قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
خالد بن حمد المالك
نحن نعيش بين عواصف مدمرة، فيحسن بنا أمام هذه الحالة أن نعرف أهدافها، ونوايا القوى العظمى منها، حتى وإن قيل لنا متى ما حاولنا أن نحدد مصدر خوفنا وقلقنا مما يجري حولنا، إنها أوهام وتخرصات، مع إسماعنا جرعة من التهدئات، وكثيراً من المسكنات الكلامية.
* *
فما يجري في منطقتنا خطير، ولا يمكن تفسيره دون وجل وخوف، ولا يمكن فهمه بما يقال لنا من كلام معسول، ومن تأكيدات الغير بعدم وجود علاقة أو ارتباط بما نعتقد أنه يدبر لنا في ليل، وأياً كانت المسكنات فلا قيمة لها، أمام وعينا، وقدرتنا على تفكيك ما يقال لنا متى كانت استنتاجاتنا تتم عن علم ومعرفة نمتلكهما.
* *
الحالة المثيرة للقلق التي تمر بها المنطقة، والأجواء غير العادية المشحونة بالتوتر، والتدخلات المريبة في الشؤون الداخلية لدولنا، كلها تنقل هواجسنا إلى خانة الشعور بأننا أمام عمل مخطط له لإرباك برامجنا وخططنا، وتقويض كل ما بنته سواعدنا على مدى عقود من الزمن، بما لا حاجة لنا في تفسير آخر للوضع الذي تمر به المنطقة.
* *
همومنا إذاً جزء من وعينا، ويجب أن تكون كذلك، وهواجسنا تأتي من قدرتنا على اكتشاف المجهول الذي يدبر لنا، والأهم في ذلك أن نحولها إلى برنامج عمل أمني وسياسي واجتماعي لتمر العاصفة دون أن تصيب أحداً منا، وأن نتعامل معها بوعي وحكمة؛ لنتجنب أي خسارة قد تحدث، وإن حدثت فلتكن في المستوى الأدنى والأقل، ومن دون أن يكون لها التأثير الذي نخشاه.
* *
لماذا هذا الكلام المتشائم، ونحن في المملكة نتمتع بالوضع الأفضل عند المقارنة مع غيرنا من الدول، فيما تعيش دولٌ في جوارنا أوضاعاً مأساوية، ولا يبدو أن خروجها من أنفاقها المظلمة يمكن تحقيقه بأقل الخسائر أو أكثرها، وبالمستقبل القريب المنظور أو البعيد، أقول ذلك لكي لا يأخذنا الاسترخاء، أو الشعور بالقوة عن إدراك الواقع بأننا مستهدفون.
* *
هذا يعني لتفويت الفرصة على أعدائنا، أهمية وضرورة تماسك الجبهة الداخلية، والبعد عن أي شيء يؤدي إلى اختراقها من الخارج، وتثمين كل منجز يتحقق والمحافظة عليه، واعتباره نقطة إيجابية في الطريق الطويل لأمن دولنا، وإن تطلب أي موقف نقداً فيجب أن يكون إيجابياً، وهدفه الإصلاح وتحسين الصورة، والإكثار من المنجزات الجديدة، بجهد جماعي مشترك.
* *
هذه قراءة موجزة لجانب من الوضع الذي تمر به منطقتنا كما أراه، اعتمدت فيها على حالة الغيوم التي تحاول أن تحجب الحقيقة عنا، بينما نحاول من جانبنا بالكاد أن نكتشف المخبوء منها، مع أنني على يقين بأننا جاهزون لكل الاحتمالات، ومستعدون لإفشال أي مخطط شرير يتربص بنا، مهما كان هناك من غموض.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
من المدهش فعلا أن ذكاء البشر يملك هوامش صارمة وسقفا أعلى لا يمكننا تجاوزه مهما فعلنا. هذا ما تؤكده مقاييس الذكاء التي تمتع بها أفضل العباقرة والمبدعـين خلال التاريخ.. يصعب أن تجد بينهم من يتفوق على المتوسط العام بأكثر من 50% أو يدخل طورا جديدا من الذكاء تتكشف بفضله خفايا وأسرار لم تحدث لإنسان غيره (كما حـدث لسكارليت جوهانسون في فيلم لوسي).
