قبل فوات الأوان
الرياض : اليوم
نبيل بن عبدالله المبارك*
المتابع لحركة مؤشر سوق السهم المحلية بشكل يومي قد يصاب بحالة ضبابية وعدم وضوح في الرؤية، مما يتطلب منه أن يفرك عينيه أكثر من مرة اعتقادا منه أن ما يشاهده هو أمر مستحيل أو لا يمكن حدوثه، أقول هذا الكلام ليس على سبيل المبالغة وتضخيم الأمر وإنما حقيقة يجب النظر إليها بتمعن وحذر كبيرين. يتحدث معظم الكتاب المتخصصين عن صعود مؤشر سوق الأسهم السعودية ويعزون ذلك إلى عوامل خارجية كارتفاع أسعار النفط وتوافر السيولة النقدية وبالتالي يخلصون إلى أنه بتوافر العوامل الإيجابية فإن المؤشر لابد وان يرتفع وهو أمر طبيعي، كلام يجب التوقف عنده والتدقيق فيه، ولنعكس الصورة قليلاً ونقول لو إن العوامل الخارجية وعلى رأسها أسعار البترول كما يقولون كانت في أدنى مستوياتها فهل مؤشر سوق الأسهم من المفترض أن يتراجع؟ لقد شهدنا المؤشر في سنوات سابقة كانت أسعار البترول في مستويات متدنية قياسا بالأسعار الحالية ومع ذلك كان المؤشر يسير في الاتجاه المعاكس صعوداً. إذا ما الذي أدى إلى ارتفاع السوق ولماذا؟
المؤشر بشكله الحالي هو صورة لمحتوى معين ومحدد وليس مؤشرا اقتصاديا على غرار مؤشرات الناتج القومي (GDP) أو مؤشرات الاستهلاك أو مؤشرات النقدية (M1.M2)، وهذا المحتوي لسوق الأسهم هو قياس القيمة السوقية للشركات المساهمة التي يتداول أسهمها في السوق بين مجموعة من المستثمرين الذين تتداخل مصالحهم مع مجموعة من المضاربين الذين قد يستغلون فكرة السوق لتحقيق مكاسب سريعة من خلال التذبذب في الأسهم المتداولة، الذي قد يتسببون في زيادة في قيم الأسهم أو تراجعها بسبب عمليات البيع أو الشراء للأسهم حسب التفكير السائد في لحظة معينة على منطق السوق، وبالتالي نمو أو تراجع المؤشر العام للسوق الأسهم.
كان لابد من المقدمة السابقة للتأكيد على أن ليس هناك رابط مباشر بين وجود مؤشرات اقتصادية جيدة أو سيئة وبين مؤشر سوق الأسهم، نعم هناك علاقة ولكنها غير مباشرة، وأؤكد على أنها عوامل غير مباشرة ويجب ألا تكون تبريراً وحيداً لارتفاع المؤشر، وبالتالي فإن المؤشر يجب أن يعكس حال الشركات المساهمة التي يتم تداول أسهما في السوق من خلال التقويم المحاسبي لأداء تلك الشركات سواء كانت المعلومات المالية عن تلك الشركات إيجابية أو سلبية.
إذاً السؤال الرئيس هو هل يعكس المؤشر حال الشركات المساهمة فعلا؟ والاجابة هي بطبيعة الحال لا ونعم في نفس الوقت. لا يعكس المؤشر حال السوق بتركيبته الحالية بشكل دقيق حيث إن عدد من النواقص موجودة في تركيبة المؤشر التي منها:
أولاً: هناك نسبة كبيرة من الشركات التي تقود السوق وعلى سبيل المثال سابك والاتصالات يتم تداول 30% فقط من أسهمها في السوق في حين أن المؤشر يحسب على أساس كامل الأسهم لتلكما الشركتين القياديتين، وبالتالي فإن نحو 70% من قيمة الشركتين تنعكس على المؤشر رغم أنها غير موجودة.
