أهمية تربية الأبناء على المسؤولية

Collapse
X
Collapse
 

  • أهمية تربية الأبناء على المسؤولية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    زياد النوافلة

    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضل له و من يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله ،وبعد: :
    لو نظرنا في حال الأمم والحضارات على مر العصور القديمة والحديثة ، نجد أنه ما من أمة ترقت في مراتب المجد وسطرت اسمها على صفحات التاريخ إلا كان وراء ذلك عمل كبير وتضحيات جسام، وبذل للجهد والعرق في كل الميادين وكل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية...إلخ.
    إن الأمم لا تكون كذلك بغير تحمل أبنائها لمسؤولياتهم، واستعداد الشباب والناشئة للبذل والتضحية والعطاء، مما يجعلنا نتبين خطورة إهمال الناشئة وعدم تربيتهم على الجد واستشعار المسؤولية.
    والحضارة الإسلامية ليست شاذة عن هذه القاعدة حيث أدرك السابقون أهمية هذا الأمر وإذا نظرنا إلى أحوال السابقين من أمتنا نجد أنهم أعطوا هذا الأمر ما يستحقه من العناية بحيث نشأ أبناؤهم نشأة سوية تحملوا المشاق والصعاب دون كلل أو ملل، وبذلوا لهذا الدين ولرفعة الأمة الغالي والرخيص دون منَة.
    فأول هؤلاء الذين أدركوا قيمة تدريب وتربية المسلمين على تحمل المسؤولية مؤسس الدولة الإسلامية الأولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤسس لدولة الإسلام بالشكل الصحيح ويرسي لها قواعد العزة والبقاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فها هو عليه السلام يربي أسامة بن زيد على يديه، ثم في سن السابعة عشرة يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش فيه أبو بكر وعمر، وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وينفذ أبو بكر بعث أسامة رغم معارضة البعض من الأنصار بحجة صغر سن أسامة رضي الله عنه، فيتحمل هذا الشاب الصغير المسؤولية ويمضي في مهمته ويعود منها محققا الغاية التي من أجلها أرسل الجيش وتعجب حين تعلم أن الصحابة كانوا يقولون بعد ذلك: ما رأينا أسلم من بعث أسامة؛ ذلك أن الله تعالى قد حفظ أفراد الجيش حتى رجعوا سالمين..
    ويجلس عن يمينه عليه السلام يوما الغلام عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وعن يساره أبو بكر فيشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يستأذن ابنَ عباس أن يناول الإناء للصديق يقدمه عليه فيرفض ابن عباس أن يؤثر بنصيبه من رسول الله أحدا، وإن كان يكبره في السن والفضل، فيتربى الغلام على الشجاعة الأدبية والجرأة في الحق، وهكذا حتى يصير حبر الأمة وترجمان القرآن.
    وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان عمره إحدى عشرة سنة تقريبًا حين قَدِم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدينة ، وكان يحضر مجالس الكِبار ويحضر مُناسبات المسلمين في المدينة، فلمَّا كبر أصبح علَمًا من أعلام المسلمين. وهو الذي يقول : كُنَّا عندَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: "أخبِرُوني بشجرةٍ تُشبِه - أو: كالرجل - المسلم، لا يَتَحاتُّ ورقُها"، قال ابن عمر: فوَقَع في نفسي أنها النَّخلة، ورأيت أبا بكرٍ وعمر لا يتكلَّمان فكرهت أنْ أتكلَّم، فلمَّا لم يقولوا شيئًا قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "هي النخلة" ، فلمَّا قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقَع في نفسي أنها النَّخلة، فقال: ما منَعَك أنْ تكلَّم؟! قال: لم أرَكُم تكلَّمون فكَرِهتُ أنْ أتكلَّم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأنْ تكون قلتَها أحب إلَيَّ من كذا وكذا؛ (رواه البخاري، ومسلم).
