هاجس خفي ظل يلح علي بأن لغيري الحق في مشاركتي هذه المعلومات القليلة عن تلك المرأة التي لم يذكرها تاريخ الشرق كثيرا مع أنها سبقت شجرة الدر واشتهرت برجاحة العقل، وحسن التدبير، وسعة الحيلة، كما امتازت بالذكاء والبصيرة وكانت تحفظ القران الكريم وملمة بالفقه الإسلامي وحكمت لمدة اربع سنوات بعكس شجرة الدر التي حكمت ثمانين يوما فقط.
وقد سمعت عنها مؤخرا أثناء ذلك الحديث الشيق بين مجموعة من المثقفين من الهند والباكستان داخل دكان المزين وكان الحوار عن عدم تحقيق فيلم (رضية السلطانة) لعوائد مالية كبيرة وفشله في الهند على الرغم من كل التكاليف الضخمة والاداء المتميز للمثلين والأخراج والديكور وكان إنتاج الفيلم في أوائل الثمانينات من القرن الماضي وكانت أحد الأسباب الرئيسية للفشل برأيهم هو اللغة (الاردية) القوية التي لم يفهمها قطاع عريض من الجماهير بالهند.
ومن الأمور التي لفتت انتباهي أثناء الحوار تلك الكلمات باللغة الاردية (ملكة دوران بلقيس جهان) ومعناها فتنة العالم وهو الأسم الذي أطلقه عليها مؤرخو الهند.
وهام الفارس بداخلي في فلاة التاريخ بحثا عن رضية السلطانة وعثرت على القليل من السطور عنها وربما لا تكفي لمساحتي البيضاء ولكنها لحسن الحظ بعيدة عن ذلك الاكثار المؤدي إلى حضيض اللغو الذي لا قيمة له فالاحجار الكريمة تزداد قيمتها عندما يندر وجودها.
هي أبنة السلطان التمش المؤسس الحقيقي لدولة المماليك في الهند وهو في الأصل مملوك اشتراه السلطان قطب الدين أيبك من غزنة، ومكنتّه مواهبه من تولي المناصب الكبيرة، وحظي بثقة سيده؛ فولاه رئاسة حرسه، ثم عهد إليه بإدارة بعض الولايات الهندية.
وما إن أمسك "التمش" بمقاليد الأمور في البلاد حتى كشف عن كفاءة نادرة وقدرة على الإدارة والتنظيم، ورغبة في إقامة العدل وإنصاف المظلومين، فينسب إليه أنه قام بتأسيس مجلس من كبار أمراء المماليك عُرف باسم "الأربعين" لمعاونته في إدارة البلاد، ويُؤثَر عنه أنه أمر أن يلبس كل مظلوم ثوبا مصبوغا، وكان أهل الهند جميعا يلبسون الأبيض، فإذا قعد للناس أو مرّ على جمع من الناس، فرأى أحدا يرتدي ثوبا مصبوغا؛ نظر في قضيته وأنصفه ممن ظلمه. وبعد وفاته في عام 634 ه 1236م خلفه ابنه "ركن الدين فيروز"، غير أنه كان منشغلا عن مسئولية الحكم وتبعاته باللهو واللعب، تاركا تصريف أمور دولته إلى أمّه التي استبدّت بالأمر وهو ما جعل الأحوال تزاد سوءا، وتشتعل المعارضة ضده، وانتهت الأزمة بأن بايع كثير من الأمراء "رضية الدين بنت التمش"، وأجلسوها على عرش السلطنة، وقد كانت المفضلة لدى أبيها السلطان التمش أكثر من أخوتها الذكور وبذلت السلطانة رضية ما في وسعها من طاقة لتنهض بالبلاد التي خوت خزائنها من المال لإسراف أخيها، وسارت على خطا أبيها في سياسته الحكيمة العادلة، لكنها اصطدمت بكبار أمراء الملوك الذين يشكلون جماعة الأربعين، ويستأثرون بالسلطة والنفوذ، وحاولت السلطانة جاهدة أن تسوسهم، وتحتال على تفريق كلمتهم، وتعقُّب المتمردين والثائرين عليها، وكانت تظهر بمظهر الرجال، وتجلس على العرش والعباءة عليها، والقلنسوة على رأسها وتقود جيشها وهي تمتطي ظهر فيلها.
ولكن المماليك في سلطنتها رفضوا أن تحكمهم امرأة وزاد بغضهم لها لأنها قربت عبدا حبشيا إليها وتزوجته واسمه جمال الدين ياقوت وكان يشغل منصب قائد الفرسان وتشيرمراجع أخرى إنه كان عبدا من بلاد فارس ولم تستطع السلطانة أن تُسكت حركات التمرد التي تقوم ضدها، كما كانت تفعل في كل مرة، فاجتمع عليها المماليك وأشعلوا الثورة ضدها، وحاولت أن تقمعها بكل شجاعة، لكنها هُزمت، وانتهى الأمر بقتلها في 25 من ربيع الأول 637هـ الموافق 25 من أكتوبر 1239م وتولَّي أخيها السلطان "معز الدين" عرش البلاد.



تعليق