السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
هذا الموضوع وصلني بالبريد,,, و على الرغم من أني لا أعرف الكثير أو القليل عن هذا الكاتب الياباني,, إلا أن المقال بصفة عامة أعجبني,, و يقترب بشكل كبير من الواقع...
أرجو من حضرتكم قراءته,, و في إنتظار تعليقاتكم,,, خاصة إذا كان أحدكم ملما بمعلومات عنه,, و شكرا لكم مقدما

[c]*******************[/c]
نظرة يابانية الى الأدباء العرب، الى الإزدواجية، والى جنازة عبدالناصر
نوبوأكي نوتوهارا
خلال أربعين سنة من حياتي قابلت عدداً كبيراً من الكتّاب العرب وعدداً أقل من المفكرين العرب. وقد تعرفت على رسامين من أقطار عربية عدة. ولي اصدقاء حميمون بين أولئك جميعاً.ومن هذه التجربة الزمنية الطويلة اكتشفت ان الكتّاب النجوم يتكلمون كأنهم سلطة.
في البداية لم أصدق فهمي ولذلك كنت أستمع وأستمع وأستمع ولكن بكل أسف لم أسمع شيئاً جوهرياً يختلف عن السائد. انني شبعت جداً من كلمة "الديموقراطية" وكل من له علاقة بالكتّاب العرب يعرف معنى التخمة من كلمة "الديموقراطية" وهذا الشبع الزائد الزائف يدل بوضوح على غياب الديموقراطية. فمثلاً تجلس مع كاتب يتحدث عن الديموقراطية بلا تعب ثلاث ساعات ولا يعطي مجالاً لأحد من الحاضرين بالكلام. عملياً هو يمارس الديكتاتورية أو على الأقل سلطة النجم ومع ذلك يشكو من غياب الديموقراطية. أظن ان هذا النوع من الكتّاب يشكو من الحاجة لمنصب رفيع في السلطة. كلمة ديموقراطية الآن في العواصم العربية "تميمة" يرددها الجميع ويحملها الجميع بمن فيهم رجال السلطة الحاكمة ووسائل الاعلام العربية الرسمية.
مهرجانات الشعر... والفنادق
أذكر هنا مثالاً غريباً على اليابانيين على الأقل. المهرجانات الشعرية الكثيفة التي تقام في البلدان العربية. يتوافد الشعراء النجوم خاصة من كل البلدان وينزلون في أفضل الفنادق ويأكلون أفخر الأطعمة ويشربون أفضل أنواع المشروبات الروحية وغيرها ثم يتقاضون مكافأة تتناسب مع حجم النجم ومكانته الاعلامية. وتلك المهرجانات كلها تحت رعاية السلطة وتمويل منها. هناك ما لا يفهم ابداً في هذه الظاهرة. ان عقولنا في اليابان عاجزة عن فهم معنى ان يمدح الشاعر أو الكاتب السلطة أو أحد أفراد السلطة. هذا ليس موجوداً عندنا على الاطلاق. نحن نستغرب ظاهرة مديح الحاكم كما نستغرب رفع صوره في أوضاع مختلفة وكأنه نجم سينمائي أو مطرب ذائع الصيت. باختصار نحن لا نفهم علاقة الكتّاب العرب بحكوماتهم. عندنا ننتظر من الكاتب ان يساعدنا ويعلمنا وان يوضح لنا مستقبلنا. ولا يخطر لنا على بال ان كاتباً قد يمدح الحاكم. فكيف اذا عرفنا انه مدح الرئيس أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية ومدح الملك الحسن ملك المملكة المغربية والرئيس حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية والملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية والرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق! نحن لا نفهم كيف يمكن لشاعر كبير ان يمدح اولئك القادة في آن واحد. ربما نفهم انه أعجب بأحدهم فمدحه ولكن ان يمدح قادة يختلفون في أساليب قياداتهم الى حد التناقض فإنه يعني استعداده لمديح من يدفع له نقوداً. وبالطبع هناك عشرات إن لم أقل مئات من أمثال هذا الشاعر هنا يطلع سؤال مرير؛ ما هي العلاقة بين موقف الكاتب والمستوى الفني لابداعه؟ أنا لا أستطيع ان أقبل كاتباً يمدح السلطة أو كاتباً ليس له موقف واضح صريح من قضايا الشعب في البلدان العربية.