المفارقة أنك قد تجد بين عامة الناس من يرتفع لهذا المعـدل ولكن سرعان ما تكتشف أنه مجرد (شخص ذكي) خال من أي إبـداع وعبقرية..
فـالذكاء الخارق (لا يكفي وحده) لخلق العبقرية بدليل العدد الكبير من الأطفال الأذكياء الذين دخلوا الجامعات في سن مبكرة ثم اختفوا بعد ذلك، وهذا وحده دليل على أن الذكاء المجرد شيء، والعبقرية الشاملة شيء آخر..
ووجود سقف أعلى للذكاء البشري يعني ببساطة أن ذكاءنا محدود وعاجـز عن فهم ألغاز كثيرة قد لا ندرك وجودها أصلا.. كما يعني أن ذكاءنا (مقارنة بمخلوقات كونية أكثر تطورا) سيكون منخفضا نوعيا لدرجة لا تجوز معها المقارنة بين الاثنين؛ إلا إن رأيت أنت جواز المقارنة بين ذكاء الانسان وقنديل البحر مثلا..
...ومن المعروف أن ذكاء الانسان خليط بين رصيد وراثي نولد به (وبالتالي يصعب تغييره) وبين بيئة محفزة أو مثبطة (يمكن تغييرها وتحسينها).. فـحين يولد المرء معتوها أو متخلفا فهذا جانب وراثي يصعب تغييره أو تعديله (كما لو ولد في المقابل ذكيا أو موهوبا بالفطرة) في حين يمكن تنمية ذكائه من خلال التعليم الممتاز والتحفيز الجيد (حتى في حال ولد بقدرات عادية تؤهله لتحصيل المزيد).
.. ولكن بطبيعة الحال لكل شيء حدود..
فـحتى حين نستغل البيئة الممتازة (أفضل استغلال) يصعب الارتفاع لأكثر من سقف معين في ذكاء الانسان.. أضف لذلك أن البيئة الممتازة لا يمكنها (مهما تطورت) رفع ذكائنا إلى حدود استثنائية أو جذرية لم تعرف من قبل.. لو كان باستطاعة البيئة الممتازة اختراق سقفنا الوراثي أو ذكائنا النوعي لرأينا جامعات اليوم "تفرخ" ملايين العباقرة، ولكن الحقيقة هي أن معدل العباقرة (مقارنة بعدد السكان) لم يرتفع هذه الأيام في أي مجتمع أكثر مما كان في عهد الإغريق ـــ رغم التوسع في التعليم الجامعي في العصور الحديثة!
.. ما يغيب عن بال معظمنا أن العبقرية والإبداع والتميز تـتطلب (بجانب الذكاء المرتفع) توفـر عوامل أخرى مثل الإصرار، والمرونة، والخيال، ومخالفة المعتاد، وكسر المسلّمات، وحمل هم انجاز معين، مثل كولومبس الذي حمل هم إيجاد طريق نحو الهند من الطرف الآخر للأرض.. وحين تجمع هذه العوامل مع الزمن المناسب، والمجتمع المُـتقبل، تبرز عبقريات فـذة تتجاوز حاجتنا لذكاء استثنائي لم يصل إليه معظم العباقرة...
.. بكلام آخر؛
العباقـرة لا يحتاجون لتجاوز سقف الذكاء البشري، كون العبقرية ذاتها مجموعة أرقام سرية (ومحصلة مواهـب فريدة) لا تـظهر إلا في الظروف المناسبة، والأمـم القـادرة على استيعابها.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يثير برنامج التحوّل الوطني 2020 الانتباه من عدة نواحٍ. فأولاً هو يختلف عن الخطط الخمسية التي اتبعناها منذ عام 1970. فتطورنا خلال الفترة 2016-2020 قد أصبح حلقة من سلسلة. الأمر الذي يعني أن بقية الحلقات سوف تتبع لتصل بنا جميعاً إلى التغيرات النوعية التي تم تحديدها في رؤية 2030. وهذا أمر نوعي جديد في التخطيط الاستراتيجي بدأنا نسير عليه. وهو نهج جربه العديد من البلدان الطموحة مثل ماليزيا وروسيا التي لديها بالمصادفة استراتيجية للتطور متوسطة المدى حتى 2020 وأخرى بعيدة المدى حتى 2030.