ثانياً: هناك عدد كبير من الشركات المساهمة وبالذات في القطاع الصناعي والزراعي والخدمات نتائجها سلبية وبحاجة ماسة إلى إعادة تقييم لأعمالها حيث تعاني تلك الشركات من خسائر وبعض منها منذ إنشائها، فيما القيمة السوقية لتلك الأسهم لا تعكس القيمة الحقيقة للشركة حسب نتائجها المالية ومركزها المالي وهي نقطة يجب التركيز عليها، حيث معظم البورصات العالمية توقف تداول أسهم الشركات التي تستمر خسائرها لفترة معينة وفي أحيان كثيرة تتم تصفيتها بشكل نهائي حتى لا تؤثر على مؤشر السوق.
ثالثاً: من الصعب أن يمثل مؤشر واحد فقط حالة جميع الشركات المساهمة وهو أمر غير عادل لا للشركات نفسها ولا للمتعاملين في السوق حيث يختلط فيها قيمة أسهم الشركات القيادية والشركات الخاسرة، كما أن المؤشر يغفل التركيبة الاقتصادية للمملكة (وهي نقطة يمكن مناقشتها في مقالات أخرى).
رابعاً: في جميع أسواق العالم يتم الإعلان فورا عن عمليات البيع والشراء الكبيرة في السوق لشركات معينة وتحديد نسب الملكية قبل وبعد الصفقة بهدف إعطاء شفافية كاملة للسوق حتى لا يفهم عند وجود طلب كبير وعرض كبير على أسهم شركات معينة بأن هناك أمراً ما قد يقود المستثمرين الآخرين إلى اتخاذ قرارات متسرعة سواء بالبيع أو الشراء قد يربك السوق.
خامساً: ذكرنا أن 70% من أسهم الشركات القيادية مملوكة للدولة ولا يتم تداول تلك الأسهم، ولكن لا نعلم كم من نسبة الثلاثين بالمائة المتبقية يتركز عند مستثمرين معين (5% فأكثر على سبيل المثال). وبالتالي يزيد من نسبة الأسهم التي تعتبر فعليا خارج التداول.
إذا المؤشر بوضعه الحال لا يعكس الصورة الحقيقة لجميع أسهم الشركات المساهمة في السوق رغم أن حجم السوق قارب الآن مبلغ التريليون ريال ورغم أن هناك شركات تحقق أرباح كبيرة وذات عوائد مجزية، وعلية فإن الصعود الكبير في قيمة المؤشر الذي أصبح مقلقاً كونه غير مبرر، لأنه مؤشر لكامل الشركات المساهمة التي يتم تداول أسهمها في السوق المحلي وليس مؤشرا اقتصاديا يجب أن يرتفع لأن أسعار البترول مرتفعة أو لأن لدينا سيولة نقدية عالية.
نعم وجود عوامل اقتصادية إيجابية وتوافر سيولة نقدية عالية يؤدي إلى ارتفاع المؤشر فقط في حالة السوق المحلي إذا ظل السوق القناة الوحيدة التي يمكن من خلالها توظيف السيولة النقدية بالإضافة إلى العقار لان منطق الكثيرين من خلال الاستثمار في سوق الأسهم هو المضاربة حتى لو كانت القيم الحقيقة محل تساؤل لبعض الشركات في السوق، ومع وجود شريحة عريضة من المستثمرين الذين يتخذون قرار الشراء والبيع في سوق الأسهم على أسس غير الأسس المنطقية لتسعير أسهم شركات معينة لا يمكن معها تبرير ارتفاع المؤشر أو تراجعه لعوامل اقتصادية بقدر ما هي تحركات مستثمرين قد لا يكون بمستوى الوعي والثقافة الاستثمارية الكاملة رغم أن هناك مؤشرات إيجابية حول بداية تواجد نوع من الثقافة الاستثمارية.
ولكن يجب أن يكون هناك تحرك إعلامي عام كثيف بهدف التوعية الاستثمارية حتى يصبح لدينا سوق مالي يعكس مؤشره الحالة الحقيقة للشركات المساهمة جميعها ولا يكون مضللا، وبالتالي المحافظة على سوق يعتبر الأول في الشرق الأوسط وفي المرتبة العشرين عالميا كما ذكرت بعض المصادر.
* محلل مالي