من أطرف ما كنت أسمعه من الكتّاب العرب الشكوى الدائمة من غياب الديموقراطية. واتهام الكاتب لزملائه بالعمالة للسلطة. انهم جميعاً تقريباً يتبادلون التهمة نفسها في السر وقليلاً في العلن وذلك كله يدل على ان سلوك معظم الكتّاب العرب يندرج في مفهوم السلطة خارج الحكم او داخل الحكم. ينتصر الضعف البشري وشهوة الظهور وشهوة المال في وقت يحتاج فيه العرب الى ما يشبه المعجزة لكي يحلوا مشاكلهم القائمة.
أذكر مثالاً عملياً آخر على ذلك كله وهو اتحادات الكتاب العرب. يكفي ان نعرف اسماء قادة تلك الاتحادات لنعرف مدى تبعيتها للسلطة فأعضاء القيادة هم من حزب السلطة أو المتحالفين معها أو من المقربين اليها. وحتى قيادة الاتحاد العام للأدباء العرب فإن اختيارها يتم على أسس اقليمية يتفق عليها في الغرف المغلقة وربما في مكاتب الأمن أو ما شابهها.
الازدواجية
منذ عشرين سنة جاء الى اليابان مدرس من مصر الى طوكيو وأقام عندنا سنة، كان لطيفاً مرحاً مريحاً في علاقاته معنا ولكنه كان في الوقت نفسه لاهياً الى أقصى الحدود ومنغمساً في الملذات انغماساً لا يعرف الارتواء. وكان يعلن صراحة عن مذهبه في اللذة ويبرر ذلك بطريقة مرحة خالية من أي حرج. بعدئذ عاد الى وطنه. وعندما زرت القاهرة دعاني الى منزله في حي شعبي من ضواحي القاهرة. في بيت صديقنا تفاجأت بالتبجيل المضخم الذي يلقاه من زوجته وبنتيه. مع كل كلمة وحركة كانوا يخاطبونه: حضرتك. لقد بدا لي الأب الذي يمثل في بيته الاستقامة والأخلاق الصارمة. والحفاظ على كل مظاهر الشرف. وقبيل الغداء ألح علي ان نخرج قليلاً من المنزل. كان مضطرباً قليلاً قبل ان يقترح خروجنا. لقد فهمت لماذا أصر علي ان نتمشى قليلاً قبل الطعام فهو يعرف اننا في اليابان نادراً ما نأكل من دون ان نشرب شيئاً ولـذلك ذهـبنا وشـربنا ثم عـدنا الى بيـته.
هذا الصديق يكاد يكون في سلوكه هذا صورة عن بطل ثلاثية نجيب محفوظ أحمد عبدالجواد، شخص مزدوج في شخصيتين، واحدة في البيت وأمام الآخرين في الحي واخرى في بيوت العالمات حيث الرقص والغناء واللذة الجنسية المحرمة.
شاهدت هنا جهة أخرى من قيمة الازدواجية. كانت زوجة صديقي سمينة بصورة مفرطة.
أعرف ذلك فلقد كان الرجال في مصر يحبون السيدة الممتلئة السمينة ولكن الصورة تغيرت الآن والاجيال الشابة تفضل الفتاة النحيفة ولذلك عندما دخلت البنتان الى الجامعة اصطدمتا بالواقع الجديد. فتاتان طيبتان وسمينتان انتقلتا الى عالم يرفض السمنة. ولقد عبرت لي الفتاتان عن رغبتهما في ان تصبحا نحيفتين ولكن كان الأمر شبه مستحيل في ذلك البيت لأنهم يحافظون على نظام الطعام المملوء بالشحوم والدسم والمشويات ونظام القيلولة الطويل. وما لم يتغير النظام نفسه فإن البنات سيعانين من مشاكل السمنة اجتماعياً على الأقل. ومرّة أخرى نتذكر ثلاثية نجيب محفوظ فعمل الخادمة الأساسي هو ان تسمن البنات لأن النموذج الجمالي المسيطر كان نموذج السيدة السمينة. ليس صديقي وحده مزدوجاً. ان معظم الرجال العرب الذين قابلتهم لهم قيمتان؛ واحدة في البيت وأخرى في الحياة العامة. الرجل العربي في البيت يلح على تثمين قيمته ورفعها الى السيطرة والزعامة.
اما في الحياة العامة فإنه يتصرف وفق قدراته وميزاته ونوع عمله. وهذان الوجهان المتناقضان غالباً ينتج عنهما أشكال لا حصر لها من الرياء والخداع والقمع.