الأمر الآخر هو ترابط حلقات السلسلة مع بعضها بشكل محكم وهذا أمر مهم جداً. ففي الصفحة 16 من برنامج التحول الوطني 2020 هناك تأكيد على ان آلية عمل برنامج التحول الوطني سوف يتم تطبيقها بشكل سنوي، لدراسة الجدوى الاقتصادية للمبادرة المستهدفة، ومن ثم اعتماد تكاليف جديدة للسنوات القادمة ابتداء من 2017، وإلى العام 2020. والأمر هنا لا يقتصر على برنامج 2020 وإنما على بقية البرامج التنفيذية التي سوف تأتي بعده. فجميع الأهداف الاستراتيجية في البرنامج قد تم ربطها بأهداف الرؤية 2030. وهذا معناه أن بقية البرامج التي سوف تأتي بعد 2020 سوف تسير على نفس المنوال، مشكلة بقية الطوابق العلوية، حتى تلامس الذروة عام 2030. ولتوضيح أهمية هذه الالية تكفي الإشارة إلى أن مؤشرات خطط التنمية السابقة ومؤشرات الميزانيات السنوية لم تكن على تكل الدرجة من الترابط. في حين أن الميزانية يفترض أن تكون حلقة من الخطة باعتبارها البرنامج التنفيذي الذي يوصل إليها ويؤدي إلى تحقيقها.
ومما له دلالته الخاصة هو أن التخطيط الاستراتيجي قد انتقل لأول مرة من النطاق المحلي وأصبح يستهدف تحقيق المعايير الإقليمية والعالمية. هذا على الرغم من أن المملكة متقدمة في بعض هذه المعايير على غيرها كما هو شأن مؤشر نسبة الرواتب والأجور من الميزانية. فهذا المعيار على المستوى الإقليمي 30% وعلى المستوى العالمي 12% ولذلك فسوف يتم خفض هذا المؤشر من 45% إلى 40%. وبالعكس فهناك بعض المؤشرات التي يتقدم فيه الغير علينا. فمثلاً متوسط الوقت المطلوب لاعتماد وإصدار تراخيص مشروعات التطوير العقاري السكني يأخذ فترة طويلة تصل إلى 730 يوما للترخيص، في حين أن المعيار الإقليمي 44 يوما والعالمي 26 يوما. ولذلك فإن البرنامج سوف يستهدف تخفيض المدة إلى 60 يوماً وهي فترة رغم ذلك ليست قليلة. ولكن كل الأمل أن تصل بحلول عام 2030 إلى أقل من المستوى العالمي. كذلك فإن مكرر متوسط سعر الوحدة السكنية إلى إجمالي دخل الفرد السنوي سوف يتم تخفيضها لتكون أقل من المستوى الإقليمي والذي هو 6.7 مرة.
ورغم ذلك فإنه من غير الممكن عدم الإشارة إلى ان تحقيق برامج التحول الوطني ورؤية 2030 يتطلب القيام بإصلاحات اجتماعية في البداية. فالتقدم الاقتصادي يحتاج إلى تقدم اجتماعي وثقافة اجتماعية مساندة. فرفع نصيب القطاع الخاص إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي يصعب تحقيقه من دون إحداث نقلة نوعية في مؤسسات المجتمع المدني لتكون داعمة لثقافة الاستثمار والمبادرة وجني المصلحة لا معيقة لها.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يردد كثيرون أن رئاسة الأندية من أسهل الطرق للوصول إلى المجد الرياضي وتحقيق مكاسب إعلامية وشخصية للباحثين عنها، غير أن الأمر لم يعد كذلك في السنوات الأخيرة، فمع الارتفاعات المتزايدة في أسعار عقود اللاعبين وتزايد تكلفة العمل في الأندية والدخول في نفق المديونيات التي تصل لمئات الملايين في أكثر من نادٍ سعودي مهم، أصبحت الشخصيات الرياضية غير متحمسة لفكرة الرئاسة.