    هكذا يشجعه أبوه ويعوده تحمل المسؤولية، ويصبح عبد الله واحدا من أعلام المسلمين حتى فكر بعض المسلمين عند طعن عمر أن يتولى الخلافة ولده عبد الله من بعده لولا وصية والده رضي الله عنه بعدم تولي ابنه الخلافة من بعده.
    عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعِ ومسؤول عن رعيته، و الرجل راعِ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، و المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راعِ في بيت سيده ومسؤول عن رعيته" وفي رواية " و الرجل راعِ في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعِ و مسؤول عن رعيته.(رواه البخاري ومسلم).
    فهذا الحديث صحيح صريح في التذكير بالمسؤوليات، يهمنا في هذا المقام أهم مقومات المسؤولية الاجتماعية: الرجل راعِ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، المرأة راعية في بيت زوجها وسوف تسأل عما قدمت فيه حيث سيسأل الوالدان كيف ربوا أبناءهم قبل أن يسأل الأبناء عن برهم بهم فصلاح الأبناء يتوقف على صلاح الوالدين أنفسهم.
    فخير دليل على أهمية التربية وتحمل الوالدان لمسؤولياتهما تجاه الأبناء تلك القصة المشهورة لذلك الشاب السارق الذي لما أرادوا قطع يده! نادى القاضي وقال: إقطعوا يدّ أمي لأنني وأنا صغير سرقت بيضة فتهلل وجهها وضحكت لي؟ .تلك القصة يؤيدها ذلك المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى ليبين لنا كيف أن السنبلة لا تستوي على عودها إلا إذا كانت بذرتها صالحة وتربتها صالحة فإذا كانت البذرة فاسدة وتربتها سبخة فأي عود وأي زرع ترجو من وراء ذلك، قال الله عز وجل:" وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴿٥٨﴾"(الاعراف).
    فمن حق البذرة ألا توضع إلا في أرض طيبة وكذلك من حق الولد على والده أن يحسن اختيار أمه، فالأب الصالح والأم الصالحة لا شك أن ثمرة وذرية ذلك الزواج ستكون صالحة.
    فهذا المبارك والد الإمام الحجة شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك، كان عبداً رقيقاً أعتقه سيده، ثم عمل أجيراً عند صاحب البستان، وفي يوم خرج صاحب البستان مع أصحاب له إلى البستان وقال للمبارك: ائتنا برمان حلو فقطف رمانات، فإذا هي حامضة، فقال صاحب البستان: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟!!
    فقال له: أنت لم تأذن لي لأعرف الحلو من الحامض..
    فقال: أنت من كذا وكذا سنة تحرس البستان وتقول هذا وظن أنه يخدعه،فسأل الجيران، فقالوا: ما أكل رمانة واحدة منذ عمل هنا.
    فقال له صاحب البستان: يا مبارك ليس عندي إلا ابنة واحدة فلمن أزوجها؟
    قال المبارك: اليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، والعرب للحسب، والمسلمون يزوجون للتقوى ـ فمن أي الأصناف أنت؟ زوّج ابنتك للصنف الذي أنت منه.
    فقال: وهل يوجد أتقى منك، ثم زوّجه ابنته.
    فكان من ثمرة ذلك شجرة يانعة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أكلاً من جهاد، وزهد، وعلم، وصدقة إنه "عبد الله بن المبارك".
    وهذا والد الإمام البخاري يقول عند موته "والله لا أعلم أني أدخلت على أهل بيتي يومًا درهمًا حرامًا أو درهمًا فيه شبهة" فجاء حديث الرسول الصحيح مجموع على يد ولده "محمد بن إسماعيل "البخاري"أصح الكتب بعد كتاب الله.
    فالجميع لدينا هذه المسؤولية، وسنسأل عنها هل أحسنا في أدائها بإتقان، أم قصرنا في ذلك
    لا بد أن نتذكر ذلك و نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، لقول عمر رضي الله عنه: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوها قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم".
      نشر التعليقات معطل

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...