يوم مات الزعيم
كنت في القاهرة يوم مات الرئيس جمال عبدالناصر.
لقد رأيت الحزن الكبير الصاعق الذي سيطر على الناس ولكنني رأيت أيضاً الحيرة والفوضى تسيطر على الناس. كان الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى وكأنهم فقدوا العماد مثل المركب الذي تحطم والركاب لا يعرفون الى أين يمضي بهم ما بقي بين أيديهم. لقد فهمت الوزن الكبير الذي يعطى للزعيم في مصر. الناس يحتاجون الى زعيم أو على الأقل يبدو على المصريين انهم يحتاجون الى زعيم. وقد فهمت في ما بعد ان موت جمال عبدالناصر أحدث شيئاً مشابهاً لما حدث في مصر في البلدان العربية الاخرى. خرج الناس الى الشوارع يلبسون السواد ويبكون يندبون ويهتفون للرئيس الراحل. بالطبع كان جمال عبدالناصـر ذا شعبـية كبـيرة في الوطن العربي ولذلك احدث رحيله فراغاً كبيراً لدى محـبيه وأتبـاعه ولكن ذلـك كـله يطرح السؤال التالي: من هو الزعيم الحقيقي؟ كيف يجب ان يكون الزعيم؟ من هو الزعيم الجدير بالثقة؟ لماذا يحتاجون زعيماً الى هذه الدرجة؟ بالمقارنة، ربما نقدر ان نقول اننا - نحن اليابانيين - نحاول ان نعتمد على شيء آخر. عندنا في اليابان صورة الزعيم فقيرة جداً. لقد فقدنا الصورة الحقيقية للزعيم. اننا نرى كيف يتبارى قادة الاحزاب لكسب أكثرية الأصوات. الزعيم الحقيقي - في تصوري - لا يلهث وراء السلطة، السلطة نفسها تأتي اليه يفرضها عليه وعي المسؤولية والشعور العميق بالواجب.
* كاتب ياباني. ترجم عدداً من المؤلفات العربية الى لغة بلاده. والمنشور أعلاه مقتطف من كتابه الجديد "العرب، وجهة نظر يابانية" الذي يصدر قريباً عن منشورات الجمل (المانيا).
هذا الموضوع وصلني بالبريد,,, و على الرغم من أني لا أعرف الكثير أو القليل عن هذا الكاتب الياباني,, إلا أن المقال بصفة عامة أعجبني,, و يقترب بشكل كبير من الواقع...
أرجو من حضرتكم قراءته,, و في إنتظار تعليقاتكم,,, خاصة إذا كان أحدكم ملما بمعلومات عنه,, و شكرا لكم مقدما


[c]*******************[/c]
نظرة يابانية الى الأدباء العرب، الى الإزدواجية، والى جنازة عبدالناصر
نوبوأكي نوتوهارا
خلال أربعين سنة من حياتي قابلت عدداً كبيراً من الكتّاب العرب وعدداً أقل من المفكرين العرب. وقد تعرفت على رسامين من أقطار عربية عدة. ولي اصدقاء حميمون بين أولئك جميعاً.ومن هذه التجربة الزمنية الطويلة اكتشفت ان الكتّاب النجوم يتكلمون كأنهم سلطة.
في البداية لم أصدق فهمي ولذلك كنت أستمع وأستمع وأستمع ولكن بكل أسف لم أسمع شيئاً جوهرياً يختلف عن السائد. انني شبعت جداً من كلمة "الديموقراطية" وكل من له علاقة بالكتّاب العرب يعرف معنى التخمة من كلمة "الديموقراطية" وهذا الشبع الزائد الزائف يدل بوضوح على غياب الديموقراطية. فمثلاً تجلس مع كاتب يتحدث عن الديموقراطية بلا تعب ثلاث ساعات ولا يعطي مجالاً لأحد من الحاضرين بالكلام. عملياً هو يمارس الديكتاتورية أو على الأقل سلطة النجم ومع ذلك يشكو من غياب الديموقراطية. أظن ان هذا النوع من الكتّاب يشكو من الحاجة لمنصب رفيع في السلطة. كلمة ديموقراطية الآن في العواصم العربية "تميمة" يرددها الجميع ويحملها الجميع بمن فيهم رجال السلطة الحاكمة ووسائل الاعلام العربية الرسمية.