في الاتحاد يصل حجم المبالغ الواجب سدادها بحسب هيئة الرياضة إلى ٢٩٩ مليون ريال، وربما يزيد، وإلى جانب ذلك يسعى النادي لتجديد ارتباطه مع عدد من لاعبيه إن حالياً مثل المهاجم فهد المولد ولاعب الوسط عبدالفتاح عسيري أو مستقبلاً بجانب المستحقات المستقبلية للعقود السارية، والتزامات أخرى تتعلق بالمعسكرات والمكافآت ومصروفات الألعاب المختلفة، في وقت لايزال أمر الرئاسة معلقاً بعد انتهاء فترة إبراهيم البلوي الذي لم يعلن عن نيته الترشح بسبب الأزمة المالية التي كشفت عن نفسها وبينت عدم صحة أحاديثه وأخيه منصور حول انتهاء مشكلة الاتحاد، في حين لم يترشح أي شخص للسبب ذاته، ومازال البحث جاريا عن رئيس، وإن كان الأقرب تكليف البلوي بالرئاسة.
وفي النصر، قرر الأمير فيصل بن تركي إنهاء مسيرته، بعد أن أصبحت الملف المالي خارج سيطرته بالتزامن مع تراجع مستويات فريقه والخروج من الموسم بلا ألقاب، ما يعني الحاجة للتجديد وارتفاع فاتورة التكاليف بالإضافة لفاتورة المستحقات المالية الضخمة والتي تصل إلى ١٨٣ مليون ريال كديون غير مدققة بحسب بيان المرشح فهد المطوع الذي أعلن انسحابه لعدم التوصل لحل يتعلق بآلية إغلاق هذا الملف.
وفي الهلال، لم يعطِ الأمير نواف بن سعد كلمة الفصل في مسألة بقائه من رحيله الذي أعلن عنه في وقت سابق لأسباب اتضح أنها مالية صرفة، وربما يبقى على مضض بعد تلقي إدارته بعض الدعم الشرفي بجانب وعود ينتظر أن تتحقق على أرض الواقع، بالتزامن مع عملية غربلة وتعاقدات مميزة ينتظرها محبو النادي، وهي أيضاً تحتاج للمزيد من الضخ لإعادة "الأزرق" لمساره الصحيح.
ليس الاتحاد والنصر والهلال الفرق الوحيدة التي تعاني من أزمات مالية، بل حتى بطل الدوري وكأس خادم الحرمين الشريفين الأهلي مدين بـ١٢٠ مليون ريال بحسب رئيسه الذي أكد أن إدارته قادرة على تجنيب "القلعة" الانزلاق في هوة المعضلات المالية، وعدا عن الأهلي وبقية الفرق المقتدرة، فإن عدداً من الأندية ميسورة الحال تواجه المصاعب ذاتها، فرئيس الخليج فوزي الباشا استقال بسبب الالتزامات المالية غير المسبوقة في تاريخ ناديه، والرائد الذي بقي بصعوبة مع الكبار لايزال يبحث عن رئيس يستطيع حلحلة الملفات المالية والسير بالنادي إلى الأمان المالي، أو على الأقل تقليص التزاماته.
