه لن يثنيه عن تنفيذ قراره الذي يقضي بتحمله مسؤولية البيت، أو جزءا من المسؤولية على أقل تقدير.
في مساء اليوم التالي.. وجد خالد نفسه يسعى في طريقه للبحث عن عمل مناسب له في المدينة القريبة من بيته، وتكررت رحلة خالد المسائية للبحث عن عمل عدة أيام دون أن يلمح بارقة أمل في العثور على عمل لشاب مثله، ولكنه لم يفقد الأمل..
ذات مساء دخل خالد متجرا كبيرا، وما أن وقف مع شاب يعمل فيه، حتى شعر بيد غليظة تأتي من ورائه، وتمسك بذراعه..التفت خالد فإذا برجل وجهه ليس بغريب عنه.. بادره الرجل قائلا: "ألست خالدا ابن المرحوم الحاج حميد؟ تخلص خالد من ارتباكه، وتنفس الصعداء وقال: " نعم أنا بعينه"!!فابتسم الرجل وقال: ألا تعرفني؟ أنا صديق والدك –يرحمه الله- صحيح أنني لم أكن أتردد عليكم كثيرا لانشغالي في تجارتي، إلا أن والدك كان كثير المجيء عندي، إنه من أعز الأصدقاء… قاتل الله الدنيا كيف تأخذ الإنسان وتسرق عمره!!قل لي، ما الذي جاء بك هنا اليوم؟
انفرجت أسارير خالد، وعلم أن الله لن يضيع تعبه، وأيقن أن العمل أصبح قاب قوسين أو أدنى منه "لقد جئت .. جئت أبحث عن عمل يا عم .. فمنذ سنوات والوالدة تعمل، وتوفر لنا احتياجاتنا والآن ازدادت الأعباء عليها ولم تعد صحتها كما كانت من قبل وأنا كبرت وبإمكاني العمل..فالوالدة تصر على العودة إلى عملها السابق، ولا تريد أن أترك دراستي، لذا اخترت التفرغ لدراستي صباحا والعمل بعد الظهر".
أغمض العم صالح عينيه .. " إن والده كان نعم الأخ والصديق ومن الواجب أن أبر أبنائه من بعده" .. صحا العم صالح على صوت أحد الزبائن يلقي عليهم التحية .. نظر العم صالح إلى خالد وقال: لا عليك يا بني، عد إلى والدتك وأخوتك ولك عندي في نهاية كل شهر مبلغا يكفيك، ويسد احتياجاتكم"..
شعر خالد بالضيق، وأحس بأن كرم العم صالح كان إهانة له وجرحا لكبريائه وكرامته .. طأطأ خالد رأسه، وبدا كأنه يبحث عن كلمات يستطيع الرد بها على العم صالح دون أن يشعره بضيقه " لقد جئت يا عم أبحث عن عمل بأجر، وليس عن أجر بلا عمل" ابتسم العم صالح وكأنه أحس بشعور خالد والحرج الذي أوقعه فيه عرضه السخي، فلم يكن من مخرج للعم صالح إلا الموافقة على عمل خالد في متجره براتب شهري..
صافح خالد العم صال ثم خرج والفرحة لا تكاد تسعه، لولا إحساسه بالخوف على أمه التي أشتد عليها المرض منذ أيام…وقبيل أذان المغرب كان خالد يطرق باب المنزل الذي انفرج عن وجه أخيه جاسم، فاستطاع خالد أن يقرأ في وجهه أن هناك شيء غير عادي، " ما الأمر؟ ماذا حدث؟
" الوالدة .. ازدادت حالتها سوءا … وعند جاراتها".. انتاب خالد القلق فهاهو ينتظر خروج الجارات على أحر من الجمر.. فرغم حديث أخيه معه عن حالة أمه، إلا أنه مازال مستمرا .. كم يتمنى لو أن أمه تسترد عافيتها، وتعود سيرتها الأولى، ليس من أجل عودتها إلى العمل، فهذا أمره حسمه خالد، وإنما لتجلس في بيتها ترعى أبنائها، وتسعد بهم، ويسعدون بها، خاصة وأن خالدا مقبلا على الإنتاج، وخاله محمد تكفل فبل زيارته الأخيرة لهم بتوفير احتياجاتهم ..
فتحت الأم عينيها، فإذا بخالد يجلس بجانبها .. " متى جئت يا خالد؟
ابتسم خالد وقال: عندما كنت عند جاراتك.
