ومضة الحياة
عرف جميع الذين يسكنون الزقاق الصغير أن جارهم الطيب العم بكر يبيت الليلة مع حفيده الرضيع , بعد أن شيعوا معه ابنته الشابة إلى مقرها الأخير , على إثر إصابتها بالحمى التي لازمتها أكثر من شهرين وكان قد سبقها إلى الموت زوجها الشاب,حيث قتل في حادث سيارة أجرة كان يرتزق من سياقتها لحساب الغير قبل أن يمضي زواجه بابنة العم بكر عام واحد.ولم تكن مشكلة العم بكر أن يعتني بالطفل الرضيع في الشهر الرابع من عمره , فقد ألف ذلك وظل يمارسه طوال المدة التي قضتها ابنته طريحة الفراش فهو يعرف كيف يجهز الرضاعة وكيف يضعها في فم الطفل ويظل ممسكا بها إلى أن تتم رضاعتها, بل يعرف أكثر من ذلك , العناية بنظافته وتغيير ما تستلزمه هذه النظافة من خرق وثياب , وحتى تلك الهنهنات اللطيفة التي يتفقدها الطفل عند النوم كان العم بكر مازال يذكر شيئا منها , فلا يكاد يتم رضاعة الطفل , حتى يأخذ في ترديد هذه الهنهنات بصوته المتحشرج الضعيف.ولكن مشكلة العم بكر الحقيقية كانت فيما ينبغي له أن يعانيه عندما يضطر إلى الخروج إلى عمله في الصباح فهو بواب المدرسة المجاورة,وعمله يستلزم أن يكون عند باب المدرسة قبيل الساعة السابعة وأن يقوم بكنس المدخل ورش أحواض الزهر الصغيرة بالماء..فكيف يوفق بين اضطراره للبقاء بجانب الطفل وبين ضرورة مزاولته للعمل الذي يتقاضى منه مرتبا ظل يزداد شهرا بعد شهر حتى بلغ مائتين وخمسة وسبعين ريالا, تصل إلى ثلاثمائة ريال بما يتكسبه من بيع قطع الحلوى للأطفال.وهو يعرف أن الجيران يحبونه ويكرمونه,ولم يكونوا يبخلون بزيارة ابنته طوال أيام مرضها,ولكن منذ اليوم لم يعد أن يأمل في زيارة أحد,فالبيت خال من النساء , وليس من المألوف أن تدخل احدى الجارات بيتا ليس فيه نساء.ونام الطفل على ذراعه بعد ان امتص اللبن وسمع المألوف من الهنهنات واضطجع الى جانبه العم بكر وظل يلقي نظرة على الفراش الذي كانت تنام عليه ابنته فامتلأت عيناه بالدموع وعادت به ذاكرته الى الوراء ...الى الكثير من الايام والشهور والسنين التي عاشها هكذا على باب الله فقد عرف الدنيا ولكنه لم يعرف لنفسه أبا أو أما فقد قال له خاله العجوز انهما قد ماتا وهو في الخامسة من عمره وتركاه للاقدار ولذلك الخال المسكين الذي كان يمتهن التجارة في نفس الزقاق, وحتى هذا الخال المسكين الذي كان يعوله وزوجه العقيم أختطفته يد المنون ذات يوم قبل ان يبلغ هو العاشرة من عمره ومن ذلك اليوم ظل يعيش كما يتيسر بأي عمل يمكن أن يؤجر عليه بالكفاف ..ولا يستطيع أن يذكر كم من الأعمال مارس طوال هذا العمر ؟ ولكنه يحمد الله مع ذلك , على أنه لم يتسول لم يمد يده مستجديا لقمة العيش كان لا يتردد أن يعمل خادما في البيوت , أو صبيا في الدكاكين أو عاملا في الحجر أو الطين إلى أن استطاع أن يجمع مبلغا من المال دفعه مهرا لزوجة لا يدري كيف رضي به أهلها , على ما يعرفون من رقة حاله ,ولكنه لا ينسى كيف حدبوا عليه , وأعانوه وفتحوا له دكانا صغيرا في رأس الزقاق , كانت تدر عليه ما يكفيه ويكفي زوجته التي كان يذكر أنها كانت طيبة رضية الخلق لم يسمع منها قط كلمة تشير الى فقره وسؤ حاله.وهو اليوم, و قد فارق ابنته الى الأبد . لولا ما بذله من جهد ليتماسك الى أن يصل الى الغرفة التى تركها في الصباح كما هي, او كما كانت قبل وفاة ابنته منذ ثلاثة ايام .