مؤكد عزيزي القارئ أنك ستسأل قائلاً: ماذا يعني كل هذا؟ هذا يؤكد على وجود أزمة حقيقية أصبحت تؤثر حتى على صعيد الإقبال على العمل الرياضي، فلا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية أي ناد يعاني من تراكم مستحقات سابقة والتزامات مقبلة، ولا أحد يرغب بضخ الأموال من جيبه الخاص، وبالتالي لاغرابة في أن تبقى الأندية بلا رؤساء.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
، يجيء هذا الطرح في معرض استنكار الكاتب على المغالطات التي تمارسها من
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
حتى لاننسى، وحتى لا يغضب منا بعض العرب! فإن الشابين الفلسطينيين اللذين قتلا أربعة إسرائيليين وأسمهما خالد محمد شحاته ومحمد أحمد موسى أحدهما الآن يموت، والآخر ميت لا محالة، فضلا
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يظل الجسد عاماً كاملاً وهو يخوض في وحل المادة حتى يتكلس، ويتجمد، ويتحول إلى آلة تحركها عقارب الزمن بلا إرادة.. فكان حتماً لصلاحه، وصحته أن يتوقف قليلاً وأن يحرك العامل الأهم، العامل المجمد، وهو عامل الروح، وما ذلك إلا بعزله - ولو قليلاً - عن صخبه، وضجيجه، وأخذه إلى محطة من محطات التنظيف والصيانة.. أخذه إلى محطة العبادة.. عبادة الذي أوجده، والذي خلقه، والذي سواه فعدله..
في نظام الحياة وقانونها مواسم بيئية طبيعية، متكررة منتظمة، وفق ناموس بيئي طبيعي منتظم.. فهناك مواسم المطر، وهناك مواسم الزرع، ومواسم الإنبات، ومواسم الإخصاب، ومواسم الانتاج، ومواسم الحصاد.. ولكل كائن حي يمشي على الأرض مواسمه..
أما الإنسان وهو المستخلف في الأرض، فكل هذه المواسم له، يستفيد منها حيث يشاء، وكيف يشاء.. كما أن جسده الإنساني أيضاً له مواسمه، ومراحله، وفصوله.. وإذا كان الله قد قنن مواسم الكون في مواقيت محددة، ومضبوطة، يتغير بها ايقاع الكون ويخرج من رتابة الجمود إلى حالة التغّير والتبّدل التي تعطيه معنى الاستمرار، والديمومة، والحيوية، فإن الله قد فرض على الإنسان المسلم موسماً خاصاً هو موسم العبادة، موسماً للتقشف، والزهد، والتهذيب، موسماً يكبح فيه المرء شهوات الجسد من الأكل والشرب، فيأخذ الجسد راحة من وعثاء الأكل، والتبشم، والالتهام الذي يتعب وظائفه بالفرز، والإحراق، والامتصاص، والنفي والطرد.. وتخفيف استهلاك طاقته الحسية، وصرفها إلى طاقة روحية تبعث فيه الحيوية، ونشوة التأمل، والخروج من تضاريس الجسد، وحدوده، إلى فضاءات التفكير، والتأمل، والتدبر، وتحريك طاقات العقل، والنفس، والروح، وشحذها من الكلل المادي بطاقة الضوء والنور..
كثير من البشر في غمرة الحياة ينسى من هو.. ولماذا هو موجود..؟ ومن الذي خلقه..؟ ولماذا خلق..؟ بل كثير من الناس يضرب صفحاً عن ذلك، ولا يريد الدخول فيه، أو التحدث عنه.
كثير من الناس لا يحاول طرح الأسئلة حول نفسه، وحول وجوده، وحول الوجود من حوله.. بل يَكُبر في نفسه أن تجادله في الله، والبعث، والنشور.. ويجد في الهروب وتجاهل الأسئلة ملاذاً يأوي إليه، فلا يكترث لشيء، ولا يعبأ بشيء إلا بالمزيد من الركض، والأكل، والشرب، والمكابرة والمعاندة ثم الموت.