مهرجانات الشعر... والفنادق
أذكر هنا مثالاً غريباً على اليابانيين على الأقل. المهرجانات الشعرية الكثيفة التي تقام في البلدان العربية. يتوافد الشعراء النجوم خاصة من كل البلدان وينزلون في أفضل الفنادق ويأكلون أفخر الأطعمة ويشربون أفضل أنواع المشروبات الروحية وغيرها ثم يتقاضون مكافأة تتناسب مع حجم النجم ومكانته الاعلامية. وتلك المهرجانات كلها تحت رعاية السلطة وتمويل منها. هناك ما لا يفهم ابداً في هذه الظاهرة. ان عقولنا في اليابان عاجزة عن فهم معنى ان يمدح الشاعر أو الكاتب السلطة أو أحد أفراد السلطة. هذا ليس موجوداً عندنا على الاطلاق. نحن نستغرب ظاهرة مديح الحاكم كما نستغرب رفع صوره في أوضاع مختلفة وكأنه نجم سينمائي أو مطرب ذائع الصيت. باختصار نحن لا نفهم علاقة الكتّاب العرب بحكوماتهم. عندنا ننتظر من الكاتب ان يساعدنا ويعلمنا وان يوضح لنا مستقبلنا. ولا يخطر لنا على بال ان كاتباً قد يمدح الحاكم. فكيف اذا عرفنا انه مدح الرئيس أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية ومدح الملك الحسن ملك المملكة المغربية والرئيس حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية والملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية والرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق! نحن لا نفهم كيف يمكن لشاعر كبير ان يمدح اولئك القادة في آن واحد. ربما نفهم انه أعجب بأحدهم فمدحه ولكن ان يمدح قادة يختلفون في أساليب قياداتهم الى حد التناقض فإنه يعني استعداده لمديح من يدفع له نقوداً. وبالطبع هناك عشرات إن لم أقل مئات من أمثال هذا الشاعر هنا يطلع سؤال مرير؛ ما هي العلاقة بين موقف الكاتب والمستوى الفني لابداعه؟ أنا لا أستطيع ان أقبل كاتباً يمدح السلطة أو كاتباً ليس له موقف واضح صريح من قضايا الشعب في البلدان العربية.
من أطرف ما كنت أسمعه من الكتّاب العرب الشكوى الدائمة من غياب الديموقراطية. واتهام الكاتب لزملائه بالعمالة للسلطة. انهم جميعاً تقريباً يتبادلون التهمة نفسها في السر وقليلاً في العلن وذلك كله يدل على ان سلوك معظم الكتّاب العرب يندرج في مفهوم السلطة خارج الحكم او داخل الحكم. ينتصر الضعف البشري وشهوة الظهور وشهوة المال في وقت يحتاج فيه العرب الى ما يشبه المعجزة لكي يحلوا مشاكلهم القائمة.
أذكر مثالاً عملياً آخر على ذلك كله وهو اتحادات الكتاب العرب. يكفي ان نعرف اسماء قادة تلك الاتحادات لنعرف مدى تبعيتها للسلطة فأعضاء القيادة هم من حزب السلطة أو المتحالفين معها أو من المقربين اليها. وحتى قيادة الاتحاد العام للأدباء العرب فإن اختيارها يتم على أسس اقليمية يتفق عليها في الغرف المغلقة وربما في مكاتب الأمن أو ما شابهها.
الازدواجية
منذ عشرين سنة جاء الى اليابان مدرس من مصر الى طوكيو وأقام عندنا سنة، كان لطيفاً مرحاً مريحاً في علاقاته معنا ولكنه كان في الوقت نفسه لاهياً الى أقصى الحدود ومنغمساً في الملذات انغماساً لا يعرف الارتواء. وكان يعلن صراحة عن مذهبه في اللذة ويبرر ذلك بطريقة مرحة خالية من أي حرج. بعدئذ عاد الى وطنه. وعندما زرت القاهرة دعاني الى منزله في حي شعبي من ضواحي القاهرة. في بيت صديقنا تفاجأت بالتبجيل المضخم الذي يلقاه من زوجته وبنتيه. مع كل كلمة وحركة كانوا يخاطبونه: حضرتك. لقد بدا لي الأب الذي يمثل في بيته الاستقامة والأخلاق الصارمة. والحفاظ على كل مظاهر الشرف. وقبيل الغداء ألح علي ان نخرج قليلاً من المنزل. كان مضطرباً قليلاً قبل ان يقترح خروجنا. لقد فهمت لماذا أصر علي ان نتمشى قليلاً قبل الطعام فهو يعرف اننا في اليابان نادراً ما نأكل من دون ان نشرب شيئاً ولـذلك ذهـبنا وشـربنا ثم عـدنا الى بيـته.