ولم يكد يستلقي على الفراش ويضع الطفل الى جانبه حتى سمع طرقا على الباب ..واستبعد ان يكون احد قد عنى ان يزروه في هذا الوقت ولكنه سمع الطرق مرة ثانية وثالثة فلم يملك الا ان ينهض ويجر قدميه الى الباب وفتحه دون ان يسأل من الطارق فاذا به امام صبية من بنات الجيران تقول له(( ابويا وامي يسلموا عليك ويقولوا هات البزرة وتعال اتغدى معانا)) .
اغرورقت عيناه بالدموع وازدحم صدره بما لا يوصف من انفعالت الحزن والاسى .. ولم يستطع أن يقول شيئا مشى اما الصبية ةاشار لها الى مكان الطفل واستطاع ان يقول لها خذيه وسألحق بك واسرعت الفتاة تحمل الرضيع وتقبله وتخرج به
وستلقى العم بكر على الفراش متهالكا يتنفس وكأنه يرفع أثقالا جاثمة في اعماق صدره ومضى وقت طويل وعادت الصبية تطرق الباب وتنادي العم بكر....وتكرر ندائها دون ان يجيبها أحد
وفي اليوم الثاني كان جيران العم بكر يشيعون جنازته الى مقره الاخير,,,وهم يرددون ..]رحمه الله فقد استراح.
قصة للكاتب((عزيز ضياء)) من المجموعة القصصية((ماما زبيدة))
عرف جميع الذين يسكنون الزقاق الصغير أن جارهم الطيب العم بكر يبيت الليلة مع حفيده الرضيع , بعد أن شيعوا معه ابنته الشابة إلى مقرها الأخير , على إثر إصابتها بالحمى التي لازمتها أكثر من شهرين وكان قد سبقها إلى الموت زوجها الشاب,حيث قتل في حادث سيارة أجرة كان يرتزق من سياقتها لحساب الغير قبل أن يمضي زواجه بابنة العم بكر عام واحد.ولم تكن مشكلة العم بكر أن يعتني بالطفل الرضيع في الشهر الرابع من عمره , فقد ألف ذلك وظل يمارسه طوال المدة التي قضتها ابنته طريحة الفراش فهو يعرف كيف يجهز الرضاعة وكيف يضعها في فم الطفل ويظل ممسكا بها إلى أن تتم رضاعتها, بل يعرف أكثر من ذلك , العناية بنظافته وتغيير ما تستلزمه هذه النظافة من خرق وثياب , وحتى تلك الهنهنات اللطيفة التي يتفقدها الطفل عند النوم كان العم بكر مازال يذكر شيئا منها , فلا يكاد يتم رضاعة الطفل , حتى يأخذ في ترديد هذه الهنهنات بصوته المتحشرج الضعيف.ولكن مشكلة العم بكر الحقيقية كانت فيما ينبغي له أن يعانيه عندما يضطر إلى الخروج إلى عمله في الصباح فهو بواب المدرسة المجاورة,وعمله يستلزم أن يكون عند باب المدرسة قبيل الساعة السابعة وأن يقوم بكنس المدخل ورش أحواض الزهر الصغيرة بالماء..فكيف يوفق بين اضطراره للبقاء بجانب الطفل وبين ضرورة مزاولته للعمل الذي يتقاضى منه مرتبا ظل يزداد شهرا بعد شهر حتى بلغ مائتين وخمسة وسبعين ريالا, تصل إلى ثلاثمائة ريال بما يتكسبه من بيع قطع الحلوى للأطفال.وهو يعرف أن الجيران يحبونه ويكرمونه,ولم يكونوا يبخلون بزيارة ابنته طوال أيام مرضها,ولكن منذ اليوم لم يعد أن يأمل في زيارة أحد,فالبيت خال من النساء , وليس من المألوف أن تدخل احدى الجارات بيتا ليس فيه نساء.