" وكم الساعة الآن ؟ "
" الثالثة صباحا .. لقد كنت قلقا عليك، ولم أستطع النوم قبل الاطمئنان عليك " ابتسمت الأم وقالت: لا عليك يا بني، أن الآن بخير من الله، أذهب وأرح جسمك قليلا إلى أن يؤذن الفجر.
جلس خالد يتناول الغداء مع أمه أخويه، ولم يمر وقت طويل حتى كان يغذ السير في طريقه إلى عمله الجديد في يومه الأول .. لقد اطمأن الآن على أمه التي أضحت بخير، وبشائر الشفاء تكسو وجهها .. وهاهو سيعمل ويحصل على مبلغ معقول من المال .. وخاله محمد أحس بواجبه تجاه شقيقته وأبنائها .. كل هذا كان كفيلا بأن يشعر خالدا بالراحة والاستقرار، والأمل في مستقبل أفضل، فما عليه الآن إلا أن ينظم وقته ويقسمه بين الدراسة والعمل.
لقد تضافرت ظروف الحياة ولم تسمح لخالد أن يكون من الشباب المنعم، لقد صقلته الحياة، وعلمته الصبر والجد والاجتهاد، وأن العلم خير وأبقى من المال.
وقف خالد في متجر العم صالح، كأحرص ما يكون على أن يثبت أن الراتب الذي سيحصل عليه في نهاية الشهر هو مقابل تعب وجهد حقيقيين، وليس صدقة أو هدية من العم صالح. وبالفعل كان خالد شعلة من النشاط، ونموذجا طيبا للجد والأمانة والإخلاص، لقد سر منه العم صالح، وأعجب به وازداد حبه له عندما علم أن يضع في جيبه قصاصات من الورق لا تزيد الواحدة منها على حجم كفه، وكان يخرجها من جيبه في أوقات خلو المتجر من الزبائن ليقرأ فيها، لقد كان خالد حريصا على تلخيص المادة في هذه الأوراق قبل ذهابه للعمل .. هذه الفكرة جعلت العم صالح يزيد من تقديره لخالد حتى أنه سمح له أن يتغيب عن العمل في أي يوم يشعر فيه بأنه سيتأخر عن دراسته .. ولكن أنى لخالد أن يفعل ذلك!! فهو يريد عملا بأجر، وليس أجرا بلا عمل ..
وتمر الأيام وهاهو خالد يلتحق بالجامعة .. وتمر الأعوام، عاما بعد عام، يظهر فيها خالد مزيدا من الجد والاجتهاد، ميزه عن بقية أقرانه، رغم الصعوبات التي تعترض طريقه، والمواقف التي تهز كيانه، ولكنه من النوع الذي يتكئ على هذه الصخور لتعينه على التسلق، ومواصله الصعود إلى القمة.
اليوم .. سيقطف خالد ثمرة سنين من الجهد، فاليوم موعده مع حفل تخريج الجامعة ... جلس بين أقرانه .. وبدأ الحفل وكان اسمه من بين المتفوقين .. تقدم بخطوات ثابتة إلى المنصة ليصافح رئيس الجامعة، ويتسلم منه شهادته، وما أن وقف خالد أمامه حتى خاطبه أمام الحاضرين قائلا: (عظمت أيها الشاب، والرجال قليل، فكم من أكياس بشرية لا وزن لها، وكم من فتيان كأعمدة النخل لكنها خاوية الدخل، وكم من أجساد يغطيها الطيلسان والحرير ولكنها عارية النفس والضمير) .. ثم واصل حديثه قائلا: (لقد كانت طريقة صعبة محفوفة بالأشواك ولكنه شقها غير مبال بالجروح، وبالصبر والإرادة استطاع أن يصل إلى هدفه، وهاهو اليوم يحصد ثمرة جهده وجهاده، وبهذا استحق كل تقدير مني ومن أساتذته في الجامعة، وقد قررت إدارة الجامعة أن تعينه معيدا في الكلية التي تخرج منها) ..
ما أن أتم رئيس الجامعة كلامه حتى دوى في القاعة تصفيق حار، شعر معه خالد بالفخر ولم يشعر بالغرور .. استدار وتوجه إلى حيث تجلس أمه، وأكب على يديها، نظر إليها،ونظرت إليه، وانحدرت دمعتان من عينيها ودمعتان من عينيه؛ إيذانا بحياة مختلفة جديدة، ومرحلة أخرى من الجهد والعمل والإنتاج في سبيل الوطن .
تحياتي,,, سراب...



تعليق