هذا الصديق يكاد يكون في سلوكه هذا صورة عن بطل ثلاثية نجيب محفوظ أحمد عبدالجواد، شخص مزدوج في شخصيتين، واحدة في البيت وأمام الآخرين في الحي واخرى في بيوت العالمات حيث الرقص والغناء واللذة الجنسية المحرمة.
شاهدت هنا جهة أخرى من قيمة الازدواجية. كانت زوجة صديقي سمينة بصورة مفرطة.
أعرف ذلك فلقد كان الرجال في مصر يحبون السيدة الممتلئة السمينة ولكن الصورة تغيرت الآن والاجيال الشابة تفضل الفتاة النحيفة ولذلك عندما دخلت البنتان الى الجامعة اصطدمتا بالواقع الجديد. فتاتان طيبتان وسمينتان انتقلتا الى عالم يرفض السمنة. ولقد عبرت لي الفتاتان عن رغبتهما في ان تصبحا نحيفتين ولكن كان الأمر شبه مستحيل في ذلك البيت لأنهم يحافظون على نظام الطعام المملوء بالشحوم والدسم والمشويات ونظام القيلولة الطويل. وما لم يتغير النظام نفسه فإن البنات سيعانين من مشاكل السمنة اجتماعياً على الأقل. ومرّة أخرى نتذكر ثلاثية نجيب محفوظ فعمل الخادمة الأساسي هو ان تسمن البنات لأن النموذج الجمالي المسيطر كان نموذج السيدة السمينة. ليس صديقي وحده مزدوجاً. ان معظم الرجال العرب الذين قابلتهم لهم قيمتان؛ واحدة في البيت وأخرى في الحياة العامة. الرجل العربي في البيت يلح على تثمين قيمته ورفعها الى السيطرة والزعامة.
اما في الحياة العامة فإنه يتصرف وفق قدراته وميزاته ونوع عمله. وهذان الوجهان المتناقضان غالباً ينتج عنهما أشكال لا حصر لها من الرياء والخداع والقمع.
يوم مات الزعيم
كنت في القاهرة يوم مات الرئيس جمال عبدالناصر.
لقد رأيت الحزن الكبير الصاعق الذي سيطر على الناس ولكنني رأيت أيضاً الحيرة والفوضى تسيطر على الناس. كان الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى وكأنهم فقدوا العماد مثل المركب الذي تحطم والركاب لا يعرفون الى أين يمضي بهم ما بقي بين أيديهم. لقد فهمت الوزن الكبير الذي يعطى للزعيم في مصر. الناس يحتاجون الى زعيم أو على الأقل يبدو على المصريين انهم يحتاجون الى زعيم. وقد فهمت في ما بعد ان موت جمال عبدالناصر أحدث شيئاً مشابهاً لما حدث في مصر في البلدان العربية الاخرى. خرج الناس الى الشوارع يلبسون السواد ويبكون يندبون ويهتفون للرئيس الراحل. بالطبع كان جمال عبدالناصـر ذا شعبـية كبـيرة في الوطن العربي ولذلك احدث رحيله فراغاً كبيراً لدى محـبيه وأتبـاعه ولكن ذلـك كـله يطرح السؤال التالي: من هو الزعيم الحقيقي؟ كيف يجب ان يكون الزعيم؟ من هو الزعيم الجدير بالثقة؟ لماذا يحتاجون زعيماً الى هذه الدرجة؟ بالمقارنة، ربما نقدر ان نقول اننا - نحن اليابانيين - نحاول ان نعتمد على شيء آخر. عندنا في اليابان صورة الزعيم فقيرة جداً. لقد فقدنا الصورة الحقيقية للزعيم. اننا نرى كيف يتبارى قادة الاحزاب لكسب أكثرية الأصوات. الزعيم الحقيقي - في تصوري - لا يلهث وراء السلطة، السلطة نفسها تأتي اليه يفرضها عليه وعي المسؤولية والشعور العميق بالواجب.
* كاتب ياباني. ترجم عدداً من المؤلفات العربية الى لغة بلاده. والمنشور أعلاه مقتطف من كتابه الجديد "العرب، وجهة نظر يابانية" الذي يصدر قريباً عن منشورات الجمل (المانيا).


تعليق