ولو فرضنا ان الإنسان خلق فقط ليأكل، وليموت كما يموت البغل، لعددنا أن الحياة لا تستحق أن نعيشها، وأنها أتفه من أن نبقى بها لحظة واحدة..! ولكن من المستحيل أن تكون الحياة كذلك، وأن يكون الوجود كله عبثاً في عبث، وفوضى لا ضابط لها، ولا قانون لها.. لأن كل ما في الكون يدل على أن الحياة خلقت لسر عظيم، وحكمة بالغة، فالله سبحانه وتعالى خلق الحياة، وخلق الكون خلقاً بديعاً، رائعاً، دقيقاً، مقدراً، موزونا: (إنا كل شيء خلقناه بقدر).. وخلق الإنسان وأعد له كوكب الأرض اعداداً متقناً.. فجعل له الأرض منزلاً مرتباً، جميلاً، رائعاً، نظيفاً، منظماً، منضبطاً له كل مقومات الحياة، وأنواع الجمال المبهر... شمس تشرق كل يوم تملأ الدنيا ضياء، وحبوراً، وحرارة تغذي الكائنات بالطاقة. وهي ساعة يومية منضبطة لا تتأخر لحظة، ولا تتقدم لحظة عن موعد شروقها أو غروبها المقنن.. وقمر مضيء يملأ الليل بهجة، وسحراً، وضياء، وهو ساعة شهرية منضبطة في سيرها الأزلي.. وكواكب ونجوم ليلية، وشهرية، وفصلية، وسنوية، ودهرية، زينة للسماء، وعلامات للمواسم، والفصول، وهداية للسائرين في الأرض، والبحر.. محيطات، وأنهار، وبحيرات، وغابات وجنات من الأشجار المثمرة.. وصحارى وقفار تثير الغبار الذي يلقح السماء.. سحب تمطر وأرض تنبت.. وفصول مختلفة، صيف، وشتاء، وربيع، وخريف.. جبال مكللة بالغابات، وجبال مكللة بالثلوج، وأخرى عارية تلوح فيها أضواء الشموس.. فواكه مختلفة الألوان، والأطعام، وزهور مبهجة، عذبة الرائحة مختلفة الطيوب.. كون منضبط، حرارة موزونة، وأكسجين موزون، ونتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وغلاف جوي يحمي الأرض من الأشعة الضارة، ومن النيازك، والنجوم المدمرة، التي تتحول إلى غبار بمجرد ملامستها له.. جاذبية تمسك الكائنات على الأرض وتحدد قيامها، وقعودها، وسيرها، وتربطها بحبل التوازن الذي يحفظها من الانفلات، والشرود. حيوانات مختلفة الأحجام والطباع، والقدرات، والوظائف، منها ما يعوم في الماء، ومنها ما يطير في السماء، ومنها ما يمشي على الأرض..!
ويبقى الانسان في دورته الوجودية، وسنة الحياة التي سنها له خالقه: طفولة، وشبابا، وهرما ثم موتا، يدفن بعضنا بعضا، فنبكي ثم ننسى، حتى يأتي يوم دفننا الذي يتولاه غيرنا، ولن يفلح بعدها إلا من أتى الله بقلب سليم..
قلت في البداية إن لكل شيء مواسمه.. ورمضان موسم عبادة، موسم تبتل، وتقرب، وتأمل، وتفكر في الله وفي بديع صنعه.. وكلما تفكر الإنسان وتدبر ازداد إيمانه.. والإيمان بالله يزداد وينقص، فالتفكر والعبادة هما رياضة الإيمان، التي تزيده وتجعله دائم القوة، مستمر الوجود: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا..) أي ازدادوا إيماناً. وقوله تعالى: (ويزاد الذين آمنوا إيماناً..) ولا يزداد الإيمان إلا بالعبادة والاتجاه إلى الله، وإراحة الجسد والعقل من هموم الدنيا إلى هموم الآخرة، ومن التكالب على المادة، إلى زيادة رصيد المرء من معرفة الله والتقرب إليه، والإحساس به، والاتكال عليه في السراء والضراء والخير والشر.. بهذا يكون الإنسان أحكم توازنه، وصارت حياته ذات معنى، وذات يقين، وصار إلى الهدوء، والطمأنينة، والسكينة، أقرب منه إلى الشقاء والخوف، والقلق، والاضطراب وتحقير النفس بالرياء والنفاق..
ورمضان موسم مغفرة حتى لأولئك الذين يسرفون على أنفسهم في ارتكاب الخطايا، والذنوب، والمعاصي فربهم أرحم بهم، إن هم تقربوا إليه: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً).
إنها بشرى.. وهدية مغفرة للمؤمنين.. وللعصاة التائبين.. فهل نملأ بيادر، ومخازن أرواحنا بغلَّات شهرنا الكريم..؟
- التفاصيل