ونام الطفل على ذراعه بعد ان امتص اللبن وسمع المألوف من الهنهنات واضطجع الى جانبه العم بكر وظل يلقي نظرة على الفراش الذي كانت تنام عليه ابنته فامتلأت عيناه بالدموع وعادت به ذاكرته الى الوراء ...الى الكثير من الايام والشهور والسنين التي عاشها هكذا على باب الله فقد عرف الدنيا ولكنه لم يعرف لنفسه أبا أو أما فقد قال له خاله العجوز انهما قد ماتا وهو في الخامسة من عمره وتركاه للاقدار ولذلك الخال المسكين الذي كان يمتهن التجارة في نفس الزقاق, وحتى هذا الخال المسكين الذي كان يعوله وزوجه العقيم أختطفته يد المنون ذات يوم قبل ان يبلغ هو العاشرة من عمره ومن ذلك اليوم ظل يعيش كما يتيسر بأي عمل يمكن أن يؤجر عليه بالكفاف ..ولا يستطيع أن يذكر كم من الأعمال مارس طوال هذا العمر ؟ ولكنه يحمد الله مع ذلك , على أنه لم يتسول لم يمد يده مستجديا لقمة العيش كان لا يتردد أن يعمل خادما في البيوت , أو صبيا في الدكاكين أو عاملا في الحجر أو الطين إلى أن استطاع أن يجمع مبلغا من المال دفعه مهرا لزوجة لا يدري كيف رضي به أهلها , على ما يعرفون من رقة حاله ,ولكنه لا ينسى كيف حدبوا عليه , وأعانوه وفتحوا له دكانا صغيرا في رأس الزقاق , كانت تدر عليه ما يكفيه ويكفي زوجته التي كان يذكر أنها كانت طيبة رضية الخلق لم يسمع منها قط كلمة تشير الى فقره وسؤ حاله.وهو اليوم, و قد فارق ابنته الى الأبد . لولا ما بذله من جهد ليتماسك الى أن يصل الى الغرفة التى تركها في الصباح كما هي, او كما كانت قبل وفاة ابنته منذ ثلاثة ايام .
ولم يكد يستلقي على الفراش ويضع الطفل الى جانبه حتى سمع طرقا على الباب ..واستبعد ان يكون احد قد عنى ان يزروه في هذا الوقت ولكنه سمع الطرق مرة ثانية وثالثة فلم يملك الا ان ينهض ويجر قدميه الى الباب وفتحه دون ان يسأل من الطارق فاذا به امام صبية من بنات الجيران تقول له(( ابويا وامي يسلموا عليك ويقولوا هات البزرة وتعال اتغدى معانا)) .
اغرورقت عيناه بالدموع وازدحم صدره بما لا يوصف من انفعالت الحزن والاسى .. ولم يستطع أن يقول شيئا مشى اما الصبية ةاشار لها الى مكان الطفل واستطاع ان يقول لها خذيه وسألحق بك واسرعت الفتاة تحمل الرضيع وتقبله وتخرج به
وستلقى العم بكر على الفراش متهالكا يتنفس وكأنه يرفع أثقالا جاثمة في اعماق صدره ومضى وقت طويل وعادت الصبية تطرق الباب وتنادي العم بكر....وتكرر ندائها دون ان يجيبها أحد
وفي اليوم الثاني كان جيران العم بكر يشيعون جنازته الى مقره الاخير,,,وهم يرددون ..]رحمه الله فقد استراح.
قصة للكاتب((عزيز ضياء)) من المجموعة القصصية((ماما زبيدة))



..

تعليق